عظة الأب رمزي جريج – ١٢ أيلول ٢٠٢٦

إخوتي، 

إذا نظرنا إلى كلمة الرب التي سمعناها اليوم، نجد أنها تقول لنا شيئًا نعرفه، ولكن قد يصبح خطيرًا إذا فهمناه بسطحية. فهي تقول لنا، سواء في القراءة الأولى أو في الإنجيل، إن الله سيحاسبنا كما نحاسب بعضنا بعضًا: إذا سامحتُ، يسامحني؛ وإذا ساعدتُ، يساعدني؛ وإذا رحمتُ، يرحمني؛ وإذا قسوتُ، يقسو عليّ؛ وإذا لم أسامح، لا يسامحني.

ولكن أريد أن أقول لكم شيئًا، إخوتي: إذا كانت المسألة بهذه البساطة، فما الحاجة إلى أن يتجسّد يسوع ويموت من أجلنا على الصليب؟ لا يعود لذلك معنى، لأن هذه هي سنّة التعامل بين البشر: كما تتصرّف، يُتصرَّف معك.

ولكن الواقع ليس هكذا.

فالقديس بولس يقول لنا اليوم في الرسالة إن يسوع مات من أجلنا نحن الخطأة. مات من أجلنا، وبذل ذاته لأجلنا، لكي لا نعود نعيش لأنفسنا، بل نصير عائشين له. وكأنّه افتدانا واشترانا، لكي لا نبقى متعلّقين بذواتنا، نعيش لأنفسنا وتكون ذواتنا هي غايتنا، بل لكي نصير تابعين له، نصير له، ونصبح ملكًا له.

وهنا، إخوتي، مفتاح الفهم الحقيقي.

الله ليس منتظرًا أعمالنا لكي يبدأ هو بالعمل معنا. فلو كان الأمر كذلك، لما تجسّد يسوع، ولما مات من أجلنا على الصليب.

يقول القديس بولس إن يسوع مات من أجلنا حين كنّا خطأة وقتلة وزناة. وهذا يعني أن الله أحبّنا وبذل ذاته من أجلنا قبل أن نستحقّ ذلك. افتدانا ونحن في الخطيئة.

فماذا يعني إذًا أنه سيحاسبنا كما نعامل الآخرين؟

الإنجيل واضح جدًا. يتكلّم عن عبد سامحه سيده بدَين ضخم جدًا، بمبلغ يكاد يوازي قيمة حياته كلّها، لأنه طلب منه الرحمة، فأعفاه سيده من الدَّين.

وهذا رمز لله، الذي يعطينا الحب، ويعطينا الغفران، ويعطينا الرحمة في الوقت الذي لا نستحقّ فيه شيئًا.

ولكن هذا العبد، بعدما نال كل هذه الرحمة، وجد أخًا له مدينًا له بمئة دينار، فلم يقبل أن يسامحه.

فماذا قال له سيده؟

قال له: «أيها العبد الشرير، أنا رحمتك».

لم يقل له أولًا: «لأنك لم تسامح، لن أسامحك»، بل بدأ من رحمته هو: أنا رحمتك كل هذه الرحمة، فلماذا لم تتعلّم مني؟ لماذا لم تقبل رحمتي؟ لماذا لم تستفد منها؟

كأنه يقول له: أنا افتديتك، ولكنك لم تصبح لي. لم تدخل في منطقي. لم تصبح من جماعتي.

وهنا نفهم كلام القديس بولس بطريقة جميلة جدًا: نحن، بعد موت يسوع من أجلنا، لم نعد نعيش لذواتنا. فلمن نعيش؟ له.

ومتى، بعدما نختبر محبة الله، نبقى مع ذلك عائشين لذواتنا؟ حين نرفض هذا الحب، أو نستخفّ به، أو نستهين به، أو لا نسمح له بأن يغيّر قلبنا، أو لا نؤمن به.

عندئذ نكون كمن يستغلّ رحمة الله من دون أن يؤمن بها؛ نستفيد منها خارجيًا، ولكننا لا نسمح لها بأن تدخل إلى قلبنا.

وهنا تكون النتيجة: أين يصبح قلبنا؟ إلى جهة الرحمة أم إلى جهة الظلم؟

إذا لم نقبل رحمة الله، يبقى قلبنا مائلًا إلى الظلم.

ولهذا يقول لنا الرب: سأحاسبكم بحسب ما في قلوبكم.

سأحاسبكم في النهاية على مقدار ما قبلتم رحمتي ومحبتي أو رفضتموهما، وعلى مقدار ما سمحتم لهما بأن يدخلا إلى حياتكم ويغيّراكم، أو أبقيتموهما خارج حياتكم.

واليوم، إخوتي، أنا وأنتم مدعوون إلى الدخول مع الله في منطق القلب.

علاقتنا بالله ليست علاقة حسابات خارجية، وليست علاقة فواتير، وليست علاقة محكمة. إنها علاقة قلب.

والتحدّي الكبير اليوم هو أن أسمح ليسوع بأن يغيّر قلبي برحمته.

والنتيجة تظهر بوضوح: الإنسان الذي تغيّر قلبه بالرحمة، ماذا يصبح؟ رحيمًا، أليس كذلك؟

يصبح قادرًا على المغفرة، ولا يعود منشغلًا بعدد المرّات التي يغفر فيها.

قال القديس بطرس ليسوع: «كم مرة أغفر لأخي؟ أسبع مرات؟»

لاحظوا أنه بدأ يعدّ.

ومتى يبدأ الإنسان بعدّ ما يفعله؟ حين لا يكون ما يفعله صادرًا من قلبه؛ حين يقوم به بمجهود؛ حين يفعله لأنه ينتظر مقابله شيئًا.

أما الذي صار قلبه رحيمًا، فهل يسأل: كم مرة يجب أن أرحم؟

أبدًا.

ولهذا قال له يسوع: إذا سمحت لقلبك أن يتقدّس من قلبي ويصبح رحيمًا، فلن تغفر سبع مرات فقط، بل سبعين مرة سبع مرات.

وكأن يسوع يقول له: ستغفر بلا نهاية.

لأن يسوع يعرف أن المسألة ليست مسألة مجهود وفعل خارجي، بل هي مسألة حالة القلب.

إذا كان قلبنا ما يزال قاسيًا، أنانيًا، حقودًا، ويتعامل بمنطق التجارة، فنحن ما زلنا في منطق العدالة فقط، ولم ننتقل بعد إلى منطق الرحمة.

والرحمة أكبر بكثير من العدالة.

العدالة تقول إن المخطئ يجب أن يعرف أنه أخطأ، وأن يواجه خطأه.

أما الرحمة فتقول إن المخطئ لا يحتاج فقط إلى أن يدفع، بل يحتاج إلى أن يُحَبّ لكي يُشفى.

إذا رفض الحب، يتحمّل نتيجة رفضه. أما إذا قبل الحب، فالحب يقدّسه، ويطهّره، ويداويه.

ويسوع دفع عنا على الصليب.

ولكن إذا رفضناه، نكون نحن من اختار أن يدفع عن نفسه.

لذلك، إخوتي، أريد اليوم أن أدعو نفسي وأدعوكم إلى أن نؤمن برحمة الله، وأن نفتح قلوبنا لها.

وإذا كان هناك أشخاص قد آذونا وما زلنا غير قادرين على مسامحتهم، فلنتذكّر كم سامحنا الله، وكم يسامحنا كل يوم.

ولنفتح قلوبنا لرحمته، لكي نصير نحن أيضًا قادرين على أن نسامح، لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا ولا سبعًا، بل سبعين مرة سبع مرات.

أعطنا يا رب نعمة الإيمان برحمتك، واجعلنا رحماء مثل قلبك الرحوم.

آمين.

فلنأخذ دقيقة صمت لنتأمل في هذه الكلمة.