عظة الأب إيلي شمعون – ٩ شباط ٢٠٢٦ 

في هذا العيد، وهو عيدٌ مهمٌّ لنا، ولا سيّما نحن أبناء الشرق، وكلّ إنسان يعيش اليوم هذه الروحانية، روحانية مار مارون، سواء كان مارونيًا أم من طائفة أخرى في الكنيسة، يأتي هذا القديس ليخاطب حياتنا في واقعها.

أن نكون موارنة ليس مجرّد انتماءٍ إلى طائفة، بل هو منهج حياة.

سيرة حياة مار مارون، الذي عاش في أواخر القرن الرابع وبدايات القرن الخامس، تُخبرنا بذلك. فمار مارون لم يكن هو الذي أسّس الموارنة كطائفة، كما نعلم أنّ ذلك تمّ في القرن السابع على يد يوحنا مارون.

لكن ماذا فعل مارون؟

كان الأب الروحي.

هو الذي فتح المنهج، هو الذي فتح الطريق، وهو الذي أتى ليعلّمنا خبرة الحياة التي كلّ مسيحيٍّ مدعوٌّ لأن يعيشها.

وما هي هذه الخبرة؟

أن يقبل أن يموت مثل حبّة الحنطة لكي يعطي ثمرًا.

كيف يمكن للإنسان اليوم أن يقبل أن يموت لكي يعطي ثمرًا؟

أحيانًا كثيرة، نفكّر أنّ القداسة هي أعمال كبيرة تُرى وتُعرف.

وأحيانًا نفكّر: من يراني؟ من يشعر بوجودي؟

هل إنسان يعيش في بيته، ويموت بصمت، يمكن أن تكون حياته قديسة؟

مار مارون علّمنا أنّ القداسة خبرة شخصيّة، يعيشها كلّ إنسان في دعوته، لا لكي يراه العالم قديسًا، مع أنّ الشهادة مهمّة ومثمرة، بل لأنّه يعيش علاقة حيّة مع يسوع.

إذا تأمّلنا في الذخيرة التي دخلنا بها، نرى يسوع المصلوب، ونرى معها قطعة من جمجمة مار مارون. ولماذا يسوع المصلوب هو الأساس؟

لأنّ مارون، في اليوم الذي اختار فيه النسك، لم يختر الهروب من العالم.

النسك ليس هروبًا، ولا هو انسحاب من الواقع، بل هو بحث عن لقاء أعمق مع يسوع.

وهذه خبرة تعلّمنا اليوم أنّ المسيحي ليس من يهرب من الدنيا، بل من يعيش في قلبها ويختار النصيب الأفضل.

وما هو هذا النصيب؟

وما هي هذه النعمة التي يُدعَى المسيحيّ إلى التقدّس فيها؟

أن يلتقي بيسوع.

وأعود فأقول: الناسك ليس من يهرب من العالم، بل من يختار أن يكون مع يسوع من أجل هذا العالم، ومن أجل الذين فيه.

الصوت الذي سمعتموه لم يكن لأجل يسوع، بل لأجلنا نحن.

فمن هو الناسك؟

هو من عاش خبرته من أجل الكنيسة، ومن أجل شعبه.

وما الثمر الذي يعطينا إيّاه مار مارون؟

ألا نخاف في الخفاء من اختيار يسوع.

ألا نخاف من عيش علاقة حميمة معه.

ألا نخاف في الضيق، وفي الشدّة، وفي الاضطهاد.

سمعنا في الرسالة عن الشدّة والضيق والاضطهاد، وكانت الدعوة واضحة: الثبات.

وأكبر تحدٍّ لنا اليوم هو الثبات.

هذه الدعوة ليست دعوة سياسية، ولا ديموغرافية، ولا حزبية، ولا طائفية.

الثبات مع يسوع يعني نورًا من يسوع، وشعاعًا من يسوع.

فما هو أكبر تحدٍّ للموارنة اليوم؟

إنّه تحدّي العائلة.

أن تكون عائلاتنا نورًا، وأن نضيء في حياتنا كما أضاء مار مارون.

الحرب الكبرى اليوم هي أن تُضرَب دعوتنا في عمقها، وأن ننشغل بالقشور الخارجية وننسى الجوهر.

كلّ واحد منّا مدعوٌّ أن يسأل نفسه:

أين القداسة التي أُدعَى إلى عيشها في داخلي؟

هل هي على فراش مرض؟

أم في عائلة تتفكّك؟

أم في شهادة أعيشها في عملي؟

أم في حبّ شخص لا يستحق؟

أم في مساعدة إنسان لا يردّ الجميل؟

أم في أن أكون نورًا في مجتمعٍ بات معتمًا، حيث القيَم ماتت؟

تعرفون من هو الماروني؟

هو الذي يختار يسوع فوق كلّ شيء.

لذلك أدعوكم في هذا الوقت أن يفكّر كلّ واحد منّا:

أين الدعوة التي وضعها الله في حياتي لأتقدّس فيها؟

أين أنا مدعوّ لأن أتمسّك بيسوع أكثر؟

أين أحتاج إلى الثبات؟

قد أجد نفسي متعثّرًا، أو مرفوضًا، أو متعبًا، أو غير مضيء، أو فاقدًا لشهادة الحب.

عندها أعود لأتعلّم من مار مارون، وأنظر إلى صليب يسوع وأقول له:

ثبّتني معك.

قد تكون الحرب كبيرة، والتعب كبير، والأسئلة كثيرة.

لكن المارونية، على صورة مار مارون، هي أن أضيء من يسوع، وأن أنظر إليه وأقول:

كما كنت واقفًا على صليبك، علّمني أن أضيء مثلك بالصليب الذي في حياتي.

لذلك أدعوكم أن نعيد النظر في قداستنا، وأن نراها مشروعًا حقيقيًا، لا مجرّد احتمال.

مشروعًا حقيقيًا معه.

سواء في الاضطهاد، أو في الصليب، أو في الوجع، لنتذكّر أنّ حضورك يا يسوع في حياتنا قادر أن يقدّسنا.

وكما قبل مار مارون أن يموت مثل حبّة الحنطة،

تعرفون كم هذا جميل:

حبّة الحنطة، ما أعظم مجدها؟

أن تموت.

لو بقيت في المرطبان على الرف، ما نهايتها؟

العجين، فالفرن، فالاحتراق.

أمّا حين تقبل أن تموت في الأرض، فمجدها أن تعطي ثمرًا.

وهذه هي دعوتنا:

أن نقبل، بالحبّ، أن نموت لكي نُثمر.

دعوة لكلّ أمّ، ولكلّ أب، ولكلّ إنسان في هذا المجتمع يجاهد ويناضل ليضيء حبّ يسوع في عالمٍ يحتاج إلى نور جديد، نور لا ينطفئ.

عالم يحتاج إلى حبّة قمح تقبل أن تموت لكي تعطي ثمرًا يدوم للحياة الأبديّة.

فلنضع قلوبنا وحياتنا بين يدي يسوع،

ونقبل حبّه القادر أن يقدّسنا اليوم، في واقعنا، وفي المجتمع الذي نعيش فيه.

نأخذ لحظة صمت، نتأمّل في هذه الكلمة، ثم نتابع قدّاسنا.