إخوتي، كلمة الرب اليوم تكلّمنا عن الماء. يسوع على البئر عطشان، ولكنّه يعد المرأة بالماء الحي. وفي القراءة الأولى رأينا الشعب عطشانًا، فيلوم الله ويقول له: «جئتنا إلى هنا لتميتنا في الصحراء».
ومن أعمال الرحمة التي يتحدّث عنها الرب يسوع، تلك الخمسة التي سيحاسبنا عليها في نهاية الأزمنة. أوّل عمل رحمة هو: كنتُ عطشانًا فسقيتموني.
نسقي العطشان، نطعم الجائع، نلبس العريان، نؤوي الغريب، ونزور المريض والمحبوس.
ولكن آباء الكنيسة يتحدّثون أيضًا عن أنّ هذه الأفعال الخمسة من الرحمة الجسدية يقابلها خمس أفعال رحمة معنوية روحية. فهي رموز.
فأفعال الرحمة الجسدية مهمّة جدًا، لكن وراءها شيء أكبر وأعمق وأوسع من مجرّد أن أعطي كأس ماء، أو حصّة غذائية، أو غطاءً، أو دواءً لمريض.
واليوم أريد أن أتأمّل أنا وإيّاكم: ماذا يعني أن أسقي العطشان روحيًا؟
ماذا يعني أن تسقي إنسانًا عطشانًا؟
جسم الإنسان يتكوّن من أكثر من سبعين بالمئة من الماء. والماء في الطبيعة يُعطى مجانًا. نحن اليوم تعوّدنا أن نشتري الماء، ولكن لو عدنا إلى الطبيعة نرى الأمر مختلفًا.
الشجرة تعطيك ثمارًا، لكن عليك أن تزرعها وتسقيها وتفلح الأرض لها.
القمح يعطيك خبزًا، لكن عليك أن تبذره وتنتظر وتحصد.
أمّا الماء فالأرض تعطيه من الينابيع. كيف؟ مجانًا.
الماء لا يُدفع ثمنه.
نحن في لبنان نقول: «الإبريق لا يُقطع على عطشان».
تعرفون هذا المثل؟ عندما نجلس إلى المائدة، إذا طلب أحد ماءً لأنّه عطشان، يُعطى الماء قبل الطعام. لأن الإنسان لا يستطيع أن يصبر على العطش.
يعني عندما أعطي إنسانًا عطشانًا ماءً، فأنا في الحقيقة أعطيه حقًا طبيعيًا، وليس عملاً بطوليًا. بل إن منع الماء عن إنسان هو فعل ظلم.
عندما يكون عندنا مريض يحتضر، يقول لنا الأطباء إن هناك أمرين لا يجوز أبدًا أن نمنعهما عنه: الماء والهواء، أي الماء والأوكسجين. لماذا؟ لأنّهما حقّ طبيعي. لأنهما يُعطيان مجانًا.
وحرمان الإنسان من الماء أو من الهواء هو من أكبر أفعال الظلم.
شعب إسرائيل عندما وصل إلى الصحراء، وكان قد خرج من ظلم فرعون ومن ظلم مصر، حيث كانوا مستعبَدين ويُجبرون على العمل بلا مقابل، وحيث كانوا مظلومين، حرّرهم الله عندما صرخوا إليه.
لكن عندما عطشوا في الصحراء قالوا له:
«يا رب، حرّرتنا من ظلم الفراعنة لتأتي بنا إلى ظلم جديد؟ لتمنع عنا الماء وتميتنا عطشًا؟»
ولكي يبرهن الله عن محبّته وعدله، أخرج ماءً من الصخرة.
والصخرة اليابسة لا تعطي ماءً. الصخرة لا يخرج منها ماء.
لكن الله أخرج ماءً من الصخرة ليقول لهم:
إن عدالتي أكبر ممّا تتصوّرون.
ثم جاءت رسالة مار بولس لتقول لنا أمرًا مهمًا:
عدالة الله هي الرحمة.
يسوع لم يمت من أجلنا لأننا صالحون. متى مات من أجلنا؟
مات من أجلنا ونحن بعد خطأة.
لو أراد الله أن يستعمل العدالة بمعناها البشري مع خطايانا، لما أرسل يسوع ليموت عنا، بل لقال: كل إنسان يدفع ثمن خطيئته، وكل إنسان يموت بسبب خطيئته.
لكن محبّة الله ورحمته وعدالته هي أمر واحد.
ومن فيض محبّته ورحمته أرسل ابنه يسوع ليموت عنا.
ولهذا قال يسوع للمرأة السامرية:
«أنا عطشان إلى هذا الماء، ولكن قلبك أنتِ عطشان إلى الماء الذي أعطيكِ إيّاه».
ما هو هذا الماء؟
إنّه رحمتي ومحبّتي لكِ.
فالمرأة السامرية كانت إنسانة مظلومة.
مظلومة أولاً لأنها امرأة، وفي ذلك الزمن كانت المرأة تُعتبر أقلّ من الرجل.
ومظلومة ثانيًا لأنها سامرية، والسامريون كانوا يُعتبرون أعداء اليهود.
ومظلومة ثالثًا لأنها لم تجد الاستقرار في حياتها: تزوّجت خمس مرّات، وكلّ مرّة كانت تُطلّق، فلم تجد من يحبّها حبًا حقيقيًا.
هذا هو ظلم العالم، وظلم الحياة، وظلم البشر بعضهم لبعض؛
الذي يولّد الانقسامات، والتحزّبات، والحروب، والقهر، وحرمان الآخرين من حقوقهم، واستعباد الإنسان لأخيه الإنسان.
وهذا كلّه لا يجد حلاً إلا في قلب الله.
قال لها فالذي يشرب من هذا الماء الذي يعطيه الله، يصبح في داخله ينبوعًا يتدفّق من هذا الماء.
وإخوتي، نحن اليوم بحاجة أن نشرب من هذا الماء.
عالمنا اليوم يفتقد إلى العدالة. ولكن أي عدالة؟
عدالة الرحمة.
عدالة الله ليست مجرّد مساواة حسابية، أي أن يدفع كل إنسان ثمن خطيئته. فلو كان الأمر كذلك لما أرسل الله ابنه ليموت عنا لما كنا خطأة.
عدالة الله هي أنّ الله رأى من العدل ألا يترك الإنسان يموت في خطيئته.
فما هي العدالة أمام إنسان يؤذيني؟
ليست أن أحاسبه أو أن أجعله يدفع ثمن خطيئته.
العدالة التي يعلّمنا إياها يسوع هي ألا أترك أخي يموت في خطيئته، حتى عندما يؤذيني.
ولهذا قال يسوع: «أحبّوا أعداءكم».
في الصحراء أحبّ الله أعداءه، لأن الشعب كان يتمرّد عليه ويتّهمه بالظلم.
ومع المرأة السامرية أحبّ يسوع أعداءه، لأن السامريين كانوا أعداء اليهود.
وعلى الصليب أحبّنا يسوع نحن أيضًا، عندما كنّا في خطايانا، أي عندما كنّا أعداءه.
وهكذا يعلّمنا أن الماء الذي يعطيه الله هو رحمته اللامتناهية.
والسؤال: كم عالمنا اليوم عطشان إلى هذا الماء؟
هذا الجنون الذي يحدث حولنا هو في الحقيقة عطش قلب الإنسان إلى هذا الماء.
فلنرفع صلاتنا إلى الرب ونقول له:
اروِنا يا رب من هذا الماء، لكي عندما نرتوي منه يصبح في قلوبنا ينبوع يتدفّق ماءً يسقي من حولنا.
لأن هناك كثيرين ينتظرون أن يشربوا من هذا النبع الذي سيتدفّق فينا نحن.
هناك كثيرون لا يستطيعون الوصول إلى يسوع مباشرة، لكنهم سيصلون إلى هذا الماء من خلالنا.
سيصلون إلى يسوع لأن هذا الماء سيصير فينا ينبوع محبّة ورحمة حتى للأعداء.
اسقِنا يا رب، وعلّمنا أن نسقي العالم من رحمتك. آمين.
