أبتي الحبيب، حضرات الآباء، أخواتي وإخوتي،
ونحن نعايد بعضنا بعضًا بعيد القديس منصور، من الجميل أن نتأمل، لا في سيرة حياته فقط، التي تعرفونها جميعًا وتعيشون من روحانيتها، بل أيضًا في كيفية تعاطينا نحن، في الكنيسة، مع القديسين عمومًا، وبصورة خاصة مع القديس منصور، أو مع أولئك القديسين الذين تركوا تراثًا في قلب الكنيسة الجامعة.
الفكرة الأولى التي أودّ أن نتأمل فيها هي أن الكنيسة، حين تجعلنا نعيش السنة الطقسية، تقول لنا: أنتم، في الكنيسة، تعيشون مسيرة وراء يسوع.
ففي السنة الطقسية، نعيش زمن الميلاد، أي ميلاد يسوع، ثم يأتي زمن الغطاس، أي معمودية يسوع، ثم زمن الصوم، صوم يسوع وصومنا نحن، وبعده زمن آلام يسوع، ثم زمن إرسال الروح القدس في العنصرة، وزمن الصليب، إلى ما هنالك.
وهكذا تكون السنة كلّها مسيرة وراء يسوع، والكنيسة توضّح لنا هذه المسيرة وكأنها تقول لنا: لا تضلّوا الطريق، فأنتم لا تسيرون وراء أحد إلا وراء يسوع.
لذلك، تشكّل السنة كلّها محطات في تاريخ الخلاص الذي حققه يسوع.
ولكن ماذا تفعل الكنيسة في المقابل؟
في كل يوم من أيام هذه الرزنامة التي تضعها أمامنا، والتي نرافق من خلالها يسوع، تضع أمامنا أيضًا حياة قديس.
وقد نستغرب للوهلة الأولى ونقول: ألم تقولي لنا إن علينا أن نسير وراء يسوع؟ فلماذا تضعين أمامنا قديسين؟ لماذا نجد في كل يوم قديسًا في الرزنامة التي نفتحها؟ واليوم، في السابع والعشرين من أيلول، عيد القديس منصور. لماذا؟
تأتي الكنيسة لتقول لنا: هذا هو الدور الأول للقديسين.
أنتم تسيرون وراء يسوع، وقد تعترضكم صعوبات، وقد تراودكم شكوك، وقد تواجهكم عوائق مختلفة في حياتكم وفي مسيرتكم وراء يسوع. لذلك أضع أمامكم في كل يوم قديسًا، لكي يكون هذا القديس محطة تقوية، ومحطة تشجيع، ومحطة تحثّكم على متابعة السباق.
وكأن القديسين يقولون لنا: قد تمرّون بصعوبات، ولكننا نحن أيضًا مررنا بهذه الصعوبات قبلكم، وتخطّيناها، وثبتنا، وصرنا قديسين.
وهذا بدوره تشجيع لنا لكي نتابع المسيرة، وألا نقطع يومًا مسيرتنا وراء يسوع، بل نبقى دائمًا ملتزمين بالسير وراء الرب يسوع.
إذًا، هذا هو الدور الأول للقديس منصور، والدور الأول لكل القديسين: ونحن نسير مع يسوع، لا نفكّر أننا أول من تبعه، ولا أننا آخر من سيتبعه، بل هناك قديسون سبقونا واستطاعوا أن يتبعوه حتى النهاية. وهذا يشكّل لنا قوة وتشجيعًا لكي نتمكن نحن أيضًا من متابعة مسيرتنا.
أما الفكرة الثانية، فهي أن الكنيسة تقول لنا، في قلب حياتنا، إن هؤلاء القديسين لهم دور الشهادة، ولهم دور المثال.
فنقول عن إنسان ما: هذا قديس، ويمكننا أن نرفعه على المذبح ليكون مثالًا لكم.
ولكن ماذا يعني أن نرفع قديسًا على مذبح؟ وماذا يعني أن نقول إن هذه الكنيسة، أو هذا المذبح، أو هذا النصب، يحمل اسم القديس الفلاني؟ ولماذا نفعل ذلك؟
تقول لنا الكنيسة: هؤلاء موجودون معكم لكي يعطوكم، من خلال حياتهم، شهادة.
وماذا يريدون أن يشهدوا لنا؟
يريدون أن يشهدوا لنا أمرًا مهمًّا جدًّا: إن الأقوال التي قالها يسوع، ابتداءً من قوله: «أحبّوا بعضكم بعضًا»، وصولًا إلى قوله: «أحبّوا أعداءكم»، ومرورًا بكل وصايا يسوع وتعاليمه، هي أقوال يمكن أن تُعاش.
قد يقول أحدهم: استطاع يسوع أن يعيشها لأنه إله وإنسان؛ ومن الطبيعي أن يتمكن يسوع من عيش ما علّمه، لأنه إله وإنسان.
وهنا يأتي القديسون.
فالكنيسة، من خلالهم، تعلّمنا وتقول لنا: إن القديسين، وعلى رأسهم العذراء مريم، وكل القديسين، كانوا بشرًا مثلكم. لم يكونوا آلهة، بل كانوا بشرًا. ولكن، على الرغم من أنهم كانوا بشرًا، استطاعوا أن يعيشوا التزامهم حتى النهاية. ولذلك تقدّمهم الكنيسة لنا لكي نعرف أن المتطلبات الإنجيلية يمكن أن تُعاش.
فلا نقول: وحده يسوع يستطيع أن يعيشها لأنه إله. كل هؤلاء القديسين الذين نتأمل في حياتهم على مرّ السنين، واليوم القديس منصور، كانوا بشرًا مثلنا. ومع ذلك، استطاعوا أن يعيشوا هذه المتطلبات، وأن يُظهروا لنا أن كلمات يسوع ليست شعرًا، وليست فلسفة، وليست كلمات معلّقة في الهواء، بل هي كلمات تتحول إلى مسيرة حياة. لقد عاشوها أمامنا وبلغوا القداسة.
وأكثر من ذلك، فإن الإنجيل الذي سمعناه اليوم يقول الشيء نفسه: «روح الرب عليّ، لأنه مسحني…» لكي أقوم بهذه الرسالة، ولكي يُبشَّر المساكين، وتصل البشارة إلى الفقراء والمحتاجين.
كان يسوع يقرأ: «روح الرب عليّ»، وكان روح الرب عليه. وهذا أمر طبيعي، فهو الأقنوم الثاني.
ولكن مَن منّا لا يستطيع أن يقول أيضًا: روح الرب عليّ؟ فنحن جميعًا معمَّدون، والقديسون الذين سبقونا كانوا أيضًا معمَّدين.
وهنا يأتي السؤال: لماذا استطاع القديسون أن يتفاعلوا مع الروح القدس الذي كان فيهم، وأن يستفيدوا من حضوره لكي يصيروا قديسين، بينما أنا لا أستطيع أن أبلغ ما بلغوه؟
فالروح القدس الذي كان مع القديس منصور، أليس هو نفسه الروح القدس الذي كان مع يسوع؟ أليس هو نفسه الذي هو معي ومعك ومع كل واحد منا؟ نعم، هو ذاته، فلا يوجد أكثر من روح قدس واحد.
إذًا، لماذا استطاعوا هم أن يتفاعلوا معه، وأن يثبتوا فيه، بينما لا أستطيع أنا أن أفعل ذلك؟
هنا تأتي الكنيسة وتقول لنا: بنعمة الروح القدس، عودوا وانظروا من جديد إلى التزامات معموديتكم، لكي تتأكدوا أنكم تسيرون فعلًا وراء يسوع. وهؤلاء القديسون يقدّمون لكم المثال والشهادة، لكي تتابعوا هذه المسيرة حتى النهاية.
أما الفكرة الثالثة، فهي دور القديسين كشفعاء.
ففي مسيرتنا، صحيح أننا نطلب من يسوع ونصلّي إليه، ولكننا أيضًا نصلّي مع القديسين ونطلب شفاعتهم. وهنا تأتي الكنيسة لتقول لنا: هذا هو الدور الثالث للقديس.
فالقديس ليس فقط مثالًا أمامكم لكي تروا كيف عاش حياته، بل يستطيع في الوقت نفسه أن يكون شفيعًا لكم، أي أن يكون مساعدًا لكم في مسيرتكم.
حين أتأمل في حياة القديس منصور من بعيد، قد أقول: لا أستطيع أن أصل إلى ما وصل إليه. هو كان قديسًا، وكان ملتزمًا في حياته إلى هذه الدرجة، أما أنا فلا أستطيع.
لكن الكنيسة تقول لي: أنت لا تنظر إلى القديس منصور من الخارج فقط، لأنك أنت وهو مشتركان في جسد المسيح الواحد.
فالقديس منصور، والقديس شربل، والعذراء مريم، ليسوا أشخاصًا منفصلين عنا، كل واحد منهم في جهة. نحن جميعًا، بالمعمودية، أعضاء في جسد واحد.
ولذلك نستطيع أن نستفيد بعضنا من بعض.
كيف أستطيع أنا أن أطلب من شخص وأقول له: صلِّ من أجلي، لديّ مشكلة؟ وكيف تستطيع أنت أن تطلب من شخص آخر وتقول له: صلِّ من أجلي، لأنني أمرّ بصعوبة؟
لماذا نستطيع أن نصلّي بعضنا من أجل بعض؟ لأننا جميعًا مشتركون في جسد واحد.
وهذا ما نسمّيه الشركة الكنسية، أو الشفاعة في قلب الكنيسة.
فتأتي الكنيسة وتقول لنا: لا تنسوا أبدًا دور القديسين كشركاء وكشفعاء.
وهذا أيضًا ما يساعدنا على أن نفهم لماذا، في قلب القداس، نقدّم الذبيحة لراحة نفوس أحبائنا الذين سبقونا.
فما الذي يربطني أنا، من كنيسة الأرض، بكنيسة السماء؟
الذين سبقوني كانوا معمَّدين، أي أعضاء في جسد المسيح، وأنا أيضًا عضو في جسد المسيح.
فالقديس شربل، والقديس منصور، والقديسة تريزيا، وأي قديس أو قديسة، وأنا، كلنا بالمعمودية مشتركون في الجسد الواحد، ومشتركون في الروح القدس الواحد.
إذا كان جدّي وجدّتي بحاجة إلى صلاة، فهما يستفيدان من الصلاة. وإذا كنت أنا بحاجة إلى صلوات القديس منصور، فأنا أستفيد من صلواته. وهذا ما نسمّيه الشركة الكنسية وشفاعة القديسين.
وهذا يركّزنا كثيرًا على معنى الكنيسة. فشفاعة القديسين لا تعني أبدًا أننا نغيّب يسوع. نحن بعيدون كل البعد عن هذه الفكرة المنحرفة التي يُتَّهَم بها المسيحيون أحيانًا. بل إن دور القديسين هو أن يكونوا تشجيعًا لنا، وأن نستفيد بعضنا من بعض.
فكما أن العين تستفيد من الرئة، والرئة تستفيد من القلب والكليتين، هكذا نحن في جسد المسيح نستفيد بعضنا من بعض. وأعضاء جسدنا، في كل يوم، تستفيد بعضها من بعض من دون أن نكون نحن واعين لكل ما يجري داخل الجسد.
وهكذا أيضًا نحن. نعيش في شركة مع كنيسة السماء، وحين نضع ذواتنا في هذه الشركة، نستطيع، حتى وإن لم نكن واعين لكل ما يحدث، أن نستفيد من هذا العمل، لأن كل شيء لا يتوقف على وعينا نحن، بل على عمل الروح القدس ونعمة الرب فينا.
وأختم بهذه الفكرة: لماذا نعمّد الأطفال الصغار؟
نعمّدهم لأن نعمة الروح القدس تُعطى لهم، وهذه النعمة تعمل فيهم بطريقة لا يمكن وصفها. وهل يستطيع أحد منا أصلًا أن يعرف تمامًا كيف يعمل الروح القدس فيه؟
فلماذا نحرم الطفل من هذه النعمة لمجرد أنه لا يعي بعد ما يحدث؟
ألسنا نحن أيضًا، في كثير من مراحل حياتنا، كالأطفال أمام عمل الله فينا؟
وهذا ما تعلّمنا إياه الكنيسة: تفاعلوا مع نعمة الروح القدس، حتى إن لم تكونوا واعين دائمًا لكل ما يفعله فيكم. المهم أن تبقوا مستعدين لعمله في حياتكم، لكي تصيروا أدوات طيّعة في يد الرب يسوع.
واستشفعوا القديسين في قلب هذه الشركة.
فهذه هي شركة صلاتنا مع موتانا، وصلاتنا مع قديسينا، وصلاة كنيسة الأرض مع كنيسة السماء.
وبالإضافة إلى هذه الأبعاد الثلاثة التي تعلّمنا إياها الكنيسة، تقول لنا أيضًا: إذا كان هذا القديس قد ترك كتابات أو مؤلفات أو أثرًا روحيًا مكتوبًا، فابحثوا عن كتاباته وتعلّموا منها. وقد يظهر بعض القديسين كمعلمين في الكنيسة، مثل القديس أفرام أو القديسة تريزيا، بسبب ما تركوه من كتابات وتعليم.
أما القديس منصور، فعمليًا، لم يكن رجل كتب ومؤلفات بالمعنى المعروف. لديه رسائل، ولدينا محاضرات دُوّنت عنه، لكنه لم يكن ممن يركّزون على أن يكتبوا ويتركوا أثرًا روحيًا مكتوبًا.
لقد ترك أثرًا حيًّا.
ترك رهبانيات أسّسها، رجالية ونسائية، وترك جماعات كثيرة، وكل هذه الجماعات هي جزء من تراثه الحي.
وهنا تصبح هذه الجماعات مسؤولية عليكم.
لماذا مسؤولية؟
لأنكم إذا أحببتم إنسانًا، تكرمون الأثر الذي تركه.
فإذا كنت أحب جدّي، أحافظ على ما أورثني إياه، لأنني أحبه.
وإذا كنتم تحبون القديس منصور، وإذا كنتم تريدون أن تكرّموا هذا القديس، فعليكم أن تحافظوا على الإرث الذي أورثكم إياه.
وهذا الإرث غني جدًا، وهو ثقيل من جهة المسؤولية، لكنه يصير خفيفًا إذا عرفنا كيف نعيشه بنعمة الروح القدس.
وهذه هي وصيتنا لكم في الكنيسة، في عيد القديس منصور: إن هذا الإرث الذي وصل إلينا، من حركات رسولية، وحركات كنسية، ورهبانيات، والتزامات شبابية، وأي شكل من أشكال الخدمة والالتزام، هو اليوم جزء من مسيرتكم.
وطلبنا لكم اليوم هو أن تتفاعلوا مع ما سمعتموه عن القديس منصور، لكي يكون شفيعًا لكم، ويقوّيكم في هذا التراث الذي حمله إليكم، ويساعدكم على أن تتابعوا المسيرة.
ومن دون أن ندخل الآن في تفاصيل كل الجماعات والحركات التي نشأت من هذه الروحانية، نسأل أن يبقى الفقراء في قلب رسالتنا، لأننا كلنا، في النهاية، فقراء إلى نعمة الرب.
ولتَبقَ مسيرة القديس منصور وشهادته رسالة حياة لنا جميعًا.
وباسم الجميع، أتقدّم إليك، أبونا رمزي، وإلى جميع الآباء، وإلى كل الحاضرين، وإلى كل من ينعم، بشكل أو بآخر، بروحانية القديس منصور، بالمعايدة، طالبين أن ترافقنا نعمة هذا العيد كل أيام حياتنا.
وليتمجّد الرب في قديسيه.
