عظة الأب رمزي جريج – ٢٦ أيلول ٢٠٢٦ – عيد القديسة تقلا – الشبانية

إخوتي وأخواتي، في البداية اسمحوا لي أن أعبّر عن فرحي بأن أكون معكم من جديد بعد فترة طويلة من الغياب، وأن نجتمع اليوم ونحن نحتفل بعيد القديسة تقلا، ونصغي معًا إلى كلمة الرب التي سمعناها الآن.

الإنجيل يتحدّث عن عشر عذارى، وعن عريس وعرس. وربما، إذا قرأنا الإنجيل بسطحية، نتفاجأ ونقول: «يا يسوع، ألهذه الدرجة أنت قاسٍ؟ أناس تأخّروا قليلًا، فتتركهم في الخارج وتقول لهم: لا أعرفكم؟»

وفي أحيان كثيرة، هذا الإنجيل يخيفنا، لأنه يبدو وكأن يسوع ينتظر منّا غلطة صغيرة لكي يتركنا خارجًا. وأحيانًا كثيرة نتعامل مع الله وكأن الله ينتظرني على خطأ، وكأن همّه أن يرميني في جهنّم أو أن يتركني خارج الملكوت.

لكننا سنرى الآن أن الإنجيل يتحدّث عن أمر مختلف تمامًا.

أوّل شيء، وأوّل سؤال يجب أن نطرحه لكي نفهم الإنجيل في عمقه، هو الآتي: لدينا عريس، ولدينا عرس، ولدينا مدعوّون. حسنًا، أين العروس؟

غريب! أين هي العروس؟ لا يوجد عرس من دون عروس.

إذا نظرنا جيدًا، سنكتشف أن كل سرّ فهم هذا الإنجيل يكمن في معرفة مَن هي العروس. لأننا نعرف مَن هو العريس: العريس هو يسوع. ولكن مَن هي عروس يسوع؟

عروس يسوع هي الكنيسة. وعروس يسوع هي نحن. وفي هذا الإنجيل، عروس يسوع هنّ العذارى أنفسهنّ.

وهنا الأمر مذهل!

إذًا، هؤلاء العذارى لم يأتين فقط لكي يشاركن في عرس ما، بل جئن إلى عرسهنّ هنّ مع يسوع.

ومن هنا نبدأ نفهم الموضوع بطريقة مختلفة.

تخيّلوا عروسًا، في يوم عرسها، تقول فجأة: «يا إلهي! لقد نسيت أن أشتري الفستان!» ثم تذهب في اللحظة الأخيرة لكي تشتريه!

إذًا، أوّل نقطة: عندما نعرف أن العذارى هنّ العروس، نبدأ نفهم من أين تأتي شدّة كلام يسوع معهنّ.

النقطة الثانية: يقول الإنجيل إن بعضهنّ أخذن مصابيحهنّ وأخذن معهنّ زيتًا، وبعضهنّ أخذن المصابيح من دون أن يأخذن زيتًا إضافيًا.

وهنا نقطة مهمّة جدًا: لماذا كان يجب أن يأخذن الزيت؟

تعرفون أن المصابيح في ذلك الزمان لم تكن مثل مصابيحنا اليوم. كانت عبارة عن قطعة صغيرة من الفخار، وليست كبيرة، يوضع فيها قليل من الزيت وفتيل. ولذلك، عندما كان الناس يخرجون في الليل، كانوا يأخذون معهم زيتًا إضافيًا، حتى إذا فرغ الزيت من المصباح، استطاعوا أن يملأوه من جديد.

تمامًا كما نفعل نحن اليوم عندما نأخذ معنا شاحنًا للهاتف أو بطاريةً محمولة «Power Bank»، حتى إذا انتهت البطارية نستطيع أن نشحن الهاتف من جديد.

وهذا مهم جدًا.

إذا كان المصباح علامة انتظار العريس، يصبح «الشاحن» مهمًا جدًا أيضًا!

إذًا، النقطة الثانية هي أن اللواتي لم يفكّرن في أخذ الزيت معهنّ، هنّ في الحقيقة اللواتي لم يكنّ جدّيات في انتظار العريس.

قد يقلن: «غدًا نذهب ونشتري الزيت.»

لكن الذي ينتظر العريس فعلًا لا يقول: «غدًا أشتري.»

الذي ينتظر العريس، ويعرف أن العريس عندما يقترب سيكلّمني ويقول لي: «أنا قادم»، لكي أخرج إلى استقباله، لا يترك هاتفه من دون شحن!

انظروا كيف يصبح الإنجيل قريبًا جدًا من حياتنا اليوم.

أمّا النقطة الثالثة، وهي أهمّ نقطة، فتتعلّق بعادات الأعراس في زمن يسوع.

في ذلك الزمن، كان أهل العريس هم الذين يؤمّنون كل مستلزمات العرس. كانوا يتحمّلون مسؤولية كل ما يحتاج إليه العرس.

وهنا علينا أن ننتبه جيدًا:

مَن كان يعطي هذه المستلزمات؟

كان أهل العريس يعطونها للمدعوّين مجانًا.

أهل العريس، أي إن العريس آتٍ، لكنه سبق وهيّأ كل شيء.

إذا تذكّرتم، هناك إنجيل آخر يتحدّث أيضًا عن العرس. يقول إن هناك مدعوّين، ولما حان وقت العرس أرسل صاحب العرس يقول لهم: «تعالوا، كل شيء قد أُعِدّ». فبدأ الواحد منهم يعتذر: واحد يقول: أنا مشغول، وآخر: اشتريت حقلًا وأريد أن أذهب لأراه، وآخر: تزوّجت، وهكذا.

فقال لعبيده: «العرس جاهز، وهؤلاء لا يريدون أن يأتوا. انزلوا إلى الطرقات وادعوا كل من تجدونه».

ثم يقول الإنجيل بعد قليل إن صاحب العرس دخل، فرأى رجلًا ليس عليه لباس العرس، فأخرجه إلى الخارج.

إذا قرأنا هذه القصة بسطحية، ومن دون أن نعرف عادات ذلك الزمن، نقول: «كيف يمكن ذلك؟ أنت بنفسك أرسلت عبيدك إلى الطرقات ليأتوا بالناس، ثم تطلب من واحد منهم أن يكون مرتديًا لباس العرس؟ من أين سيأتي به؟»

لكن عندما نعرف هذا السر، نفهم الأمر.

كما أن الزيت كان يُعطى للعذارى عند باب العرس، كذلك كان كل ما يحتاج إليه المدعو يُقدَّم له: لباس العرس، والمصباح، والزيت.

إذًا، العذارى الجاهلات اللواتي لم يأخذن زيتًا، لسن عذارى فقيرات لم يجدن الزيت، بل هنّ عذارى مستهترات. قلن في داخلهن: «أخذنا زيتًا أو لم نأخذ، ليس الأمر مهمًا».

مع أن الزيت كان يُقدَّم لهن مجانًا!

فماذا فعلن؟ أهملنه ورفضن أن يأخذنه بجدية.

والذي يهتم بعريسه لا يخاطر.

والذي ينتظر فرح قلبه لا يخاطر.

وهذا يعني أنهنّ كنّ ذاهبات إلى العرس وكأنهنّ مجبَرات على الذهاب، لا كمن ينتظر العريس بشوق.

ولهذا، عندما قالت العذارى الجاهلات للحكيمات: «أعطيننا من زيتكن»، ماذا أجابتهن الحكيمات؟

قلن لهن، بمعنى الكلام: «لا يكفينا الزيت نحن وأنتن. لقد كان الزيت متاحًا لكن، وأنتن قلتم إنكن لا تحتجن إليه. اذهبن الآن واشترين».

وعندما يقلن لهن: «اذهبن واشترين»، نفهم أنهن يشرن إلى الأمر نفسه الذي كنّ قد استهترن به منذ البداية.

وهنا نفهم لماذا كان يسوع شديدًا.

لم يكن شديدًا مع غلطة صغيرة، بل كان شديدًا مع القلب.

كان شديدًا مع الأنانية، ومع الاستهتار، ومع الإنسان الذي يقول ليسوع: «أنت عريسي»، لكنه لا يعيش وكأن يسوع فعلًا عريسه.

يسوع عنده مشكلة مع الإنسان المنقسم على نفسه، مع الإنسان المرائي، مع الإنسان الكاذب الذي يقول شيئًا بينما حياته تقول شيئًا آخر.

ولهذا سمعنا في الرسالة القديس بولس يقول إننا نهدم الحصون، ولا نترك شيئًا يرتفع فوق معرفة المسيح.

وهنا لا يتحدّث عن الخارج.

لا يقول إن علينا أن نحارب الذين لا يحبّون يسوع.

ولا يقول إن علينا أن نحارب الممالك التي تضطهد المسيحيين، أو الحكّام الذين يضطهدون المؤمنين.

أيّ حواجز علينا أن نهدم إذًا؟

الحواجز التي في الخارج أم الحواجز التي في الداخل؟

انظروا إلى القديس بولس. هو لم يحارب أحدًا.

معركته الأساسية كانت مع مَن؟

مع نفسه.

والقديسة تقلا أيضًا لم تحارب أحدًا.

تقلا، مع مَن خاضت معركتها؟

خاضتها أولًا مع قلبها.

حاربت شهواتها.

حاربت ملذّات الدنيا.

حاربت الكبرياء.

وعندما اكتشفت أن يسوع هو العريس، وأنه يستحق أن نعطيه القلب كلّه، ماذا فعلت؟

تركت كل شيء.

وكما يقول القديس بولس: «حسبتُ كل شيء خسارة لكي أربح المسيح وأوجد فيه».

وأنا أحب هذه الصورة كثيرًا.

فالقديسة تقلا كانت من أوائل الذين تركوا كل شيء وساروا وراء يسوع. وكانت وثنية، وكانت من عائلة ميسورة، ومع ذلك تركت كل شيء.

والجميل أننا نسمّيها «أولى الشهيدات»، مع أنها لم تمت شهيدة.

حاولوا أن يقتلوها.

ألقوها للوحوش.

وألقوها في النار.

وفي كل مرة كانت السماء تنقذها.

وهي لم تحارب حتى أعداءها.

استسلمت.

لكن من الذي دافع عنها؟ السماء ! 

ولكن، إخوتي، لكي نكون شهداء ليسوع، ليس بالضرورة أن يقتلونا، وليس بالضرورة أن نموت من أجل يسوع.

لكي نكون شهداء ليسوع، علينا أن نكون شهودًا له، وأن يصبح هو عريسنا حقًا.

العروس التي تحب عريسها تقول له: «إن عشتُ، فلَكَ أعيش، وإن متُّ، فلَكَ أموت. إن عشتُ، أعيش معك، وإن متُّ، أموت معك. في حياتي، وفي جهادي، وفي مرضي، وفي صعوباتي، وفي أيامي الجميلة، أنت فرح قلبي، لأنني معك».

وهذه، إخوتي، هي النعمة التي نريد، أنا وأنتم، أن نطلبها اليوم من القديسة تقلا.

أيامنا صعبة، ولكن الله يعطينا في هذه الأيام علامات جميلة جدًا.

لا أعرف إن كنتم قد شاهدتم على التلفزيون كيف استُقبل البابا في فرنسا. كنّا، عندما نذهب إلى فرنسا، وأنا واحد من الذين كانوا يقولون ذلك، نقول: «هذه البلاد فقدت الإيمان. لم يعد أحد يذهب إلى الكنيسة. الكنائس فارغة، والمسيحية انتهت في فرنسا».

لكن تبيّن أن الأمر ليس كذلك.

تبيّن أن الشباب ينتظرون كلمة من الله. وتبيّن أن الشعب الفرنسي نزل إلى الطرقات ليستقبل البابا. وتبيّن أن هناك كنيسة حيّة ما زالت تشهد ليسوع المسيح بالرغم من كل شيء.

انظروا، هذه علامات يعطينا إياها الرب لكي لا ننخدع بالمظاهر.

فليس كل ما يبدو أمام أعيننا هو الحقيقة كلّها.

وهذا ما نريد، أنا وأنتم، أن نطلبه اليوم من الرب: ألّا ننخدع بالظواهر، بل أن نعود إلى أساس إيماننا، إلى ذاك الذي يعطي معنى لحياتنا، ويعطي معنى حتى لموتنا.

واليوم أنا سعيد أيضًا لأنني أحضرت معي هذه النعمة التي حصلت عليها من شخص خارج لبنان. وقد اخترت ذخيرة للقديسة تقلا، وأحببت أن أحضرها معي اليوم.

وفي نهاية القداس سنقوم بزياح، وسأمرّ بهذه الذخيرة بينكم لنتبارك منها.

لكنني لا أريد أن نقترب اليوم من هذه الذخيرة بطريقة فيها شيء من الشعوذة، وكأنني أريد أن آخذ «بركة» لكي تحميني وتحرسني من كل شيء.

فنحن منذ البداية نقول شيئًا آخر:

إذا كانت أيامنا جميلة، فهي جميلة مع يسوع.

وإذا كانت أيامنا صعبة، فهي أيضًا مع يسوع.

وإذا كنّا بخير، فنحن مع يسوع.

وإذا مررنا في الضيق، فنحن أيضًا مع يسوع.

وحين يكون يسوع معنا، حتى الأيام الصعبة تأخذ معنى آخر وتصبح جميلة بحضوره.

لذلك، ونحن نرى ذخيرة القديسة تقلا تمرّ بيننا، نريد أن نقول لها:

«يا قديسة تقلا، علّمينا أن نكون مع يسوع. علّمينا أن نكون من العذارى الحكيمات، اللواتي يفتحن له قلوبهن، ويتشوّقن إلى لقائه، ويفعلن كل شيء كي لا يضيّعن فرصة اللقاء به».

لأنه إذا كان هو الحياة، فمن دونه لا حياة أبدًا.

لنأخذ الآن دقيقة صمت، أنا وأنتم، ونتأمل في هذه الكلمة.

ليتأمل كل واحد منّا في أيامه الجميلة، وفي الصعوبات التي يمرّ بها، ولنرَ كيف أن وجود يسوع يستطيع أن يعطي لكل شيء معنى جديدًا.

ولنطلب هذه النعمة منه لنا، ولكل الأشخاص الذين نحملهم اليوم في قلوبنا.