إخوتي وأخواتي،
كلمة الربّ اليوم لامستني كثيرًا وأثّرت فيَّ، لأنّ الحياة المسيحية كلّها، أو دعوني أقول: حياتنا الإنسانية كلّها، كم بالحري حياتنا المسيحية، تتوقّف إلى حدّ بعيد على نظرتنا إلى الأمور.
انظروا إلى علاقاتنا كلّها: على ماذا تقوم؟ إذا نظر الرجل إلى زوجته وقال في قلبه: «زوجتي تحبّني»، وإذا كانت نظرته إليها أنّها إنسانة تحبّه، فكيف سيفسّر كلّ شيء؟ سيفسّره بطريقة إيجابية، أليس كذلك؟
أمّا إذا كان مقتنعًا في داخله بأنّ زوجته تستغلّه ولا تحبّه، فحتى لو قالت له: «صباح الخير»، أو صنعت له شيئًا طيّبًا، أو فكّرت فيه، فكيف سيفسّر ذلك؟ سيفسّره بطريقة سلبية.
إذًا، الحياة كلّها، والعلاقات كلّها، تقوم إلى حدّ كبير على النظرة.
ويسوع اليوم يقول لنا إنّ الإنسان، في موقفه من الله ومن أعمال الله، يمكن أن تكون لديه نظرتان: نظرة تأتي من الروح القدس، ونظرة أخرى من أين تأتي؟ من الشيطان.
وهذا ما أثّر فيَّ كثيرًا اليوم. يسوع يصف القديس بطرس، زعيم الرسل وأوّل بابا، ويقول له: «اذهب عنّي يا شيطان». لا يقول له فقط: أنت تحت تأثير الشيطان، ولا يقول له: هناك شيطان فيك، بل يقول له: «أنت شيطان».
انظروا، الشيطان ليس دائمًا شيئًا غريبًا عنّا يأتي ليدخل فينا أو يتلبّسنا. الشيطان هو نحن عندما نفكّر كما يفكّر هو، وخصوصًا عندما نفكّر بالله تفكيرًا سيئًا.
ويسوع أتى إلى الأرض لكي يغيّر نظرتنا إلى الله، ويغيّر نظرتنا إلى أنفسنا أيضًا.
وما أثّر فيَّ هو أنّ بطرس، قبل القيامة، كان لا يزال يفكّر تفكيرًا بشريًا. لم يكن قد عرف الله بعد كما يجب، وكان لا يزال خائفًا من الله.
تخيّلوا ماذا يقول لهم يسوع: «نحن صاعدون إلى أورشليم، وابن الإنسان سيُسلَّم إلى الشيوخ، وسيُضرب ويُجلد ويُقتل ويموت، ولكنّه سيقوم».
ماذا كان يجب أن يقول له بطرس؟
لو كنّا أنا وأنتم اليوم مكانه، وقال لنا يسوع: «أنا سأتألّم، وأُعذَّب، وأُصلب، وأُدفن، ولكنّي سأقوم من بين الأموات»، فما هو أهمّ جزء في هذه الجملة؟
الجميع يموتون، وكثيرون يتألّمون ويُعذَّبون، ولكن مَن يقوم من بين الأموات؟
لو كان بطرس يفكّر بحسب منطق الله، ماذا كان ينبغي أن يجيب يسوع؟ كان عليه أن يقول: «يا لها من بشرى! ما أعظم ما ستفعله! ستقوم من بين الأموات!».
لكن ماذا قال له بطرس؟
قال: «حاشا لك يا ربّ! لن يصيبك هذا».
لماذا؟
لأنّ بطرس لم يفهم شيئًا من منطق الله. لم يلتقط من كلام يسوع إلا الجزء الأوّل: العذاب، والآلام، والموت، والدفن. أمّا القيامة فلم يسمعها. وحتى لو سمعها، لم يفهمها. ولو فهمها، لم يكن يريدها.
لماذا؟
لأنّ نظرته إلى الله كانت لا تزال نظرة سلبية، تشبه نظرة الشيطان.
وأحببت كثيرًا ما ورد في القراءة الأولى من سفر إرميا، حين يقول النبيّ للربّ: «قد خدعتني يا ربّ فانخدعت».
عادةً، عندما تقول لشخص: «خدعتني»، تكون ردة فعلك: «لقد اكتشفتك، ولن أسمح لك بأن تخدعني مرّة أخرى».
لكن عندما تقول لإنسان: «أنت خدعتني، وأنا قبلت أن أنخدع منك»، فكم يجب أن تكون محبّتك له كبيرة! وكم يجب أن تكون واثقًا بأنّه يحبّك، حتى تستطيع أن تقول: «يا الله، حتى عندما خدعتني، كنت تفعل ذلك من أجلي».
وهذه هي الحقيقة.
الله، أحيانًا، «يخدعنا» من أجلنا. الله أحيانًا يمازحنا، أو يدبّر الأمور بطريقة لا نفهمها. يشبه الأمر أمًّا تحاول أن تعطي طفلها الدواء وهو يرفضه. لأنّها تعرف أنّ هذا الدواء لمصلحته، تستعمل ألف حيلة وحيلة حتى تجعله يتناوله من دون أن ينتبه. لماذا؟ لأنّها تحبّه، ولأنّها تعرف أنّ ما تفعله هو لخيره.
وهكذا يقول إرميا للربّ: «خدعتني فانخدعت».
وأحببت كثيرًا أيضًا جواب المزمور. يقول للربّ بطريقة جميلة: «لأنّ رحمتك أفضل من الحياة، شفتاي تسبّحانك».
أي إنّ محبتك، وودادك، ورحمتك، أفضل لي من الحياة نفسها.
كأنّه يقول: إذا خُيّرت بين أن أعيش من دون رحمتك، وبين أن أموت وأنا في رحمتك، فأنا أفضّل رحمتك، لأنّ رحمتك أهمّ من الحياة نفسها.
وهي فعلًا كذلك، إخوتي.
ما معنى الحياة إن لم نجد أحدًا يحبّنا؟
ما معنى الحياة إن لم نعش مع شخص يحبّنا؟
ما معنى الحياة إن كنّا سنفكّر دائمًا بالسوء في جميع الذين حولنا؟
البشر كلّهم معرّضون لأن يخونوا، أو يخدعوا، أو يستغلّوا. أمّا عندما نلتقي بهذا الحبّ، حبّ الله، فحتى الموت معه يتحوّل إلى قيامة.
من أجل ذلك، إخوتي، أريد اليوم أن ننظر إلى حياتنا. سنرى فيها الكثير من العذاب، والآلام، والموت، والوجع، أليس كذلك؟
لكن يسوع قال أيضًا: «وفي اليوم الثالث يقوم».
هل نريد أن نسمع الكلمة الأخيرة؟ أم نريد أن نفعل مثل بطرس اليوم فننساها؟
لقد أحببت هذه الفكرة كثيرًا: بطرس لم يسمعها، ولو سمعها لم يفهمها، ولو فهمها رماها ورفض أن تدخل إلى رأسه وإلى قلبه.
وأنا وأنتم اليوم مدعوون إلى أن نتّخذ قرارًا في قلب حياتنا، وأن نقول للربّ:
يا ربّ، أعطني نعمة أن أسمع الكلمة الأخيرة.
أعطني أن أقبلها.
أعطني أن أثق بحبّك إلى درجة أنّني، حتى أمام الموت، وأمام الألم، وأمام الانكسار، أعرف أنّ وجودك، وحنانك، وودادك في حياتي، قادر على أن يحوّل كلّ شيء إلى قيامة.
لأنّ ودادك أفضل من الحياة.
لنأخذ الآن دقيقة نتأمّل فيها بهذه الكلمة، ولنطلب هذه النعمة لنا، ولكلّ الناس الذين نحبّهم.
نحن نحمل اليوم في صلاتنا أشخاصًا كثيرين. فلنحمل من أجلهم هذا الطلب إلى الله: أن يستطيعوا أن يلتقوا بحبّه ورحمته، فتتغيّر نظرتهم إلى الحياة، ويجدوا القيامة في قلب الموت.
آمين.
