تفضّلوا إخوتي.
هذه الكلمة التي سمعناها اليوم هي كلمة جاءت لتخاطب قلوبنا، خصوصًا أنا وإيّاكم الذين نشهد العمى في هذا العالم، نشهد الظلمة والعتمة والسواد. الذي يحدث اليوم، هو أمر لا يُفعل في الظاهر؛ فالرسالة تقول إنّ ما يُفعل يُستحى به. أين يُفعل؟ يُفعل في الظلمة، في ظلمة قلب الإنسان. لأنّ الإنسان، حين يتنوّر قلبه، وحين يمتلئ قلبه من نور الله، لا يستطيع إلّا أن يكون نورًا، كما يقول يسوع: «أنا نور».
إخوتي، هذه الكلمة ليست جاءت لتتكلّم عن الظروف في الخارج. نحن اليوم نميل إلى التفكير بأنّ العمى الذي نراه هو في الظروف التي نعيشها، وأنّ الظلمة في الخارج. لكن الحقيقة أنّ الظلمة في القلوب: قلوب مطفأة، قلوب معميّة. واليوم سننظر ونرى أنّ في هذه الظلمة قد يكون قلبي وقلبكم أيضًا معميين.
فما الذي يجعل قلبنا يتنوّر اليوم؟
انظروا كم هو جميل ما تقوله الرسالة في مطلعها: «كنتم في الأمس ظلامًا». لم تقل فقط إنّكم كنتم عميانًا، بل قالت: كنتم ظلامًا، كنتم كلّكم ظلمة وسوادًا. «وأمّا الآن فأنتم نور في الرب، فسيروا سيرة أبناء النور».
تعرفون من هو ابن النور؟
هو الذي قام بهذه النقلة؛ هو الذي سمح ليسوع أن ينيره. هو الذي عرف نفسه، كما عرف الأعمى نفسه حين قال: «أنا هو»، أي أنا الأعمى.
ماذا فعل يسوع معه؟
يقول الإنجيل إنّ ما حدث في حياة هذا الأعمى كان لكي تظهر أعمال الله. فما هو عمل الله في حياتنا؟
أن ننظر إلى حياتنا ونسأل: أين كنت؟ وأين صرت؟
انظروا إلى الإنجيل: أين كنت وأين صرت؟
لكن هذه ليست خبرة تُقاس بعيون العالم. العالم ظلّ ينظر إلى هذا الأعمى ويرى فيه الشحّاذ، ويرى فيه إنسانًا معتم القلب، ويرى فيه إنسانًا مليئًا بالظلمة، ويراه يستعطي. لكن من الذي رأى التحوّل وقال: أين كنت وأين صرت؟
إنّه الإنسان الذي اختبر عمل الله في حياته.
كيف يعمل الله في حياتنا؟
ماذا يفعل الله معنا؟
هل يختارنا لأنّنا أنقياء؟
هل يختارنا لأنّنا نور؟
هل يختارنا لأنّنا أقوياء؟
هل يختارنا لأنّنا لا نخطئ؟
هل يختارنا لأنّنا قدّيسون أو لأنّنا مضيئون؟
كيف يختارنا الله؟
القراءة الأولى تُرينا كيف بدأ الله يعمل في تاريخ الخلاص. بعد أن كان الشعب قد اختار ملكًا لم يكن بحسب رغبة قلب الله، قال الله لصموئيل: اذهب واختر لي ملكًا كما أحبّ أنا.
فماذا ظنّ صموئيل في البداية؟
ظنّ أنّه سيبحث في المظاهر، وأنّه سيجد ملكًا قويًا، قائدًا عظيمًا، شابًا كبير الجثة، رجلًا يبدو ملكًا من الخارج. انظروا ماذا حدث حين ذهب إلى بيت يسّى ليختار الملك. في البداية كان ينظر إلى الإخوة الكبار، إلى الشباب الأقوياء، إلى أصحاب القامات الكبيرة، إلى الذين يبدون ملوكًا في الخارج.
لكن من الذي اختاره الله؟
اختار الشخص الذي حتى أبوه نسيه، الشخص الذي لم يرَ فيه أحد مشروعًا عظيمًا.
فقال الله: هذا هو. هذا هو الذي أختاره.
وقال له كلمة مهمّة: أنا لا أنظر إلى الظاهر، بل أنظر إلى القلب.
ولكن إلى أي قلب نظر الله؟
من كان داود؟
داود لم يكن إنسانًا بلا خطيئة. لم يكن إنسانًا قلبه نظيفًا بالكامل. بل ارتكب خطايا عظيمة. كان من المفترض أن يكون مشروع قداسة، لكنّه سقط في خطايا كبيرة.
في أحد الأيام كان يتمشّى ويتطلّع إلى مملكته، فرأى امرأة فأعجبته. وكانت هذه المرأة زوجة جندي يقاتل دفاعًا عنه. فأرسل إليها ونام معها، ثم حبلت. ثم حاول أن يستر خطيئته، فأعاد زوجها من الحرب لكي ينام مع زوجته. لكن ذلك الجندي رفض، وقال: كيف أرتاح وأنام مع زوجتي بينما رفاقي يقاتلون في الجبهة؟
عندها رأى داود أنّ خطيئته لن تُستر. وحين يعمى قلب الإنسان بالخطيئة، يتمادى أكثر وأكثر. يبدأ بحسابات كثيرة، وينتهي به الأمر إلى الموت، كما نرى اليوم أن الأذى لا حدود له، الخطيئة تجر الخطيئة. فأرسل ذلك الجندي إلى الخطوط الأمامية ليُقتل في الحرب، وهناك مات.
لكن الرب تدخّل، وأراد أن يكشف له الظلم الذي ارتكبه. فأرسل إليه النبي، وروى له قصة رجل غني يملك قطعانًا كثيرة، ورجل فقير يملك نعجة واحدة فقط. فجاء الرجل الغني واشتهى نعجة الفقير، فأخذها وقتلها.
فغضب داود وقال: هذا الرجل يستحق الموت!
انظروا يا إخوتي: عندما تكون الخطيئة خارج الإنسان، يصبح من السهل عليه أن يحكم على الآخرين، وأن يتكلّم عن العدالة. فقال النبي لداود: هذا الرجل هو أنت.
ما أهمّية أن يعرف الإنسان نفسه!
إخوتي، لن يُشفى قلب الإنسان إذا بقي يشير إلى الخارج.
الأعمى ماذا عرف عن نفسه؟
عرف أنّه الأعمى. قال: أنا هو.
أنا، في ظلامي، في عمق قلبي، في فقري الداخلي، في المكان الذي أستعطي فيه الحب، في المكان الذي جعلتني فيه خطيئتي على طرف الطريق، في المكان الذي صرت فيه مهمّشًا، في المكان الذي ربما حتى أهلي لا يرونني فيه مشروعًا عظيمًا، أنا الذي لا يراني أحد مشروع قداسة، أنا الذي تبدو حياتي بعيدة عن الله…
في هذا المكان يأتي الله ليزور ظلمة قلبي ويضيئها.
تعرفون من هو ابن النور؟
هو الذي يترك الله ينيره.
ولماذا ذهب الأعمى ليغتسل في بركة سلوام، التي تعني «المرسل»؟
لأنّ الإنسان، عندما يضيئه الله، يصبح قادرًا أن يمشي. فالإنسان في الظلمة لا يستطيع أن يمشي.
انظروا اليوم كم نسمع من أخبار، وكم تصلنا الأخبار عبر الهاتف طوال الوقت. لكن العالم واقف، لا يتقدّم. نحن نرى الكثير من الأخبار، لكن الإنسان لا يمشي؛ بل أحيانًا يرجع إلى الوراء، لأنّه يعيش في الظلمة.
فماذا يحتاج الإنسان اليوم لكي يصبح مرسَلًا ويخبر عن حب الله؟
أن يمتلئ من هذا النور، أن يمتلئ من حب الله. وحين يمتلئ منه، لا يستطيع إلّا أن يكون رسولًا، ولا يستطيع إلّا أن يكون قدّيسًا.
تعرفون ماذا يحتاج عالمنا اليوم؟
إنسانًا ممتلئًا من هذا الحب، رسول سلام، يخبر عن الحب الذي أخرجه من الظلمة ووضعه في النور.
لذلك، إخوتي، أدعوكم في هذا الوقت أن نأخذ لحظة صغيرة، نقف فيها أمام أنفسنا، ونعرف حقيقتنا.
أنا هو:
أنا الذي قلبي في الظلمة.
أنا الذي أستعطي الحب.
أنا الذي أُشعل حربًا.
أنا الذي أقول كلمات قد تجرح وتقتل.
أنا الذي أعطاني الله الكثير، لكنّي أحيانًا أشتهي شيئًا صغيرًا فينسيني الغنى الذي أعطاني إيّاه الله، فأقتل أخي بالحسد أو بالحقد أو بالطمع.
فلنضع هذا القلب اليوم أمام حب الله، هذا الحب الذي جاء لينيره ويضيئه، لكي يصنع من كل واحد منّا رسولًا، في المكان الذي هو فيه، يحمل نور الله وحبّه ويضيء بهما.
