إخوتي وأخواتي،
إنّ آخر جملة في إنجيل اليوم تبدو غريبة قليلًا، ولكنها حقيقة. يقول يسوع: «ما من أحد يشرب الخمر المعتّقة فيطلب الخمر الجديدة، لأنه يقول: المعتّقة أطيب». وهذا صحيح، فالخمر كلّما عتقت صارت أطيب.
وقد قال يسوع هذه العبارة بعدما تحدّث عن أنه لا أحد يرقّع ثوبًا قديمًا بقطعة جديدة، ولا أحد يضع خمرًا جديدة في زقاق قديمة. وفجأة يقول هذه الجملة! فإذا أردنا أن نربط الأمور بعضها ببعض، قد نسأل: ماذا تقصد يا يسوع؟ هل تعني أنه علينا أن نبقى متمسّكين بالقديم وألّا نتجدّد؟
لا.
كان يسوع يقول لنا إنّ التجديد يُخيف. فعندما يأتي الإنسان بشيء جديد، غالبًا ما لا يحبّه الناس. لماذا؟ لأنهم اعتادوا القديم، أليس كذلك؟
عندما جاء يوحنا المعمدان، رفضه كثيرون، لأنهم كانوا معتادين القديم. وعندما نعود إلى إبراهيم، ونرى كيف بدأ يتكلّم عن الإله الواحد، كان الناس من حوله يرفضون ذلك، لأنهم اعتادوا الآلهة التي كانوا يعرفونها.
وعندما جاء يسوع ليجدّد، ويقول لهم إنّ الصوم ليس مجرّد وسيلة لإرضاء الله، بل هو مرتبط بلقاء العريس وحضوره، تفاجأوا به. لماذا؟ لأنهم كانوا معتادين العقلية القديمة.
فالإنسان، إخوتي، يحب أن يبقى في العقلية التي اعتادها، حتى عندما تكون هذه العقلية خاطئة.
إلى ماذا يدعونا يسوع اليوم؟
إنه يدعونا إلى أن تكون لدينا شجاعة التغيير، وشجاعة التخلّي عن العتيق. فإذا كنت أريد أن أضع خمرًا جديدة، فأنا بحاجة إلى وعاء جديد.
الله لا يأتي لكي يرقّع حياتنا. الله يأتي لكي يخلق فيها شيئًا جديدًا بالكامل.
وفي أحيان كثيرة، يكون هذا الجديد مكلفًا ومؤلمًا. وأحيانًا لا يؤلمنا فقط من الداخل، بل يعرّضنا أيضًا لانتقادات كثيرة، ويعرّضنا لأن يُساء فهمنا، كما حدث مع يسوع. وقد يعرّضنا أحيانًا لما يشبه الصلب. ربما لن يصلبنا الناس بالجسد، ولكنهم قد يصلبوننا بالكلام والانتقادات والدينونة.
لماذا؟
لأنهم اعتادوا القديم، وهم مرتاحون فيه. فالإنسان يرتاح عندما يرتّب أحواله بحسب ما اعتاده، أليس كذلك؟
حتى الإنسان الذي يعيش ضمن شريعة قد يعتادها، وينظّم أحواله، ويشعر بعد فترة أنه وجد مكانه فيها وأن الأمور تسير بشكل مقبول. ثم يأتي شخص ويقدّم له شيئًا جديدًا، فيرفضه.
وهذا، إخوتي، هو ما عاشته القديسة الأم تريزا من إحدى زوايا حياتها.
أنتم تعرفون أنّ الأم تريزا لم تؤسّس رهبنتها منذ البداية. بل دخلت أولًا إلى رهبنة أخرى، وكانت رهبنة عريقة ومهمّة، وكانت تحبّها كثيرًا، وكانت تقول عنها إنها رهبنة مقدّسة.
ولكن، في مرحلة من حياتها، عندما أُرسلت إلى كالكوتا لتكون مديرة مدرسة، شعرت أنّ في قلبها شيئًا جديدًا، فيما ما يحيط بها أصبح بالنسبة إلى دعوتها الجديدة أمرًا عتيقًا. وشعرت بأنّ التجديد الذي يطلبه منها الرب سيكون صعبًا إن بقيت ضمن الإطار نفسه.
وسمعت صوت يسوع يقول لها: «أنا عطشان».
هناك مليون شخص يستطيعون إدارة المدارس والتعليم فيها، ولكن هؤلاء الفقراء الذين يموتون على الطرقات، ليس كثيرون هم الذين يستطيعون الذهاب إليهم، والانحناء عليهم، والاقتراب منهم، وحملهم، واحتضانهم، والاهتمام بهم.
وأريد أن أخبركم أمرًا: لقد تعرّضت الأم تريزا لانتقادات كثيرة ولدينونات كثيرة.
حتى إنّ بعض الراهبات في الرهبنة التي أسّستها لم يكنّ دائمًا مرتاحات إليها. أتعرفون لماذا؟ ليس لأنها كانت تؤذيهن، ولا لأنها فعلت أمرًا سيئًا، بل لأنها، في موضوع الفقر، كانت قاسية جدًا على نفسها وعليهن.
انتبهوا إلى هذه القصة التي تُروى عنها.
عندما فتحن أحد بيوتهن في نيويورك، وأنتم تعرفون أنّ كنائس راهبات الأم تريزا متواضعة جدًا، وكانت الراهبات في كثير من الأحيان يجلسن على الأرض ويصلّين على الأرض، مثل الفقراء.
وفي إحدى المرّات، قدّم لهن أحد الأشخاص مقاعد جميلة ومرتّبة، مصنوعة من الخشب المحفور وعليها الجلد.
دخلت الأم تريزا إلى الكنيسة ورأت هذه المقاعد فغضبت.
فقالوا لها: «يا أمّنا، نحن لم ندفع ثمنها. لقد حصلنا عليها هدية. فهل نرميها؟»
ماذا كان جوابها؟
قالت: «نرميها».
وبدأت هي نفسها، مع الراهبات، تحمل تلك المقاعد وتخرجها إلى الخارج.
وكان منطقها بسيطًا: قد يأتي فقير ويأخذ هذه المقاعد إلى بيته ويجلس عليها، أمّا نحن فنصلّي مثل الفقراء، جالسات على الأرض.
انظروا كم كانت قاسية في هذا الأمر!
وقد تعرّضت بسبب ذلك لانتقادات كثيرة. ولكنها فهمت أمرًا أساسيًا: عندما تكون الحقيقة آتية من يسوع، تستحق أن يكون الإنسان أمينًا لها، حتى لو تعرّض للانتقاد.
وحتى لو تعرّض للدينونة.
اسمعوا ماذا يقول القديس بولس: «لا تدينوا قبل الوقت». وهو يقول أيضًا إنه لا يسمح لأحكام الناس أن تحدّد حقيقة رسالته، ولا يجعل نفسه هو أيضًا الديّان النهائي على ذاته، لأنّ الذي يدينه هو الرب.
كانوا في أيامه يقولون له: أنت تخطئ.
أما هو، فكان يعرف أن ديّانه هو يسوع المسيح، وأنّ الأهم هو أن يكون أمينًا للرسالة التي أوكلها الرب إليه.
ويقول القديس بولس إنّ المطلوب من الوكيل هو أن يكون أمينًا للوكالة، وألّا يخون الأمانة التي وُضعت بين يديه.
فلنطلب، إخوتي، اليوم، ونحن نكرّم الأم تريزا، التي كان لكنيستنا أيضًا الحظ بأن تزور لبنان وتصلّي فيه، أن يعطينا الرب هذه النعمة.
أن نفتّش في حياتنا عن الجديد الذي يريد الله أن يعطينا إياه.
وقد لا يكون هذا الجديد شيئًا جديدًا في الشكل. قد يكون جديدًا لأن الله يريد أن يجدّد قلبنا.
أن نعيش زواجنا بطريقة جديدة.
أن نعيش كهنوتنا بطريقة جديدة.
أن نعيش عملنا بطريقة جديدة.
أن نعيش اقترابنا من الفقراء بطريقة جديدة.
وهذا هو الأمر الأول.
أما الأمر الثاني، فهو ألّا ندين أنفسنا وألّا ندين الآخرين.
لأنّ الدينونة، في النهاية، ماذا تفعل؟
إنها تكسر.
أما الصلح الأخوي والمصالحة الأخوية، فهما يبنيان ويجعلان الإنسان ينمو.
فلنطلب من الرب يسوع هاتين النعمتين: أن نكون، مثل الأم تريزا، منفتحين على حبّ الله، ومنفتحين على حبّ الفقير.
ولنأخذ الآن دقيقة صمت، نتأمّل فيها بهذه الكلمة، ثم نتابع قدّاسنا بفرح.
