عظة الأب إيلي شمعون – ٩ أيار ٢٠٢٦

تفضّلوا، إخوتي.

كما قلتُ لكم في بداية القدّاس، نحتفل اليوم في الكنيسة، وفي عائلتنا المنصوريّة، بعيد هذه القدّيسة التي أسّست مع القدّيس منصور «بنات المحبّة». بنات المحبّة أرادهنّ مار منصور أن يكنّ يدَي الرحمة في العالم: اليد التي تطرق باب الفقير، وتطرق باب المريض، وتلمس وجع الإنسان، وتنزل إلى الطريق.

وعندما رأى مار منصور هذه الحاجة في الكنيسة، كانت حاجةً في وقتها: أن يعرف الإنسان أنّ الله يريده أن ينزل، أن يخرج من راحته، أن يخرج من أنانيّته، وأن يخرج حتّى من ديره.

ما أجمل ما اختاره مار منصور! أرادنا أن نكون مرسلين، وأراد أن تكون دعوتنا مع الفقير، حتّى لو اقتضى ذلك أن نخرج من أديرتنا.

وهناك حادثة جميلة أودّ أن أبدأ بها معكم من حياة هذه القدّيسة. فقدت هذه القدّيسة والدها في عمر صغير، وهي أصلًا تربّت بلا أمّ، لأنّ أمّها كانت مجهولة، ولا نعرف من هي. وفي عمر الثانية عشرة، خسرت أباها، فذهبت إلى دير لكي تعيش كأنّها تلميذة داخلية لدى الراهبات. وهناك شعرت برغبة في أن تكرّس ذاتها للحياة الديريّة.

لكنّ عائلتها الكبيرة لم تقبل بذلك، لأنّه في ذلك الزمن، وفي تلك المرحلة، لم يكن الدخول إلى الدير أمرًا سهل القبول. ففرضوا عليها الحياة الزوجيّة.

تزوّجت، وكانت سعيدة في زواجها. لكن بعد فترة، وبعد أن مرض زوجها، تغيّرت طباعه وصارت صعبة. وبعد أن رُزقت بولد، أصبحت حياتها الزوجيّة ثقيلة، حياةً لم تعد فيها لذّة، ولم تعد فيها دعوة واضحة أمامها.

وفي هذا الوقت، عاشت لويز دو ماريّاك خبرة نعيشها أنا وأنتم كثيرًا: دخلت أمام الله بفكرة أنّ الله يعاقبها. قالت في داخلها: كان الله يريدني أن أكون راهبة، ولأنّني لم أصبح راهبة وتزوّجت، صار الله يعرقل حياتي. حياتي تكسّرت.

انظروا، أنا وأنتم، كم مرّة نقف أمام صورة كهذه عن الله! كم مرّة، أمام مصائبنا، نقول: الله يضايقني، الله ينغّص عليّ حياتي، الله كان يريد منّي شيئًا ولم أفعله كما يريد، لذلك ينتقم منّي.

لكنّ الجميل أنّ الله، في حياة لويز دو ماريّاك، كان يفتح طريقًا آخر. فلو دخلت لويز دو ماريّاك، في وقتها، إلى تلك الحياة المكرّسة التي كانت تراها هي رغبة الله، والتي لم يكن الله يدعوها إليها هناك، لما كان لدينا اليوم لويز دو ماريّاك، ولما كان لدينا اليوم بنات المحبّة، ولما كان لدى مار منصور الشخص الذي يتعاون معه، حتّى يصبح هناك اليوم عمل محبّة في هذا العالم من خلال عائلتنا، عائلة مار منصور.

والجميل أنّ الله اشتغل دعوتها حتّى في الطريق التي ربّما كانت، في نظرها، طريقًا خاطئة؛ طريقًا فيها خيارات أُجبرت عليها، وخيارات ربّما لم تكن هي التي اختارتها. حتّى هناك، وجدها الله، وفتح لها طريقًا لم تكن تفكّر فيه.

وأخوتي، هذه القدّيسة بالذات تعلّمنا أنّ القداسة ليست حكرًا على أحد، وليست حكرًا على شكل معيّن، ولا على حياة ديريّة فقط، ولا على شخص ننظر إليه ونقول: “هذا إنسان كامل”.

هذه القدّيسة تعلّمنا أنّ الله يجدنا حتّى في الطرقات التي تبدو غلط، وهناك يصنع دعوة.

وتعرفون ماذا فعل الله في حياتها؟ قال لها:

أنتِ التي ذقتِ طعم الفقر،

أنتِ التي ذقتِ طعم القلق،

أنتِ التي ذقتِ طعم الوحدة،

أنتِ التي ذقتِ طعم الوجع،

أنتِ التي عرفتِ ماذا يعني أن يكون الإنسان يتيمًا،

أنتِ التي عشتِ أرملة وتعرفين معنى الترمل،

أنتِ التي تعرفين ماذا يعني أن تتعذّب المرأة في حياتها الزوجيّة،

أنتِ اليوم قادرة أن تخبري العالم عن الحب.

لأنّ العالم اليوم ممّ يعاني؟

يعاني من هذا الفقر،

يعاني من عائلات موجوعة،

يعاني من أمراض نفسيّة،

يعاني من أوجاع.

والذي لا يعرف هذا العالم، ولا يعرف ماذا يوجع الإنسان، يعطيه كلامًا من خارج حياته.

ما أجمل، إخوتي، القراءة الأولى التي تأتي اليوم لتُرينا دعوتي ودعوتكم. يقول لهم الرب:

أنا لا أريد صومًا تتعبون أنفسكم فيه وتقدّمونه لي. لا أريدكم أن تأتوا وتقولوا لي: نحن لا نأكل، لا نشرب، ونصلّي لك.

هذا لا يهمّني.

ما يهمّني هو: ما هو الصوم أصلًا؟

إذا كان الصوم هو أن تلتقوا بي، فأنتم لا تلتقون بي هنا.

أين تلتقون بي؟

تلتقون بي عندما تحبّون الفقير،

عندما تحبّون أخاكم،

عندما تكونون داخل العائلة، وبجانبكم شخص متألّم، فتستطيعون أن تشهدوا له عن الحب.

هناك تلتقون بي.

والجميل في حياة لويز دو ماريّاك أنّها عاشت كلّ ما سمعناه في هذه القراءات، لأنّها ذاقت هذا الحب.

انظروا ما أجمل ما يقوله الإنجيل:

«إذا كنتُ أنا قد فعلتُ هذا معكم»،

كأنّ يسوع يقول لهم: فعلتُ هذا لأريكم كيف يكون الحب، ولأريكم ما هي الدعوة التي تؤثّر، ولكي أقول لكم: انظروا إليّ وافعلوا مثلي.

ماذا فعلا لويز دو ماريّاك و مار منصور؟

رأيا يسوع وفعلا مثله.

وأين رأياه؟

رأياه في الفقير.

يسوع، يوم نزل وغسل أرجل تلاميذه، ماذا كان يرى؟

كان يرى فقرهم،

كان يرى ضعفهم،

كان يرى خيانتهم،

كان يرى بطرس الذي يتكلّم بشجاعة، لكنّه في لحظة الحقيقة خاف على نفسه، فهرب وأنكر واختبأ.

كان يرى كلّ هذا، ومع ذلك كان يغسل لهم أرجلهم، ويقول لهم شيئًا مهمًّا:

الذي أغسله اليوم، أدخله معي في علاقة حب.

لأنّ الإنسان، عندما يختبر أنّ هناك مَن يحبّه وسط فقره ووجعه وضعفه، يعرف أنّه، حتّى في فقره وقلّته، ما زال قادرًا أن يحبّ.

إخوتي، كان مار منصور يقول لبنات المحبّة:

إذا كان هناك فقير يطرق بابكِ وأنتِ تصلّين، اذهبي إليه، لأنّكِ تتركين الله لأجل الله.

لأنّه إذا كانت علاقتك بالله قويّة، وأنتِ فقط مرتاحة الضمير، فهذا ليس معيار الحب.

الحب ليس أن تريح ضميرك،

الحب ليس أن تكون مكتفيًا،

الحب ليس أن تكون راضيًا عن نفسك،

الحب ليس أن تكون كما ترى أنت أنّه يجب أن تكون القداسة.

القداسة هي أن تكون بحسب رغبة قلب أبيك،

أن تكون بحسب رغبة الله.

أن تقف أمامه وتقول له:

يا رب، أرني أين هي رغبتك في قداستي،

وأين تريدني أنت أن أكون.

فمن هنا، إخوتي، أدعوكم اليوم، مع هذه القدّيسة التي أرتنا أنّ الفقير يجعلنا نلتقي بيسوع، أن يفكّر كلّ واحد منّا: مَن هو الفقير الموجود في حياتي؟

ليس بالضرورة أن يكون ذلك الإنسان الذي يعيش تحت الجسر، مع أنّ هذا أيضًا فقير وبحاجة إلينا. لكن لا تذهبوا بعيدًا كثيرًا. قد يكون جالسًا إلى جانبي، قد يكون في بيتي، قد يكون معي في عملي، قد يكون في مكان لا أتوقّعه.

وفقره قد يكون مادّيًا، وقد يكون نفسيًّا، وقد يكون عاطفيًّا، وقد يكون روحيًّا.

لا تستخفّوا بهذا الأمر، لأنّ دعوة القداسة ليست كما أراها أنا، ولا في المكان الذي أتوقّعه أنا.

تذكّروا جيّدًا:

الله يعمل في طرقاتنا المعكوسة،

ويعمل في المكان الذي لا أنتظره،

ويعمل في حياتي دعوةً بحسب رغبة قلبه،

بحسب حبّه هو.

لأنّ المكان الذي أضيء فيه، عندما أكون ممتلئًا منه، يكون هو الذي يضيء فيّ، وتكون قداستي في هذا المكان على قدر الحب.

لذلك، إخوتي، أدعوكم الآن أن نأخذ لحظة صغيرة، يفكّر فيها كلّ واحد منّا:

أين وضعني الله اليوم في حياتي؟

وأين وضعتني حتّى خياراتي الخاطئة؟

وهناك، في ذلك المكان بالذات، يوجد لقاء حبّ يريد الله أن يصنعه في حياتي، لكي يريني كيف تستطيع القداسة أن تضيئني، وأن تضيء أيضًا الذين يعيشون معي.

فلنأخذ لحظة صمت صغيرة، ثم نتابع القدّاس.