عظة الأب رمزي جريج – ٢٩ أيلول ٢٠٢٦ 

إخوتي، اليوم، كما قلت لكم، تعيّد الكنيسة لرؤساء الملائكة: جبرائيل ورافائيل، ومن الثالث؟ ميخائيل.

إخوتي، القراءات التي سمعناها اليوم من كلمة الرب مهمّة جدًّا. القراءة الأولى، وهي من سفر الرؤيا، تحدّثنا عن حرب في السماء بين ميخائيل وملائكته وبين إبليس وملائكته. واليوم، في الإنجيل، يقول يسوع لنثنائيل: «سوف ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله صاعدين ونازلين فوق ابن الإنسان».

انظروا، إخوتي، إنّ علاقة الأرض بالسماء، أو لنقُل: علاقة العالم المنظور بالبُعد غير المنظور، شغلت الإنسان كثيرًا عبر التاريخ. وكثر الكلام في هذا الموضوع، كما كثرت حوله التأويلات والشعوذات، وأنتم تعرفون كم نسمع من أخبار من هذا النوع.

لكنّ الكتاب المقدّس يقدّم لنا نظرة مهمّة جدًّا.

قبل الكتاب المقدّس، كانت البشريّة، إذا صحّ التعبير، أمام رؤيتين كبيرتين. الرؤية الأولى كانت في العالم الوثني، وخصوصًا في بعض التيارات الفلسفيّة اليونانيّة، حيث كان يُنظر إلى الله على أنّه متعالٍ إلى درجة أنّه لا علاقة مباشرة بينه وبين العالم المادّي؛ فالله في العلاء ولا ينزل إلى عالم المادّة، ولذلك تُتصوَّر وسائط تقوم بينه وبين العالم. وفي بعض التصوّرات الفلسفيّة ظهر مفهوم «الديميورج» بوصفه صانعًا أو منظِّمًا للعالم.

ومن جهة أخرى، نجد في بعض الديانات والتصوّرات الشرقيّة نظرة تعتبر أنّ الإله هو القوّة الكونيّة، أو الطاقة الموجودة في قلب الكون والمادّة، بحيث يكاد الله والكون يصبحان شيئًا واحدًا.

إذًا، لدينا من جهة نظرة تجعل الله والكون لا يلتقيان أبدًا، ومن جهة أخرى نظرة تكاد تخلط بين الله والكون.

وجاء الكتاب المقدّس ليقول: الله هو الله، والخليقة هي خليقة الله. الله إله، والخليقة ليست إلهًا، فلا اختلاط بين الاثنين. ولكنّ الجديد هو أنّ بين عالم الله وعالم الخليقة، وبين الله والإنسان، علاقة حقيقيّة.

وكانت صورة الملائكة في العهد القديم إحدى صور هذه العلاقة.

الله ليس هو الكون، ولكنّه على علاقة بالكون. الله ليس لاعبًا في التاريخ، بل هو حاضر في التاريخ. الله يتواصل مع الناس. وهذه كانت، إخوتي، إحدى الأفكار الجديدة والأساسيّة التي يكشفها لنا الكتاب المقدّس.

لأنّ معركتنا، أنا وأنتم، اليوم ليست معركة تدور في السماء فقط. معركتنا على الأرض.

والمعركة بين ميخائيل وملائكته والشيطان وملائكته هي أيضًا في قلب قلوبنا. أليس هذا صحيحًا؟ إنّها في ضميرنا، في حياتنا، في واقعنا، في خياراتنا، وفي الطريقة التي ندير بها أمور حياتنا. هنا تدور المعركة الحقيقيّة.

ولكنّ هذه المعركة ليست منفصلة عن الله.

الله لا يتركنا ثم ينتظر ليرى النتيجة. الله حاضر معنا في المعركة.

وما أجمل أن تكون الملائكة صورة لهذا الحضور الإلهي معنا.

ماذا يعني أن يقول الإنجيل إنّ ملائكة الله يصعدون وينزلون فوق ابن الإنسان؟

ابن الإنسان هو يسوع، ابن الإنسان المتجسّد. ولكنّنا نحن أيضًا، باتحادنا به، أعضاء جسده السريّ. ومن هنا تصبح صورة الملائكة الصاعدين والنازلين تعبيرًا عن أنّ علاقتنا بالسماء ليست مقطوعة. نحن لسنا منفصلين عن العالم السماوي، بل هناك علاقة وشركة.

وما أجمل أن نرى كيف كان ميخائيل وجبرائيل ورافائيل في قلب تاريخ البشر، وكيف صاروا علامات لحضور الله وعمله.

الملاك جبرائيل جاء إلى مريم وبشّرها، فكان حاضرًا عند حدث التجسّد، عندما دخل الله بصورة فريدة في تاريخ الإنسان.

ورافائيل دخل في حياة طوبيا، كما يخبرنا سفر طوبيا، ورافقه في طريقه، وقاده، وشفاه، وساعده على أن يقرأ مشروع الله في حياته وأن يسير في تحقيق هذا المشروع.

وميخائيل هو الذي يظهر في المعركة ضدّ الشيطان، ضدّ ذاك الذي يريد أن يخرّب حياة الإنسان، وأن يقود البشريّة إلى البغض والكراهية والهلاك والشرّ.

لأنّ الله يريد اليوم خلاصي وخلاصكم.

إذًا، إخوتي، صحيح أنّنا لسنا منفصلين عن السماء، ولكن تبقى المشكلة الكبرى، وهي ما كان آباء الكنيسة يشدّدون عليه دائمًا: إلى أيّ صوت نصغي؟ إلى صوت الروح القدس أم إلى صوت الشيطان؟

مَن نسمح له بأن يرافق حياتنا؟ رسل الروح القدس، أي الملائكة، أم رسل الشيطان؟

ولمن نسمح بأن يحتلّ قلبنا؟ لفضائل القداسة، أم للرذائل وروح الشرّ التي يمكن أن تتحكّم بنا؟

كان آباء الكنيسة يستعملون أحيانًا صورة تقول إنّ وراء الإنسان ملاكًا يدعوه إلى الخير وشيطانًا يدفعه إلى الشرّ. قد تكون هذه صورة تعبيريّة، ولكنّها تصف واقعًا نعيشه كلّ يوم.

أليس هذا ما يحدث فعلًا؟

عندما يزعجنا أحد، أو يخوننا أحد، أو نجد مالًا في الطريق، أو نسمع كلمة جارحة، أو نعرف أمرًا عن شخص آخر، نجد في داخلنا صوتين.

هناك صوت يقول لي: أحبب. سامح. كن عادلًا. أَعِد الشيء إلى صاحبه. استر على أخيك. أحبّه واغفر له.

وهناك صوت آخر يقول لي: انتقم. اسرق. تكلم على غيرك. شوّه صورة الآخر. افضح ما تعرفه عنه.

هذه هي المعركة.

واليوم، بالرغم من ضعفنا، عندما نريد أن نسير في طريق الله، فإنّ الله لا يتركنا وحدنا.

وهذه هي اليوم صورة الملائكة. والمهمّ أن يتّخذ قلبي وقلبكم القرار: في أيّ طريق نريد أن نسير؟ وإلى أيّ صوت نريد أن نصغي؟

فلنأخذ دقيقة صمت، نتأمّل فيها بهذه الكلمة، ونطلب من الرب يسوع أن يعطينا نعمة الخيار الصحيح، لكي نختاره هو.