حوار مع الأب رمزي جريج حول أبعاد زيارة البابا لاوون الرابع عشر إلى تركيا ولبنان، ودلالات العودة إلى نيقية في ذكرى مرور 1700 سنة على أول مجمع مسكوني. يتناول الأب رمزي التحدّيات التي تواجه الكنيسة في الشرق، من تغيّر هوية لبنان إلى التحوّلات السياسية والاجتماعية، ويشرح كيف يمكن للكنيسة أن ترافق هذه المرحلة في ظلّ ثورة الذكاء الاصطناعي والأزمات المتلاحقة.
يتطرّق الحديث أيضاً إلى السلام الحقيقي، معنى العدالة، الهجرة، ودور الشباب في رسالة الكنيسة.
حاوره السيد جيمي فرنسيس من صوت لبنان
جيمي فرنسيس:
أودّ أن أستضيف في الاستوديو الأب رمزي جريج. مساء الخير
الأب رمزي جريج:
أهلاً وسهلاً بك.
جيمي فرنسيس:
سنحاول من خلال هذه الحلقة أن نتطرّق إلى أبعاد هذه الزيارة الأولى، التي وُصِفت بأنّها الزيارة الأولى بعد انتخابه بابا. قيل إنّ الزيارة الأولى ستكون إلى لبنان، ولكن فعلياً الزيارة الأولى كانت إلى تركيا. لماذا تركيا بدايةً؟
الأب رمزي جريج:
تركيا هي زيارة لا بدّ منها تقريباً. وأنا أقول إنّها لم تكن زيارة لتركيا كدولة تركية بحدّ ذاتها، بقدر ما أنّ الاختيار كان زيارة لمدينة نيقية، التي تحتفل هذا العام بمرور 1700 سنة على أوّل مجمع مسكوني جمع المسيحيين كلّهم سنة 325.
كان هذا المجمع المسكوني الأوّل، وفيه تَحدَّدت العقيدة الأساسية للإيمان المسيحي، وهي ألوهية المسيح. هذه كانت نقطة مفصلية ومهمّة جداً.
فالزيارة اليوم هي عملياً إلى بلدة تُسمّى الآن «إزنيك»، لكنها في ذلك الزمن كانت «نيقية»، وهي التي انعقد فيها أوّل مجمع مسكوني جمع كل أساقفة الكنيسة في ذلك الوقت، نحن نتكلّم عن 1700 سنة.
هذا المجمع هو الأساس، إن شئت، هو صخرة الأساس لكل المفهوم المسيحي واللاهوت المسيحي. فمن يريد أن يقول «أنا مسيحي» يجب أن ينتمي إلى نيقية التي حدّدت أنّ يسوع المسيح ليس مجرّد إنسان، وليس «إلهاً صغيراً» أو «إلهاً متوسطاً»، بل هو الله الحقيقي.
واليوم، من يريد أن يكون مسيحياً، يجب أن يؤمن بأنّ يسوع هو الله، وإلّا يكون خارج الإيمان المسيحي. إذن هذا المكان يجمع كل المسيحية، وهو نقطة الانطلاق.
ونحن نعرف أنّ نقطة الانطلاق العقائدية واللاهوتية لم تبدأ عملياً من نيقية كفكرة، لأنّ هذا كان إيمان الكنيسة منذ لحظة القيامة، منذ لحظة اللقاء بالرب يسوع، حين قال توما: «ربي وإلهي». لكنّ المسيحيين عاشوا إيمانهم بطريقة فعلية، حياتية، لمدة ثلاثمئة سنة في ظلّ الاضطهاد. لم يكن لديهم ترف «التفكير»، كانوا يعيشون أنّ يسوع هو المخلّص، يسوع هو الله الذي يزورهم.
وهنا أريد أن أُشدّد: لماذا أصَرَرْنا، ودُفِع الدم عبر الأجيال، لكي نحافظ على هذه العقيدة: أنّ يسوع هو الله؟
لأنّه لو لم يكن يسوع هو الله، فهذا يعني أنّ الله لم يزرنا، ولم نتّحد بالله، ولم يأتِ خلاصنا من الله.
الخلاص، بالنسبة لنا كمسيحيين، يتمّ في لقاء الإنسان بالله، لقاء الشخص بالشخص. هذا هو الإيمان بالنسبة إلينا. لذلك لا يمكن ألا يكون يسوع هو الله.
المسيحيون والجماعة المسيحية عاشوا هذا الإيمان دون أن يشرحوه فلسفياً ومنطقياً. وبعد أن انتهت الاضطهادات وبدأت الكنيسة تنعم بفترة من الراحة، جاءت أول مواجهة للفكر المسيحي مع الفكر الإغريقي، الفكر اليوناني، ومع الفلسفة التي كانت تُحدّد الكثير من المفاهيم. صار الإنسان بحاجة إلى أن يتحاور مع الناس، مع الثقافة، مع الحضارة. فكانت المسيحية بحاجة أن تعبّر عن إيمانها بلغة يفهمها الناس، وخصوصاً الطبقات المثقفة.
أول مشكلة كانت: كيف أقول إنّ يسوع هو الله، في حين أنّ الله لا يموت، ولا يمرض، وكائن إلى الأبد، غير مادّي، لا ينمو ولا يتغيّر؟
الله، في الفكر اليوناني، هو الذي لا يُدرَك ولا يُمسّ.
وفجأة تظهر جماعة تقول، وقد أصبحت دين الدولة، إنّ هناك إنساناً صُلِب على الصليب، صحيح قام من بين الأموات، لكنه مات أبشع ميتة، ثم تقول عنه إنّه الله!
هنا بدأت المحاولات والجدالات. وظهرت أوّل هرطقة في الكنيسة، وهي هرطقة آريوس، الذي أخذ فكرة من فلسفة أفلاطون: أنّ هناك الله الخالق، وهناك الخليقة، وهناك «الديـميورج» بينهما، الذي يتعاطى بين الله والعالم. فأخذ هذه الفكرة وقال:
يسوع هو، إن صحّ التعبير، «الإله المتوسط».
جيمي فرنسيس:
أي وضعه في مرتبة ثالثة…
الأب رمزي جريج:
أعلى من البشر ولكن أقل من الله.
فجاء مجمع نيقية، المجمع المسكوني الأوّل، وفعل أمرين مهمَّين:
- حدّد ألوهية المسيح بأنّه «مساوٍ للآب في الجوهر»، أو بالأحرى بالترجمة الأدق: «هو والآب جوهر واحد». يسوع المسيح ليس خارجاً عن الله، بل هو من الله، وهو الله.
- حدّد آلية تحديد تاريخ عيد الفصح.
وإذا لاحظتَ، في تركيا تطرّق البابا إلى هذه النقطة، وقال إنّه يتمنّى أن نصل يوماً ما إلى أن نحتفل بعيد الفصح معاً، أي أن يعود المسيحيون إلى تاريخ واحد للفصح، انطلاقاً من المسيرة المسكونية التي بدأت منذ نيقية.
لذلك، هذه الزيارة في هذا التوقيت ليست صدفة.
ولا ننسى أنّ البابا فرنسيس كان ينوي زيارة لبنان، لكن ظروفه الصحية حينها حالت دون هذه الزيارة. قيل يومها إنّ الظروف صحية، وربما كان هناك أيضاً ظروف سياسية؛ ولكن برأيي لو كانت ظروفاً سياسية بحتة لما أعلنوا أنّها لأسباب صحية.
جيمي فرنسيس:
لم يُعلن رسمياً في الفاتيكان آنذاك عن زيارة ثابتة للبنان .في لبنان، تردّد كثيراً أنّه يتمّ التحضير لهذه الزيارة، وأنّ لبنان سيكون محطة مهمّة للبابا…
الأب رمزي جريج:
صحيح، على كل حال، المعروف أنّه كان ينوي أن يزور لبنان، وأعتقد أنّ زيارة البابا لاوون الرابع عشر هي، إن صحّ التعبير، استمرار للمسيرة نفسها التي تقوم بها الكنيسة: بابا يذهب وبابا يأتي، لكن المسيرة واحدة.
وأنا برأيي لهذه الزيارة مدلول مهم جداً، خصوصاً عندما اختار البابا اسم «لاوون الرابع عشر». سأخبرك بصراحة: عندما كنت أشاهد على التلفزيون وأُعلِن اسم البابا «لاوون الرابع عشر»، قلت في قلبي: «إلى أين عاد بنا؟ لم نَعُد معتادين على هذا الاسم!». لكن عندما شرح خلفية الاسم، فرحت كثيراً، لأنّه قال إنه يريد متابعة مسيرة البابا لاوون الثالث عشر في القرن التاسع عشر، الذي واجه الثورة الصناعية، ثم ما تبعها من ثورة الفلاحين وثورة الطبقة العاملة.
كان موقف البابا لاوون الثالث عشر موقفاً مشرّفاً ومهمّاً جداً، جعل الكنيسة تواكب هذه «الثورة» الاجتماعية والاقتصادية.
اليوم، البشرية أمام ثورة جديدة قد تغيّر العالم بأسره: ثورة التواصل الاجتماعي، وخصوصاً ثورة الذكاء الاصطناعي. والكنيسة يجب أن ترافق هذه الثورة أيضاً.
وأنا أرى أنّ لبنان كذلك اليوم أمام مفترق طرق، أمام ثورة كبيرة جداً: ثورة هوية.
جيمي فرنسيس:
لبنان؟
الأب رمزي جريج:
نعم، ثورة هوية. برأيي، لا نعرف إلى أين يتّجه لبنان. هل سيكون غداً أفضل أو أسوأ؟ هل سيبقى على هويته أم ستتغيّر هويته؟
إذا نظرنا إلى المنطقة من حولنا نجد كلّ المعالم تتغيّر، ولبنان هو قلب الشرق. أنا أعتقد أنّ قداسة البابا يأتي ليقول: الكنيسة ترافق هذه الثورة، ترافق المسار الجديد للبنان.
جيمي فرنسيس:
قراءتهم للوضع اليوم لن تكون كما كانت في السابق. نحن أمام تغييرات قد لا تعود تتطابق مع السينودس السابق مثلاً؟
الأب رمزي جريج:
الأسس تبقى هي هي، لكن الظروف والإطار يتغيّران حكماً.
جيمي فرنسيس:
أكيد، ولهذا السبب لم يسبق هذه الزيارة سينودس جديد، لأنهم بانتظار أن تتبلور الصورة على الورق، بانتظار…
الأب رمزي جريج:
بالتأكيد، بانتظار البلورة. فإذا نظرنا اليوم، نرى أنّ التغيّر ليس سياسياً فقط، بل اجتماعياً وفكرياً وحضارياً وثقافياً. لبنان يتغيّر على كل هذه المستويات.
جيمي فرنسيس:
أبونا، كيف يمكن للكنيسة أن تواكب هذه التغيّرات، في وقتٍ ينقص فيه عدد المسيحيين في المنطقة؟
هناك مخاطر. وهناك، إن صح التعبير، صراع ديني منذ سنتين أو أكثر يواكب هذه المنطقة بين عدة أديان.
المسيحيون لم يدخلوا في هذا الصراع بشكل مباشر، لكننا بانتظار تسوية، وهذه التسوية بين المتصارعين قد تكون على حساب بقية الأطراف. فما هو دور الكنيسة في هذه المرحلة، وخصوصاً في هذه الزيارة بالذات، ونحن نسمع في الوقت نفسه تهديدات إسرائيلية للبنان، ونعرف الصورة كلّها. كيف تراها؟
الأب رمزي جريج:
أولاً، يجب أن نرى ماذا تعمل الكنيسة وما هو دورها.
الكنيسة لا تمارس السياسة، لكن لديها كلمة في السياسة.
لا تمارس علم الاجتماع، لكن لديها كلمة كبيرة في المجتمع.
لا تمارس العمل البيئي التقني، لكن لها كلمة كبيرة في قضايا البيئة.
دور الكنيسة يشبه دور الضمير في داخل الإنسان:
في قلب السياسة، الكنيسة تنطق بصوت الضمير، صوت الحق، صوت الضعيف، صوت المظلوم.
وفي الثقافة، تذكّر بأسس الإنسانية الحقيقية. شبابنا اليوم بحاجة إلى من يذكّرهم: ما هي أسس إنسانيتنا الحقيقية؟
وأنا أرى أنّ الكنيسة، وأنا شخصياً أنتظر ما سيقوله قداسة البابا، لها كلمة مهمّة جداً في هذه التحوّلات، لتوجيه المسار نحو خير الإنسان.
الإيمان المسيحي لا يعمل «لخير الله»، لأنّ مجد الله هو الإنسان الحيّ. الإيمان المسيحي يهتمّ بالإنسان، بخلاص الإنسان؛ لكن الخلاص الحقيقي، لا الخلاص المزيّف، ولا الفرح القائم على الملذّات والفرح الآني الذي يخرّب، أنظر الى المخدّرات التي تعطي نشوة وفرحاً وسعادة آنية، لكن نتيجتها موت.
الكنيسة اليوم يجب أن تكون صوت خير الإنسان الحقيقي في قلب هذه التحوّلات، حتى لا تكون التحوّلات والتسويات على حساب الإنسان وكرامته وخيره الحقيقي؛ وهذا هو جوهر القيم المسيحية.
نحن كثيراً ما نعدّ عددنا ونخاف على العدد، لكن المشكلة الأكبر أنّنا إذا كنّا «رسالة» وفتح العالم هذه الرسالة فوجدها ورقة فارغة، فما قيمتها؟
قال لهم يسوع: «أنتم ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فبماذا يُمَلَّح؟ لا يصلح بعدُ لشيء…».
جيمي فرنسيس:
الإنسان هو الأساس، ومن الطبيعي أن يُقال إنّ أي تسوية ستأخذ الإنسان بعين الاعتبار.
لكن، ماذا عن الوجود المسيحي في هذا الشرق؟
هل تستطيع الكنيسة، في ظلّ الضعف الذي نعيشه في لبنان – وأقول هذا الكلام على مسؤوليتي – أن تساعد لبنان على أن يفرض نفسه في التسوية أو يُعدّل فيها؟
لبنان ضعيف بالمقارنة مع جيرانه …
الأب رمزي جريج:
صحيح، لبنان بلد ضعيف في المنطقة، والكنيسة في لبنان أضعف، هي الحلقة الأضعف إذا أردنا أن نقيس بمنطق القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية.
جيمي فرنسيس:
استضفناك «لنشدّ ظهرنا فيك»!…
الأب رمزي جريج:
ما سأقوله هو شيء مهم جدًّا:
نحن لا نتّكل على القوة السياسية ولا الاقتصادية. قوّة الكنيسة دائماً كانت في معنوياتها، في الفكر الذي تحمله.
كيف انتشر المسيحيون في لبنان؟ لماذا توجد قرى مسيحية في كل مكان؟
لأنّهم كانوا عمّال سلام.
كلّما اختلفت قريتان، كانوا يطلبون من المسيحيين أن يأتوا ويسكنوا بينهما: «تَعُوا ابْنُوا بيناتنا»، لأنكم تعملون للسلام.
اليوم دور الكنيسة هو أن تُوعّي الإنسان على قيمه الإنسانية الحقيقية، التي هي القيم الإلهية.
لماذا يسوع الإنسان هو الله؟ لأنّ الإنسان مدعوّ أن يعيش الألوهة بالحبّ. فإذا فُقِدت المحبّة من حياة الإنسان، صار الإنسان حيواناً، ولم يعد على صورة الله.
إذن قوّة الكنيسة، مثل قوّة لبنان، ليست سياسية ولا اقتصادية ولا سياحية ولا عسكرية. نحن لا نملك شيئاً من هذا، لكن نملك قوّة المعنى، قوّة الرسالة.
نعود هنا إلى «الرسالة»: يجب ألا تكون الرسالة فارغة.
وأرى أنّ الكنيسة، سواء برسالة قداسة البابا في حضوره بيننا، أو ككنيسة لبنان كجسم رسمي، أو ككنيسة شعب الله – أي نحن المؤمنين – إذا لم نكن رسل سلام، ورسل محبّة، نكون مثل الملح الفاسد الذي لا طعم له.
جيمي فرنسيس:
رسل سلام ورسل محبّة …
الأب رمزي جريج:
رسل محبّة ورسل عدالة. لأنّ السلام ليس غياب الحرب فقط.
السلام ليس مجرّد وقف المدافع.
السلام هو في العدالة، السلام هو في المحبّة، السلام هو في التسامح.
والتسامح يتطلّب نوعاً من «الموت» من قبل الإنسان:
يموت عن حقّه أحياناً، عن أنانيّته، عن جرحه، عن وجعه.
وإلّا كيف يُبنى السلام؟
شعار «طوبى لفاعلي السلام» شعار مهم جداً؛ فالسلام «فعل»، يحتاج إلى فاعلين.
السلام لا يأتي سحرياً. الله لا يعطينا السلام كمعجزة من فوق، بل يطلب منّا أن نبنيه.
جيمي فرنسيس:
العالم تلقّف هذا الشعار كمدخل إلى مرحلة جديدة في لبنان.
اليوم همّ الشعب اللبناني هو: ماذا سيحصل في الأيام المقبلة؟ ما هو مصير لبنان؟
وأنت تقول إنّ الهوية في خطر.
يوحنا بولس الثاني قال لنا: «لبنان هو رسالة». فهل سيتطرّق البابا إلى فكرة «الرسالة»؟ هل ما زال الفاتيكان مقتنعاً بأنّ لبنان سيبقى كما كان سابقاً ودوره كما هو؟
شعار «طوبى لفاعلي السلام» فُهِمَ في لبنان بشكل مختلف عمّا تقصده الفاتيكان.
الناس ذهبت فوراً إلى فكرة أنّ البابا يأتي ليطالب بالسلام بيننا وبين كل من حولنا، وأنّ لبنان يجب أن يرتاح من المشاكل ويعيش بسلام…
الأب رمزي جريج:
العلّة: كل واحد منّا يرى السلام بطريقته.
مشكلتنا في الإعلام أنّنا لا نسمع إلا صوت السياسة.
إذا تابعتَ المحطّات اللبنانية، ترى كيف فهم كل طرف «طوبى لفاعلي السلام»، وماذا ينتظر من قداسة البابا أن يقول.
كل واحدة من المقدّمات الإخبارية ترى الحدث من زاويتها.
أنا أمس مساءً سمعت – أنتم بعد نشرة الأخبار عندكم تبثّون المقدمات – فتابعت مقدّمات نشرات الأخبار. ما رأيته كان شيئاً جميلاً ومضحكاً في الوقت نفسه: الموضوع نفسه، لكن كل واحد يراه من زاويته الخاصة.
اليوم علينا أن نفهم: ما الذي يقصده الفاتيكان بالسلام؟ وعن أي سلام يتحدّث؟ وعن أي رسالة؟
الرسالة التي يتحدّث عنها بولس الرسول حين يقول لأهل غلاطية: «أنتم رسالتنا، أنتم رسالة المسيح».
نحن اليوم: أي رسالة نريد للبنان أن يكونها؟
هل رسالة سلام مع إسرائيل؟
رسالة سلام مع إيران؟
رسالة سلام مع سوريا؟
رسالة سلام مع أمريكا؟
أي رسالة؟
علينا أن نحدّد: ما هو السلام الذي نقصد؟
هذه الأنواع من «السلام» التي ذكرتها، غالباً تقوم على المصالح المشتركة أو تقاطع المصالح أو الاهتمامات السياسية المشتركة. هذا المستوى السطحي، الإنساني، لكن في العمق، ماذا هناك؟
إذا وقّعت اليوم سلاماً مع إسرائيل، أو مع سوريا، أو مع إيران، أو مع أمريكا… على أي أساس؟
هناك الكثير من الدول وقّعت سلاماً، ولكن على أساس أنّ دولة مستعبدة للأخرى، أو دولة مدعوسة من الأخرى. هذا ليس سلاماً، هذا ظلم. والظلم لا يولّد إلا الحقد، والحقد يهيّئ لصراع جديد.
اليوم البابا والكنيسة يشدّدان على السلام الحقيقي، الذي يجب أن يُبنى في قلوبنا أولاً، ثم بيننا وبين الآخرين.
نعم، قبل أن نتكلّم عن السلام مع الجيران، ألسنا بحاجة إلى تنقية الذاكرة، وإلى سلام بين المسيحيين في لبنان؟
جيمي فرنسيس:
هذا حتى قبل أن ننظر إلى السلام بين مكوّنات لبنان ككلّ…
الأب رمزي جريج:
لنبدأ بالصراعات المسيحية – المسيحية، وبالفئات المسيحية التي ما زالت تبغض بعضها البعض، والتي لا تعرف كيف تتحاور، وليست متّفقة حتى على أسس – لا أقول السياسة بالمعنى الحزبي – بل على مضمون السياسة:
اليوم كلّنا متّفقون أنّه يجب أن تكون هناك عدالة، وأن تُقال الحقيقة مهما كانت؟
ومع ذلك هناك من ما زال يغطّي هذا الملف وذاك، ويغطي الفساد، ويغطي الحقيقة. لماذا؟
صلاة البابا في مرفأ بيروت أحببت فيها أنّها ستكون صلاة صامتة.
أمام الشرّ الذي يأتي من قلب الإنسان، لا يبقى ما يُقال.
لا يقنعني أحد بأنّ انفجار بيروت كان «صدفة تلحيم».
بغض النظر عن التفاصيل التقنية، نحن أمام كميات من نيترات الأمونيوم، أمام توقيت معيّن، وطريقة انفجار معيّنة…
هذا بالنسبة إليّ رمز للشرّ الموجود في قلب الإنسان، الذي يدمّر بالمفخّخات والمدافع والطائرات المسيّرة والأسلحة النووية وغيرها.
هناك شرّ يأتي من الطبيعة: زلزال، وباء، مرض…
لكن هناك شرّ يأتي من إرادة الإنسان. وأمام هذا الشرّ، الإنسان لا يستطيع إلا أن يسكت كي يراجع ضميره.
أنا أرى أنّ وقفة البابا أمام المرفأ هي دعوة لي ولك أن نراجع ضميرنا:
أنت مع زوجتك، أنا مع جاري، أنا ككاهن مع بقية الكهنة، الجار مع جاره، والسياسي مع خصمه…
نحن نخطئ كثيراً بحق بعضنا البعض، وندمّر بعضنا البعض. التدمير لا يأتي فقط بالقتل والمتفجّرات والسيوف؛ أحياناً الكلمة تؤذي أكثر من هذه كلّها، وتشويه السمعة يدمّر حياة إنسان.
جيمي فرنسيس:
موضوع العدالة، تطرّقتَ إلى العدالة وإلى تفجير المرفأ. إلى أي مدى هذه رسالة أيضاً لاستكمال إعطاء كلّ ذي حق حقّه؟
الأب رمزي جريج:
بالنسبة لنا كمسيحيين، العدالة هي الرحمة.
للعدالة وجهان: الحقيقة والرحمة.
عندما صعد بطرس ليلقي أول عظة في التاريخ بعد قيامة الرب يسوع، يوم العنصرة، ماذا قال لهم؟
قال لهم: «أنتم صلبتم يسوع المسيح، لكن الله أقامه».
لم يخجل أن يقول لهم: أنتم صلبتم يسوع، هذه هي الحقيقة.
لكن الله أقامه لأنه غفر لهم. أقامه ليعلن رحمته.
إذن الحقيقة وحدها لا تكفي، والرحمة وحدها لا تكفي. الحقيقة من دون رحمة قد تتحوّل إلى ظلم، لأننا أحياناً نعاقب الإنسان على أفعاله دون أن نأخذ بعين الاعتبار ظروفه، والأسباب التخفيفية، والدوافع.
اليوم، إذا أنا حبستك في البيت، وفي اليوم الذي تهرب فيه أستطيع أن أُعلِنك مشاغباً، مع أنّي أنا الذي حبستك. واليوم، عندما أريد أن أُعاقِبك، أستطيع أن أُمعِن في معاقبتك. فإذا أكلتَ، أُعاقِبك، وإذا لم تأكل، أُعاقِبك. وإذا تجرّأتَ يوماً على القيام بردّة فعل، أُدينك على ردّة الفعل.
الدول الكبرى، عندما تريد ظلم الشعوب، ماذا تفعل بها؟ تخنقها. تخنقها وتُخضِعها. تنتظرها حتى تقوم بردّة فعل… وعندها تنقضّ عليها.
اليوم، الحقيقة إذا لم تكن مُرفَقة بالرحمة وبالمحبّة، فهي لا تُحقّق عدالة، لا تُحقّق عدالة أبداً.
مرّة سمعت عبارة جميلة:
«عدالة الله ليست المساواة؛ عدالة الله هي أنّه رأى من العدل ألّا يترك الإنسان يموت في خطيئته، بل أن يخلّصه». رائع!
جيمي فرنسيس:
سنكمل معك يا أبونا رمزي جريج عن تحدّيات الكنيسة في هذا العصر: ما هي التحدّيات التي تواجه الكنيسة اليوم في زمننا الحالي، والتي يمكن أن تُذلَّل من خلال هذه الزيارة؟
الأب رمزي جريج:
كلّ هذه الصعوبات والتحدّيات هي في جوهرها صعوبات وتحدّيات لكرامة الإنسان ودور الإنسان.
إذا نظرنا اليوم، كما تحدّثت الأخت الراهبة قبل قليل عن الشباب، نرى أنّ شبابنا لا يزالون يعيشون في بيئة فيها شيء من الألفة وجوّ العائلة، لكن ثقافة شبابنا من أين يأخذونها اليوم؟
من «القرية الكونية»، من الهاتف الخلوي، من الإنترنت، من الذكاء الاصطناعي.
هذه كلّها وسائل قد تكون لخدمة الإنسان وتطوّره، وأنا لست أنكر قيمتها، لكن إذا لم تُستعمَل للخير، يمكن أن تصبح أدوات دمار الإنسان.
جائزة نوبل للسلام، مثلاً: عندما اخترع ألفرد نوبل البارود ظنّ أنّه يعمل خدمة للبشرية، فوجد نفسه قد أدخلها في أتون من النار!
بدأ الأمر بالبارود الذي استُخدم في الأنفاق، ثمّ القنابل، ووصلنا اليوم إلى السلاح النووي.
ثم أُنشئ شيء اسمه «جائزة نوبل للسلام» ليقول إنّ هذا التطوّر، هذه قدرات الإنسان، كلّما كبُرت، إذا نسي دعوته الأساسية، دعوة المحبّة، وسخّر كل ذلك لغير المحبّة، تصبح هذه الوسائل أدوات شرّ، أدوات دمار، أدوات موت.
اليوم البشرية أمام تهديد بالفناء، ليس فقط عن طريق النووي.
هناك فناء آخر: الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدخلنا في حياة لا تبقى فيها ركائز للحقيقة.
أين الحقيقة اليوم؟ تشاهد فيلماً فلا تعود تعرف أين ينتهي الواقع وأين يبدأ التلاعب، ولا تعرف أين الصحّ من الخطأ. وهذا خراب كبير!
جيمي فرنسيس:
كيف يمكن للإنسان أن يعزّز قدرته على التمييز بين الحقيقة والزيف؟
نحن صرنا جيل التكنولوجيا، لا مفرّ منها…
الأب رمزي جريج:
لا حلّ إلا بالبشارة، لا حلّ إلا بالكلمة.
الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي أخذت مكان «الكلمة»، لكن علينا أن نعيدها وسائل لخدمة الكلمة.
شبابنا اليوم يعيشون في عزلة، في «وَحدة».
في السابق، عندما يكون لديك سؤال، تذهب وتسأل صديقك، أو تتّصل بجارك.
اليوم لديك آلة تعطيك كل شيء، فلا تعود بحاجة إلى أحد.
جيمي فرنسيس:
أبعد من الوحدة… لقد وصلنا إلى نوعٍ من التوحّد.
الأب رمزي جريج:
بالضبط. نحن قطعة صغيرة من قلب منظومةٍ أكبر بكثير هي التي تُدير العالم اليوم. ونحن أمام تحدّيات كبيرة. فاليوم لا نعرف بأيّ مثالٍ نتمسّك، لأنّ شبابنا منهارون. عندما تدخل «السوسة» وتنخر، أرى الشباب مُحمَّلين بأفكار… ولا تظنّ أنّ شبابنا، إن ذهبوا إلى الكنيسة أو حضروا القدّاس يوم الأحد، أو شاركوا في جنازة المسيح، أو حضروا عيد الميلاد، فهذا يعني أنّهم يعيشون إيمانهم أو علاقتهم بالله. وهذه أيضاً نقطة مهمّة للغاية.
جيمي فرنسيس:
على من تقع المسؤولية؟
الأب رمزي جريج:
لماذا تسأل عن المسؤولية؟ دعنا نقول «دور من؟» لأن كلمة «مسؤولية» فيها تحسيس بالذنب!
دعني أقول أن هذا دورنا جميعًا!
أكيد، السلطة الكنسية لها دور كبير جدًّا، يعني نحن الكهنة والمطارنة والراهبات… لذلك زيارة قداسة البابا هو دخول في معركة المسؤولية. رجال الدين لديهم مسؤولية، لكن في كثير من الأحيان كلمة رجل الدين لم تعد مسموعة، أو تُؤخَذ على أنّها «هذا الكاهن يتكلّم لأنّه كاهن».
اليوم الأخ مسؤول عن أخيه، والأم عن أولادها، والأب عن أولاده، والزميل عن زميله.
عندما تكون في خلاف مع زوجتك، قد تكون كلمة صديقك أو زميلتك في الإذاعة أهمّ من كلمة الكاهن التي تسمعها في العظة.
من المسؤول إذن؟ المسؤولية على الجميع. هذه ورشة كبيرة.
لكن طبعاً الخطوط العريضة والإطار العام هما مسؤولية الكنيسة والمسؤولين فيها، وهذا ما أظنّ أنّ البابا لاوون الرابع عشر وعاه عندما اختار هذا الاسم، الذي كنّا نتحدّث عنه منذ قليل.
جيمي فرنسيس:
قال غبطته، البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، إنّ البابا سيتطرّق مع الشباب إلى موضوع الهجرة.
هل يعلم البابا، يا أبونا رمزي، أنّ سبب الهجرة في لبنان هو كل ما ذكرته، وما ذكرته الأخت مشلين منصور: البطالة، عدم القدرة على تحمّل كلفة التعليم والاستشفاء…
أبسط حقوق الإنسان في لبنان غير متوافرة، وهي ما يشجّع على الهجرة.
إذا أردت أن تقول لي أيضاً إنّ المسؤولية على الأهل وعلى المؤمنين، فأين دور الكنيسة في مواجهة الدولة أو مواجهة الفساد في الدولة؟
الأب رمزي جريج:
عندما انتشر وباء كورونا، والناس صاروا مهدّدين بهذا الفيروس، ماذا كان يستطيع الطبيب أن يفعل؟
هو أيضاً إنسان مثل الباقين، لا يستطيع أن «يوقف كورونا» أو أن يقضي على كل الفيروسات.
لكن الطبيب الشاطر ماذا يفعل؟
يقوّي مناعة الإنسان من الداخل، حتى إذا تعرّض للفيروس تكون مناعته قويّة.
اليوم هناك ظروف خارجية لا نستطيع السيطرة عليها بالكامل، ولكن لدينا «مناعة داخلية».
شبابنا اليوم، الحلّ ليس فقط أن تتمكّن الكنيسة من ضبط الظروف الخارجية لها.
الكنيسة لا تستطيع أن تؤمّن عملاً لكل الناس.
مسؤولية الإيمان والكنيسة والله هي العمل لتحسين الظروف الخارجية ولكن هذه المسؤولية الثانوية أما المسؤولية الأولى هي تحصين مناعة الإنسان.
الإيمان يحصّن الإنسان من الداخل.
إذا أراد شبابنا أن يبقوا في لبنان، لن يبقوا لأنّهم وجدوا عملاً فحسب، أو لأنّ مستقبلهم مضمون، أو لأنّ الاستشفاء والتعليم أصبحا مجّانيَّين؛ بل يبقون إذا اقتنعوا أنّهم مع يسوع لديهم رسالة بناء هذا المجتمع على أسس الرب يسوع، بالرغم من الصعوبات.
قال لهم الرب: «أنتم ملح الأرض».
الملح إذا لم يذب لا يعطي طعماً.
