إخوتي، في هذا العيد الذي نحتفل به اليوم، كما قلتُ لكم في بداية القدّاس، هناك كلمة تأتي لتلامس بشريتنا، لتلامس حياتنا.
الخطر الكبير الذي أنا وأنتم نقع فيه حين نسمع كلمة قداسة، ما هو؟ أوّل خطر هو أنني أقول في نفسي: “أنا ما شأني؟ أين أنا والقدّيسون أين؟”
أنظر إلى حياتي فأراها بعيدة، أنظر إلى بيتي، فأجد أنني، إن كنتِ اليومِ امرأةً متزوّجة، ورأيتِ حياتكِ أمام خيانة زوجكِ، أو أمام التعب الذي تعيشينه في بيتكِ، وجاء أحدهم وقال لكِ: “انظري إلى القدّيسة ريتا، وتأمّلي كيف عاشت قداستها في ظروفٍ تشبه ظروفكِ”، فبماذا تجيبين؟
تقولين: “أنا أين وسانت ريتا أين؟ ما شأني بها؟ هي قدّيسة، وأنا؟”
وكذلك الشاب في عالمٍ يلاحق المال واللذة والسهر، ويسأل: “أين أنا من مار شربل الذي ترك الدنيا واختار المسيح؟”
أو السياسي الذي يضيع في مصالح الأحزاب يقول: “مار شربل؟ ما شأني به؟”
هذا هو أوّل خطر أمام القداسة: أن نفصل أنفسنا عنها، أن نعتبرها تخصّ آخرين.
أمّا الخطر الثاني، فهو أن نظنّ أن القدّيسين وُلدوا قدّيسين، وأنّهم خرجوا من بطون أمّهاتهم أنقياء بلا ضعف.
كم من القصص تُروى لنا في الكنيسة تُظهر القدّيسين وكأنّهم بعيدون عن واقعنا!
يقولون مثلًا عن القدّيسة فيرونيكا جولياني إنّها منذ طفولتها لم تكن ترضع نهارَي الأربعاء والجمعة… ولكن ما الرسالة التي تصلنا من هكذا حكايات؟
أنّ القداسة كأنّها مُنزَلة من السماء على أناسٍ استثنائيين.
لكن الحقيقة، إخوتي، أنّ القداسة مشروع حياة، وليست ولادة مختلفة.
مار منصور لم يبدأ قدّيسًا، وفيرونيكا جولياني لم تبدأ قدّيسة، وسانت ريتا كذلك.
كلّهم قداسة دقّت في ضعفهم، في خطيئتهم، في محدوديتهم، في ما نعانيه أنا وأنتم اليوم.
أمّا الخطر الثالث، فهو أن نجعل القدّيسين حاجزًا بيننا وبين يسوع، أن يتحوّلوا إلى “وسيط إداري” كما يقول البابا فرنسيس، ساعي بريد! فيُصبحون حائطًا بدل أن يكونوا جسراً.
بينما القداسة الحقيقيّة هي لقاء، هي أن أقف وجهاً لوجه أمام الحمل، أمام يسوع المسيح، كما يقول سفر الرؤيا.
من أين جاء هؤلاء القدّيسون؟ وكيف وصلوا؟
يجيب النصّ: “هؤلاء الذين جاؤوا من الضيق الشديد، وغسلوا حللهم في دم الحمل.”
إخوتي، القداسة أن تنظر إلى حياتك اليوم، وتكتشف أنّه حتى لو كنتَ في ضيقٍ شديد، أو في ظلمةٍ أو في خطيئة، فهناك دعوة لك لتُغسل بدم الحمل، لتتطهّر بمحبة يسوع.
مار يوحنا يقول: هناك شيء أُعطي لك، دعوة لا يمكن لأحد أن يسلبها منك.
أول خطوة في طريق القداسة هي أن أكتشف أنّي ابن محبوب، وأنّ مشروعي هو أن أصير شبيهًا بأبي.
نحن نعلم أنّنا أبناء الله، لكن ما سنصير إليه بعدُ لم يُعلَن. مشروع الله هو أن نصبح مشابهين له.
كيف أشبه الآب؟
الإنجيل يجيب في التطويبات:
في الفقر، في الجوع، في العطش، في الحزن، في الظلم، في الاضطهاد، في الجفاف الروحي، في الحرب الداخلية… هناك يتقدّس الإنسان.
الحرب ليست فقط على الحدود، بل في داخلنا: في البيت، في القلب، في العلاقة.
والربّ يعد: في كلّ ضيق، أنا آتٍ لأملأك، لأقدّسك، لأحوّلك بدمّي.
أين سُفك هذا الدم؟ على الصليب. ولماذا؟ ليقول لي: “أنا أحبّك.”
أحبّك في فقرك، في ضعفك، في تعبك.
من يحبّني في ضيقي هو الذي يحبّني حقًّا، حبًّا مجّانيًّا، بلا شرط.
القدّيسون لم يتقدّسوا بمجهودهم، بل بقبولهم أن يعمل الله فيهم.
أكيد، اليوم القداسة تتطلّب قرارًا، وأكيد أنّ القداسة تتطلّب جهادًا، وأكيد أنّ القداسة هي مشروعٌ يعيشه الإنسان في كلّ يوم من حياته. لكن القداسة ليست مشروعي الشخصي، وليست جهدًا أُنجزه وحدي.
سانت ريتا لم تتقدّس لأنها كانت تمارس رياضات روحية قاسية، بل لأنها اكتشفت أنّ الله قادر أن يصنع عجائب في فراغها، في ألمها، في بيتها.
هل ظننتم أنّها لم تتألّم يومًا؟ أنّها لم تسأل الله: “لماذا أنا هنا؟ لماذا هذه الحياة؟”
لكنّها لم تغلق قلبها على حبّ الله. لم تحاول معالجة حياتها بإرادتها، بل قالت له:
“يا رب، اجعلني أمينة لمشروع الحبّ الذي وضعته فيّ.”
إخوتي، يسوع يعرف تمامًا من أين جئنا، يعرف ضيقنا، وتعبنا، وضعفنا، ومشاريعنا المتعثّرة، وهو اليوم يريد أن يغسلنا بحبّه.
صدقوا أنّه في ضيقكم هناك من يأتي للقائكم، من يقول لكم: “تتقدّس بأن تُحبّ.”
وهذا الحبّ يصنع اللقاء.
القداسة ليست ملفات تُرفع إلى الفاتيكان، بل هي فرصة حبٍّ يعطيها الله لكلّ إنسان هنا واليوم.
حين تتعلّم أن تحبّ في موضع الضيق، عندها تتقدّس وتُضيء.
لذلك، أدعوكم الآن، إخوتي، أن يضع كلّ واحدٍ منكم قلبه أمام الربّ، بكلّ ما فيه من تعب وضيق، أمام هذا الآب الذي أتى ليغسل القلب، ليُظهر وجهه فينا.
وكلّما التمسنا وجهه، صرنا نشبهه.
وما أجمل أن يقول أحدهم حين يراك: “تشبه أباك.”
روح الله على وجهك يضيء بهذا الحبّ الذي يحتاجه العالم.
لا تبحثوا بعيدًا، فالعالم القريب منكم ينتظر أن يلمس القداسة من خلالكم.
خذوا لحظة صمت، تأمّلوا في الكلمة، وضعوا قلوبكم أمام الله، ثم لنكمل القدّاس.
