عظة الأب رمزي جريج – النقاش – ٢٤ أيلول ٢٠٢٥

عظة في رعية مار منصور النقاش والضبية من خلال الاحتفال بعيد مار منصور ٢٠٢٥

كلمة الرب اليوم كلمة مهمّة وقويّة لحياتنا. في الرسالة نسمع مار بولس يتوجّه – إن لم أخطئ – إلى أهل غلاطية، فيقول لهم: عندما أكون بينكم أكون لطيفًا، ولكن عندما أكون بعيدًا أكون جريئًا. وما معنى أن يكون جريئًا؟ أي قاسيًا. وقال لهم: إن شاء الله لا أُضطرّ أن أكون قاسيًا عندما آتي إليكم أيضًا.

إخوتي، مار منصور أعطانا نحن الكهنة فضيلتين مهمّتين: التواضع والوداعة. وما هي الوداعة؟ الوداعة هي اللطافة، هي الكلمة الحلوة، هي أن نكون ناعمين مع بعضنا البعض، أن نكون مهذّبين. لكن دعوني أقول لكم شيئًا: عالمنا اليوم، ومجتمعنا، وخصوصًا في لبنان، لم يعد يعرف الوداعة ولا اللطافة، أليس كذلك؟ انظروا كم تلقّينا أذى، وكم عشنا حروبًا وكذبًا وكلامًا جارحًا على الشاشات. صرنا كلّنا متوتّرين. انظروا كيف يسوق الناس: لا أحد ينتظر الآخر، الكلّ يريد أن يسبق غيره، وأقلّ حادثة تتحوّل إلى سبّ وإهانة. لماذا؟ لأن قلوبنا متعبة، لأن قلوبنا موجوعة.

ولكن إلى جانب اللطافة، يعلّمنا مار بولس أن هناك أوقاتًا تستدعي القساوة. وهنا نرى أنّ مار منصور بدوره علّمنا فضيلتين أخريين: التضحية، والغيرة الرسولية. التضحية تعني الإماتة، أي أنّها ليست دائمًا لطافة، ففيها أحيانًا ألم ووجع. والغيرة الرسولية – أي الاندفاع للبشارة – قد تتطلّب أحيانًا شيئًا من القساوة. كيف نوفّق بين اللطافة والقساوة؟ اللطافة تجاه الأشخاص، أمّا القساوة فهي تجاه الخطيئة والغلط.

مار بولس يقول لنا في الرسالة: أنتم لا تحاربون الناس، بل أنتم تصارعون الخطيئة وروح الشرّ. وإن لم نصارعها بالقساوة، فهي تخرب حياتنا وحياة الآخرين.

انظروا إلى الإنجيل: سيد البيت في النهاية يبدو عنيفًا، يقول: «اذهبوا عنّي يا ملاعين، ما عرفتكُم»، ويغلق الباب ويرميهم إلى الخارج. الأمر ليس تفصيلاً صغيرًا، بل هو جوهري. هذا الإنجيل لا نستطيع فهمه إلا إذا فهمنا العادات التي كانت في زمن يسوع عند اليهود. في الأعراس، كان أهل العرس يؤمّنون كلّ ما يلزم، حتى للمعوزين.

تذكّروا مثلًا في إنجيل آخر: عندما دعا السيد المدعوّين إلى عرس ابنه، فرفضوا المجيء، أرسل وجمع الناس من الطرقات وأدخلهم، ثم وجد بينهم واحدًا غير لابس ثياب العرس، فأخرجه. لماذا؟ لأن أهل العرس كانوا يوزّعون الثياب مجّانًا عند الباب، ويعطون الزيت مجّانًا. لكن هناك من رفض أن يأخذ النعمة، فخرج خارجًا.

هؤلاء هم مثل العذارى الجاهلات اللواتي رفضن أن يأخذن الزيت مجّانًا، لأنّهن تكبّرن على عطية الله وقالوا: «لاحقًا، ننتظر قليلًا، نأخذ محبّتك غدًا، نستفيد منك لاحقًا». كم من المرّات نحن أيضًا نتكبّر على نعمة الله؟ كم مرّة نقول: دعنا قليلًا في الخطيئة، وبعدها نتوب؟ دعني أسرق قليلًا وبعدها أتوب، دعني أعيش في الضعف وبعدها أرجع. لكن المشكلة أنّ التأجيل يجعل الخطيئة تتجذّر فينا وتصبح أعمق.

لهذا السبب القساوة ضرورية أحيانًا، تفيد وتيقظ أحيانًا، لأنّ الشيطان يخدّرنا. يقول مار بولس: «انتبهوا لئلا تناموا». الشيطان يُغفينا على حرير: «لا بأس، لا مشكلة»، لكن في الواقع السمّ يسري فينا. الخطيئة مثل السرطان، كلّما تأخّرنا على علاجها كلّما صارت أقوى وتؤدّي إلى الموت.

أنا شعرت اليوم، إخوتي، أنّها دعوة لي ولكم معًا، من مار منصور، ومن يسوع من خلاله. سنرى لاحقًا في اللقاء، مار منصور لم يُولد قدّيسًا، ولا صار قدّيسًا لحظة رسامته، بل في أوّل سنوات كهنوته كان “تلبيس”. لكن عندما اكتشف حبّ الله ونعمة الله لم يؤجّل الأمر.

لهذا اليوم الدعوة لنا جميعًا: ألا نؤجّل التوبة، ألا نؤجّل اللقاء بحبّ الله. اللطافة مطلوبة مع الأشخاص، أمّا القساوة فضرورية مع الخطيئة. لأنّ الخطيئة موت، والشيطان يصوّرها لنا حلوة وممنوعة، ولكنّها سمّ قاتل يَعِد بالفرح وبالسعادة، وفي النهاية يدمّرنا.

فلننتبه ألا نستيقظ ونغلق الباب ويُقال لنا: «لا أعرفكم»، لأنّنا تكبّرنا على النعمة وأجّلناها. العذارى الحكيمات رفضن أن يعطين الزيت للجاهلات، وقالوا لهن: «اذهبن واشترين». لكن المحبّة لا تُشترى. هناك أمر واحد في الدنيا لا يُشترى: المحبّة، وخصوصًا محبّة الله. إمّا تُعطى مجّانًا وتُقبل، وإمّا لا تشترى. علينا أن نقبلها كما هي: نعمة مجّانية قادرة أن تداوينا وتغيّر حياتنا كلّها. 

فلنأخذ دقيقة صمت، نتأمّل في الكلمة التي سمعناها، ونطلب من الرب يسوع أن يمنحنا نعمة الاستعجال في التوبة على خُطى مار منصور وجميع قدّيسينا، وخاصة القدّيسة تقلا التي نعيّد لها اليوم، والتي تركت كلّ شيء وتبعت الرب. فليكن في قلبنا صرخة الى الرب يسوع نقول له فيها: نريدك أنت، بأسرع ما يمكن.