عظة الأب إيلي شمعون – ١٦ تشرين الثاني ٢٠٢٥

إخوتي، هذا الإنجيل الذي سمعناه، والذي في البداية نشعر أنه مخيف ويضغط على القلب، عندما نسمعه للوهلة الأولى نحسّ كأن الدنيا “مترجرجة”، كأن العالم قائم لا يقعد. لكن هذا الإنجيل بالذات أُعطي لنا لكي يريح قلوبنا.

إذا نظرنا إلى الكوارث التي سمعناها في الإنجيل، نراها كوارث نعيشها اليوم، وليس فقط اليوم، بل رأيناها عبر كل العصور وكل الأزمنة. فالإنسان معرّض للشر. لكن من أين يأتي الشر في العالم؟ من أين تأتي المصائب؟ من أين يأتي المرض؟ من أين تأتي الضربات؟

إخوتي، في الدنيا يوجد قانون الطبيعة، ويوجد أيضًا الإنسان الحر. إذا سألنا اليوم: من أين تأتي الحروب؟ هل الله يرسل حربًا؟ هل الشيطان يصنع حربًا؟

إخوتي، الحرب لا تأتي من الخارج، بل من أين؟ من قلب الإنسان. الشيطان عندما يأتي ليحرّض، على من يحرّض؟ يحرّض قلب الإنسان. أمّا الله، فعندما يتكلّم، يتكلّم مع قلب الإنسان. والإنسان الذي يغلق قلبه على مشروع الله، على محبة الله، يقول له بحريته: لا أريدك. عندها يصنع حربًا، ويصنع شرًّا، ويؤذي أخاه الإنسان.

إخوتي، “نهاية الأزمنة” التي نتصوّرها اليوم كأنها آتية من الخارج، يأتي الإنجيل ليقول لنا: هي أولًا حالة قلبي من الداخل. قلبي أين هو؟

أحببت كثيرًا اليوم في القراءة الأولى التي تحدّثت عن “يوم الرب”. كيف نراه؟

نراه كـ“نار آتية، نار تُحرق”.

وإخوتي، أمام الأزمات، أمام الحروب، أمام الهزّات، أمام المصائب، نار الرب ماذا تحرق؟

تحرق “العشب” وتحرق “القش”، تحرق ما هو تافه وسطحي، وماذا تفعل عندما تُحرق هذه التوافه؟ تُظهر حقيقة قلبي.

إخوتي، النار التي يرسلها الرب ليست عقابًا لقلب الإنسان، بل هي ماذا؟ هي النار التي تكشف حقيقة قلبي: أنا أين؟

– أنا في الأزمة أين؟

– أنا في المرض أين؟

– أنا في الحرب أين؟

– أنا في الفقر أين؟

اليوم إذا قالوا لي: سنطردك من عملك، قلبي مع من يكون؟

إذا قالوا لي اليوم: نتيجة الفحوصات أظهرت أنك مصاب بالسرطان، أمام هذه الأزمة قلبي مع من؟

ماذا تفعل هذه النار؟ تُظهر حقيقة قلبي.

وإخوتي، مار بولس في رسالته إلى أهل تسالونيكي، قبل أن يقول لهم ما سمعناه اليوم، كان يخاطب “قديسين”. ومع ذلك، في القراءة التي سمعناها اليوم لا نرى حياة قديسين كما نتصوّرها نحن، بل حياة فيها فوضى: كل واحد يفكّر بنفسه، كل واحد مشغول بمصلحته، لا أحد يريد أن يعمل، كثيرون جالسون مكتوفي الأيدي، يريدون أن يعيشوا على حساب غيرهم.

أمام هذه الأزمة الموجودة داخل الكنيسة، نسأل: هل ما زال يوجد مشروع قداسة؟ هل فعلاً مار بولس يخاطب قديسين؟

إخوتي، القداسة ليست أن أقول عن نفسي إنني قديس، ولا أن أنظر إلى حياتي فأراها كاملة من دون خطأ، ولا أن أضع نفسي في مرتبة عالية وأقول: “كل شيء عندي على ما يرام”.

هل تعرفون من هو القديس؟

القديس هو الذي يختبر نفسه في أزمة، يختبر نفسه في “كريزة”، يختبر نفسه في مصيبة، ولكن قلبه يبقى مع يسوع.

وماذا اليوم يطمئن قلوبنا ويُريحنا؟

شيء جميل قاله الرب في الإنجيل: يقول لهم إن الدنيا ستقوم وتقعد، والمصائب ستحصل، وستنظرون فترون حتى إخوتكم وأهلكم وأقرب الناس إليكم – الذين لا تتوقّعون منهم خيانة – سيكونون هم أنفسهم الذين يسلّمونكم ويخونونكم.

وما الذي يوجعنا أكثر من الخيانات؟ خيانة الأهل، خيانة من أحببناهم. حتى هؤلاء، في لحظات، يخذلوننا.

تتطلّع فتجد شخصًا أحببته، أعطيته كل حياتك، أعطيته عمرك، وضعت تعبك وصحتك في سبيله، وفي النهاية تكتشف أنه خذلك. يسوع قال لنا إن هذا سيحدث، لماذا؟ لأنه يعرف أن قلب الإنسان في كثير من الأحيان غير ثابت: يبتعد، يسقط، ثم يعود.

لكن ما الذي يطمئن قلب الإنسان اليوم؟

جملة واحدة قالها الرب:

«حتّى لو حدث كل هذا، تأكّدوا من أمر واحد: ولا شعرة من رؤوسكم تهلك».

أي أن في عمق قلبك، في عمق حياتك، لا أحد يقدر أن يمسّك. لا أحد يستطيع أن ينتزعك مني.

إخوتي، هل تعرفون كيف تتحوّل الأمّ إلى “وحش شرس” عندما تشعر أن الشرّ يقترب من ابنها؟

اليوم عندنا أب سماوي يقول لنا: ولو قامت الدنيا وقعدت، لن أسمح لأحد أن يقترب منك، لأنك أنت ابني.

ما الأجمل في هذا الكلام؟

هل هو أن تزول المصائب؟

أن لا تعود هناك حروب في العالم؟

أن لا تعود هناك هزّات أرضية وزلازل؟

أن لا يعود هناك خطر؟

إخوتي، صدّقوني: إذا أنا وأنتم لم نكتشف أن لنا أبًا بهذا القدر من الاهتمام، لا يسمح ولا حتى لشعرة من رؤوسنا أن تسقط من دون إذنه، أقول لكم: حتى لو كان العالم في خير وهدوء، قلبي لن يعرف السلام.

ما الذي يجعل قلبي في سلام اليوم؟

أن أعرف أنه في وسط الأزمة، وفي قلب الشدّة، حتى لو كنت أدرك أن هذه الأمور لن تتغيّر سريعًا، عندي أب لا يتغيّر. عندي أب متعلّق بي، متمسّك بي، يقول لي: لا أحد يمسّ شعرة من رأسك. تلك الشعرة التي إذا سقطت على الأرض لا يلتفت إليها أحد، حتى هذه لا أحد يستطيع أن يمسّها بدون علمي ومحبّتي.

إخوتي، أمام هذه البشارة، أمام هذا الفرح، أنا وأنتم اليوم أمام فرصة ودعوة:

أعود لأتعلّق بك يا رب.

أعود لأقول لك: أنت وحدك القادر أن تفرّح قلبي.

اليوم أصوات كثيرة تقول لي:

– هذه الخطوة تعطيك الضمانة.

– افعل هذا الأمر لتؤمّن مستقبلك.

– ادّخر المال.

– ادخل في العقارات.

– اشترِ ذهبًا.

أركض وآتي بعمل من آخر الدنيا، لأؤمّن لنفسي وظيفة “مضمونة”، على أساس أن هذا العمل يريحني ويمنحني الاستقرار. ثم أكتشف أنني أبني حياتي، ومع ذلك قلبي خائف، وقلبي مضطرب.

ما الذي يريح قلب الإنسان اليوم؟

أن يكتشف أنه في هذه الأزمة، حتى لو لم يكن في يده أي ضمانة بشرية، عنده ضمانة واحدة حقيقية: عنده أب لا يدع شعرة من رأسه تسقط.

واليوم، حتى لو “ظبّطت” أحوالي، وتحسّنت أوضاعي، إذا لم أدخل في هذه الطمأنينة، ولم أتأكّد أنني ابن لهذا الآب، قلبي لن يرى السلام، لن يهدأ.

إخوتي، أمام هذه البشارة الكبيرة، فلنضع قلوبنا.

أنتم الشباب، كل شاب وكل صبية اليوم، أمام كل خوف، أمام كل قلق، أمام كل يوم يمرّ من دون أن تشعروا بالراحة، من دون أن تذوقوا الفرح الحقيقي:

لديّ كل شيء، لكنني لست فرحًا.

مشاريعي ليست مقفلة، لكنني لست مرتاحًا.

ما الذي يفرّح القلب اليوم؟

أن أعرف أن عندي أبًا.

أن أعرف أن هذا الأب لا يسمح لشعرة أن تسقط من رأسي، لأنه أب لي.

إخوتي، قلبي عندها يستطيع أن ينام ويرتاح، يستطيع أن يفرح، يستطيع أن يتحرّك ويذهب ويأتي من دون خوف.

أدعوكم أن نضع قلوبنا أمام هذا الآب، أن نضع قلوبنا بين يديه، لأنه اليوم آتٍ ليصنع هذه الخبرة معنا.

أدعوكم أن نأخذ لحظة، نضع فيها قلوبنا أمامه، ونتّخذ هذا القرار في الداخل:

– أريدك أن تكون أبي

– أريد أن أكون ابن

لأنه الرب آتٍ اليوم ليصنع هذه الخبرة معي.

لنأخذ دقيقة نتأمل، ونقدّم له هذا القلب، ثم نتابع قدّاسنا.