إخوتي وأخواتي، اسمحوا لي قبل أن أبدأ الكلمة أن أقرأ أمامكم أمراً جميلاً جداً. بالأمس، كان هناك شخص يتأمّل، يستريح، ويسمع في قلبه هذه الكلمات. أريدكم أن تركّزوا عليها، وسأشرح لكم ما هي:
«بورِكَ لكِ يا سيّدة مريم، يا أمّ الرب، وبورِكَ لنا في قيامة الرب يسوع.
يسوع قام، حقاً قام.
في القيامة، قيامة الرب يسوع، ليعمّ السلام والحب بيننا وبين الناس.
فليرحم الرب يسوع أرواحنا، ويقدّس قلوبنا،
لأنه قام، حقاً قام».
إخوتي، هذا الشخص الذي فاجأني ليس مسيحياً، بل مسلم، وقد جاءت إليه هذه الكلمات. وأنا بالنسبة لي، رأيت في هاتين الجملتين ملخّص إيماننا كلّه، وفيهما بشارة جميلة: أن قيامة الرب يسوع ليست حكراً على أحد، وليست حكراً علينا نحن المسيحيين. وإلا لما قال لنا: «اذهبوا وبشّروا كل الأمم حتى أقاصي الأرض»، في كل زمان، وفي كل مكان، ولكل إنسان—مسيحي، مسلم، يهودي، بوذي، ملحد، خاطئ، صالح—هذه بشارة، بشارة فرح، بشارة بركة. لذلك نرتّل: «افرحي يا ملكة السماء لأن المسيح حقاً قام، الذي حملتِه في أحشائك حقًا قام». لكن هذا الفرح ليس فقط للعذراء، بل لنا جميعاً.
لماذا هذه البشارة للجميع؟ لماذا قيامة الرب يسوع لكل إنسان؟ لأن قلب كل إنسان فيه جرح، قلب كل إنسان فيه وجع، قلب كل إنسان—في كل حقبة، وفي كل مكان—يحمل مشكلة أساسية، وينتظر من يحلّها.
تعرفون ما هي مشكلتنا الأساسية؟ الموت.
نحن جميعاً نعلم أننا خُلقنا وواثقون أننا سنموت. وكلنا لدينا مشكلة مع الموت: نخاف منه، نحاول الهروب منه، يجرحنا، يوجعنا، يدمّرنا ويؤلمنا—موتنا وموت أحبّائنا. فكرة الموت لا تدخل إلى عقل الإنسان، لأنه عدوّ الإنسان.
وهنا سرّ كشفه لنا يسوع، واكتشفه القديسون: يقول البابا يوحنا بولس الثاني إن وراء كل خطيئة خوفاً من الموت.
لماذا يخطئ الإنسان؟ لماذا ينجرف نحو الشر؟ لأن قلبه خُلق للخير، للحب، للصداقة، للعائلة، للمسامحة، للدفى. لكنه يذهب إلى الخطيئة لأنه يخاف من الموت.
يقول مار بولس: «اذا كنت أفعل ما لا أريد، ولا أفعل ما أريد، فلست أنا الذي أفعل بل الخطيئة الساكنة فيّ» ، كيف؟ بالخوف من الموت.
فالإنسان يسرق لأنه يخاف الفقر. يقتل لأنه يخاف أن يُقتل. يظلم لأنه يخاف أن يُظلم. يصرخ لأنه يخاف أن يُفرض عليه شيء. دائماً هناك خوف من الموت، بأشكاله الكثيرة، لا فقط موت الجسد.
ومن هذا الخوف نهرب إلى الظلم، إلى العنف والقتل، إلى الارهاب والترهيب والسيطرة، إلى الأنانية، إلى الحقد، إلى النميمة.
نهرب من الموت نحو الخطيئة فنقع في موت آخر: موت القلب.
الإنسان الذي يخاف على رجولته قد يدمّر عائلته. والذي يخاف الفقر قد يسرق، ثم يكتشف أن المال الحرام يحوّل حياته إلى جحيم.
يدخل في دوّامة الموت ولا يستطيع الخروج منها.
وهنا تأتي قيامة الرب يسوع لتكسر جدار الموت، وتفتح لكل إنسان فرصة سلام، ورحمة ومحبة، ومسامحة.
قيامة الرب يسوع تعيد للإنسان إنسانيته، لأننا خُلقنا على صورة الله.
إنسانيتنا، عندما تُشفى بيسوع القائم، تُشفى من الخوف من الموت، وتُشفى من عقلية الموت ومن عقلية الحقد، فترجع إلى صورة الله؛ هذه هي إنسانيتنا الحقيقية.
كل ما يحدث حولنا—حروب، تهجير، خلافات—لا يشبه إنسانيتنا. وحتى الحروب داخل بيوتنا، بين الأزواج، وبين الأهل والأولاد، لا تشبه ما خلقنا الله لأجله.
في الخلق الله خلق الإنسان، في القيامة خلقه من جديد. لذلك نتكلم عن المعمودية كولادة جديدة، حيث يستعيد الإنسان صورة الله، صورة يسوع. لأن يسوع المتجسّد هو الإنسان كما يريده الله.
آدم الأول كان صورة يسوع، فهو الصورة الأصلية. وعندما شوّهنا الصورة، أرسل الله ابنه ليحمل خطايانا وأوجاعنا، ويموت مثلنا، ويغلب الموت، ويردّ لنا روح الغلبة على الموت.
انظروا كيف كان الله يهيّئ الطريق ليسوع من خلال شعب العهد القديم. ففي الفصح الأوّل، عند خروج شعب إسرائيل من عبودية مصر، قال لهم: اليوم أريد أن أُخرجكم من العبودية إلى الحرية؛ لذلك تأكلون خبزاً فطيراً، أي خبزاً بلا خميرة، واليوم تذبحون الحمل.
وهكذا صار ذبح حمل الفصح مرتبطاً بالخبز غير المختمر، مرتبطاً بالخروج من العبودية إلى الحرية.
قال: «لقد ذُبح المسيح فصحنا». الحمل الحقيقي، فصحنا الحقيقي، هو يسوع. فإذا كان قد ذُبح اليوم، فعلينا أن نكون فطيراً، أي أن نتخلّى عن خمير الفساد، عن خمير الخطيئة، عن خمير الإنسان القديم، الإنسان الذي يخاف من الموت، ولأنه يخاف من الموت يقتل، الإنسان الحقود، الإنسان الأناني.
قال: إننا قد صرنا فطيراً جديداً، فلا تعودوا إلى الخمير القديمة، لأن الخمير القديم، إذا دخل إلى الطحين الجديد، يفسده ويعيده كما كان. قال: أنتم اليوم شيء جديد، ولأنكم شيء جديد، تحرّروا من الخطيئة. يسوع حرّرنا، فلا تبقوا عبيداً لها، بل اتركوا ليسوع أن يحرّركم.
وهذا كلّه، إخوتي، متوقّف على أمر واحد: قبولنا للخلاص، وهذا يحتاج أن يُترجم بأمر واحد، هو الإيمان.
فإذا كنّا نحن المسيحيين نؤمن بيسوع ونؤمن بالقيامة، فنحن لسنا أفضل من غيرنا، لكن لدينا فرصة، لأن هذا الإيمان يسمح ليسوع أن يشفي قلوبنا.
لأن ما هو الإيمان؟
الإيمان هو علاقة الحب مع يسوع، علاقة حب تجعلني أختبر كم يحبّني، حتى إنه مات عنّي، وحمل خطاياي ووجعي وضعفي، وقام ليجدّدني. وتجعلني أحبّه إلى درجة أن أثق به، وأعرف أنّ معه سأقوم من جديد.
انظروا، أحبّائي، في الإنجيل حادثة جميلة: يذهب تلميذان إلى القبر، بطرس والتلميذ الذي كان يسوع يحبّه. مع أنّ يسوع كان يحبّهم جميعاً، ولم يكن يميّز أحداً عن الآخر، لكن من هو هذا التلميذ الذي كان يسوع يحبّه؟ هو الذي فهم أنّ يسوع يحبّه.
لأنّه مرات كثيرة الله يحبّني، لكن بعنادي، وبإغلاق ذهني، وبإغلاق قلبي، لا أشعر أنّه يحبّني حقاً. أُعاند، وأطلب أموراً معيّنة، وإذا لم تتحقّق، أتصرّف مثل الولد الذي يعاند أباه، مع أنّ أباه يريد له الخير، لكنّه يطلب ما يضرّه.
هذا التلميذ الذي فهم أنّ يسوع يحبّه، عندما دخل القبر «رأى وآمن». ما أجمل ذلك! لأنّه كان في علاقة حب مع يسوع، فتح قلبه، فكان أوّل تلميذ يدخل في سرّ القيامة. وبعده جاء بطرس، وجاء الجميع، والكنيسة ما زالت تدخل، واحداً بعد الآخر، والقديسون يتكاثرون.
وإن شاء الله، ليكن آخر واحد اليوم يدخل إلى هذا القبر ليرى ويؤمن هو أنا. ليقل كل واحد منّا: أنا!
إن شاء الله أكون آخر واحد في هذه القافلة الكبيرة. لأنّنا اليوم، إخوتي، مدعوون أن ندخل في سرّ موت يسوع وقيامته، فنؤمن به، ونبني علاقة معه، فيُدخلنا إلى الحياة الجديدة.
قرأت للقديس يعقوب السروجي كلاماً جميلاً جداً: قال إنّ يسوع، عندما قام، لم يكن بحاجة إلى من يدحرج الحجر عن باب القبر، والدليل أنّه كان يظهر للرسل والأبواب مغلقة. القائم من بين الأموات يخترق الجدران، بل يخترق الصخر أيضاً.
إذاً، لماذا جاء الملاك وفتح باب القبر؟ ليس لكي يخرج يسوع، لأنّه كان يستطيع أن يخرج والقبر مغلق، بل لكي ندخل نحن، مثل الرسل، إلى القبر، فنرى قيامته، ونؤمن به، وننال الحياة.
فلنأخذ دقيقة صمت، نتأمّل في هذه الكلمة، ونقول: يا رب يسوع، اجعلني أنا أيضاً آخر واحد في هذه القافلة، قافلة المؤمنين باسمك. آمين.
