عظة الأب إيلي شمعون –  ١٣ أيلول ٢٠٢٥

إخوتي، في القراءات التي سمعناها اليوم، الرب جاء ليُظهر وجهه، جاء ليُعلن قلبه، جاء ليكشف هويته وأبوّته، ويبيّن ما يريد أن يحققه في حياة الإنسان. وقد لمستني بشدّة الآية الأخيرة في الإنجيل، حين يقول إنّ الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، بل ليخلّص العالم.

الإنسان أمام الله غالبًا يشعر أنّه واقف أمام ديّان: ينظر إلى ضعفه، إلى خطيئته، فيتصوّر الله قاضيًا، حاملًا العقوبة، يفرض الأوامر والنواهي، ويحاسب على كل صغيرة وكبيرة. لكن إنجيل اليوم يأتي ليغيّر هذه النظرة، وليكشف كيف يعمل الله فعلًا.

الرب يقول: «ما من أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء»، ويذكّرنا بما حدث مع الشعب في البرية: حين رفع موسى الحيّة النحاسية. الشعب الذي كان مستعبدًا في مصر، ممرّغًا بالتراب، أخرجه الله وسار به في الصحراء. لكن أوّل ما واجه الجوع والعطش، بدأ يتذمّر: «في مصر كنّا نأكل البصل واللحم، أما هنا فماذا نأكل؟»

مشروع الله، إخوتي، ليس مشروع راحة آنية. حين يخرجنا الله من عبودية الخطيئة، قد نجد أنفسنا أمام صعوبات جديدة، فنميل إلى الحنين للماضي: “رزق الله على أيام البصل واللحم”. لكننا نكذب على أنفسنا، لأننا نعرف أنّنا في العبودية لم نكن يومًا مشبعين. كل مرة نبحث عن ملء، نعود جائعين وفارغين، وكل وهم من أوهام السعادة ينكشف زائفًا.

وإخوتي، الله لا يعاقب الإنسان، ليس الله من يرسل العقاب. فما الذي يعاقبه إذن؟ خطيئته هي العقاب. هي التي تلدغه، هي التي تسمّمه، هي التي تسقطه في الموت. لا تحتاج الخطيئة إلى قاضٍ أو سجن لتدمّرنا، هي بذاتها تحمل موتها.

لكن الله تدخّل. حمل خطيئة الشعب ووضعها على خشبة، رفعها! لماذا؟ لأن الإنسان كان يظلّ رأسه إلى الأرض لأنه يخاف أن ينظر الى الله، ينظر فقط إلى نفسه وإلى خطيئته، فهو لن يرى الخلاص في حياته. فقال له الله: “هذه الخطيئة التي أذلّتك سأرفعها على خشبة، لكي يوم ترفع رأسك ترى وجهي، لأنك لا يمكنك أن ترى خطيئتك بمفردك!.”

أنا وإيّاكم، إخوتي، إذا نظرتُ إلى خطيئتي بعينيّ فقط، فأنا عندها أحكم على نفسي بالموت. لكن ماذا قال لي الله؟ قال: هذه الخطيئة التي أذلّتك أنا رفعتها، لكي ترفع رأسك من التراب، ولكي تفهم أمام هذه الخطيئة أنّ لك أب، وأنّ وجهك متوجّه نحو السماء، وأنّ مكانك الحقيقي هو عند أبيك، وأنّ قلبك يجب أن يتوجّه إليّ، فأنا أريد أن أجذبك إليّ.

ما أجمل ما تقوله لنا الرسالة: يسوع، الابن، لم يعتبر مساواته للآب غنيمة، لم يتمسّك بها كامتياز خاص، بل أفرغ ذاته، وأخذ صورة عبد، لا بل صورة خاطئ.

يسوع المسيح، الذي بلا خطيئة، أخلى ذاته وأخذ صورة عبد، لا بل صورة خاطئ. وصل بالصليب إلى أعمق هاوية يمكن أن نصل إليها نحن، حمل العار واللعنة والخوف، ليفتح لنا الطريق الى فوق ويقول: “لست محكومًا أن تبقى في خطيئتك. لست محكومًا أن تظل مدعوسًا. اليوم يمكنك أن ترفع رأسك نحو السماء، لأن لك أبًا.”

كل الأصوات التي تقول لك: “أنت لص لأنك بلا أب. أنت زانٍ لأنك بلا أب. أنت خاطئ لأنك بلا أب”—هذه الأصوات يسكتها الصليب. لأن الصليب يعلن لك: لك أب في السماء. خطيئتك، فقرك، جوعك، خوفك، عطشك إلى العاطفة، عقدك النفسية، كل هذه يمكن أن تتحوّل إلى صرخة نحو الله، وهو قادر أن يشبعك ويملأ قلبك بالسلام. لا تخف! لديك أب! لست بمفردك!

على الصليب، يسوع قال: «يا أبتاه، في يديك أستودع روحي». هذه ليست كلمة عابرة. هذا إعلان ثقة مطلقة. الابن وحده يصدّق أنّ له أبًا. وأنا وإيّاكم، اليوم أمام خطايانا، مدعوون أن ندخل في هذه الثقة: أن نؤمن أنّ لنا أبًا، وألا نخاف أن نرتمي بين يديه. هل تعرفون ما كان يقوله يسوع على الصليب؟ كان يقول: “مهما حصل، إن خربت الأمور أو ارتفعت أو سقطت، أنا واثق أنّني بين يديك.”

وما أجمل أن نتأكد نحن أيضًا، في هذا العيد، أنّ لنا أب، وأننا قادرون أن نلقي حياتنا بين يدي الآب. ما هو الصليب؟ هو المكان الذي نكتشف فيه أنّ لنا أب. إنّ خطيئتي، وضعفي، وحزني، وظلمة حياتي يمكن أن تدخل كلّها في قلب هذا الأب.

فأدعوكم، إخوتي، في هذا الوقت، أن نضع قلوبنا أمام الرب، لتتشجّع وتجرؤ وتصدّق، وتعرف أنّه آن الأوان أن ترفع رأسها. أينما كان رأسنا اليوم، وأينما كانت حياتنا، وأيّة هاوية مرّغتنا الخطيئة فيها، هناك مَن جاء ليقول لنا: “ارفع رأسك. أنت لك كرامة في عينيّ. أنت ابني.”

اليوم، الرب قادر أن يشبع حياتك، ويملأ قلبك حبًّا. وأنا أتمجّد بكم، يقول الرب، لمجد أبي. ما أجمل ما نسمع في ختام القراءة: كل مشروع يسوع كان لمجد أبيه. نزل، وأخذ صورة عبد، وصُلب، ثمّ أقامه الله فمجّده.

وكيف يتمجّد الآب في حياتنا؟ يوم أضع ضعفي وخطيئتي في حضرته، فيحوّلها نورًا وقداسة. لأن لي أب يشفيني، يقيمَني على قدميّ، يجعلني ضوءًا في الظلمة، ونورًا في الصحراء والبريّة.

فلنضع، إخوتي، قلوبنا أمام هذا الأب، الذي اليوم يأتي ليصنع لقاء حب مع قلب كل واحد منّا. فلنأخذ دقيقة صمت نتأمّل بكلمته، ثم نتابع الذبيحة الإلهية.