عظة الأب شربل نادر – ٣١ آب ٢٠٢٥

الله معكم، إخوتي.

أتأمل معكم اليوم بقراءات هذا الأحد، حيث نرى الرب يسوع جالسًا يتناول الطعام عند أحد الفريسيّين. وهناك لاحظ كيف أنّ الكتبة والفريسيّين والكهنة يتزاحمون ويتخاصمون على المقاعد الأولى ليجلسوا فيها. هذا المشهد لفت انتباه يسوع، فشبَّه لهم مثلًا قائلاً: إذا دُعيتَ إلى عُرس فلا تجلس في المقاعد الأولى، بل اجلس في الخلف. لأنّ صاحب الدعوة هو مَن يُجلِس الناس حيث يشاء. فربما إن جلستَ في الأمام يخبرك أن تنهض وتذهب إلى الوراء، فتشعر بالخجل. وربما إن جلستَ في الخلف هو بنفسه يأتي ويقول لك: “تقدّم إلى الأمام”. فيكون مجدك أمام الجميع.

مثلٌ بديع ضربه يسوع، ويدعونا لنفكر بأمر أساسي: كم من المرّات في حياتنا نسأل: أين أنا؟ هذا السؤال “أين أنا؟” يستحوذ على جزء كبير من حياتنا. أين أنا؟ كيف ينظر الآخرون إليّ؟ هل أنا في المكان الذي يليق بي؟ هل أنا في المكان الذي أستحقّه؟ هل أنا في المكان الذي أطمح إليه؟ ولكننا ننسى سؤالًا أهم بكثير: “مَن أنا؟”.

فـ “مَن أنا؟” أهم بكثير من “أين أنا؟”، لأنّ “أين أنا؟” ليست سوى مظاهر. “أين أنا؟” هي ما يدفع الإنسان إلى البحث عن المقاعد الأولى كما فعل الكتبة والفريسيون، أي إلى المجد الباطل، وإلى الاستسلام لمنطق البشر.

في القراءة الأولى قيل بوضوح: “داءُ المتكبّر لا دواء له”، لأنه جُرثومة الشر متأصلة فيه. ومَن هو الذي يفتش عن المقعد الأول؟ هو المتكبر، الذي لا يرى الآخر، والذي الآخر في حساباته غير موجود. حتى الله لا مكان له في قلبه. لذلك شبَّه الكتاب المقدّس المتكبّر بالدّاء الذي لا دواء له، لأنه الشرّ بعينه، وهو نقيض منطق يسوع المسيح، نقيض المحبة.

إخوتي، يسوع جاء ليحررنا من منطق هذا العالم الذي يربّينا على سؤال “أين أنت؟ ما مركزك؟ كم تملك من المال؟ ما هو منصبك؟”. أمّا هو فيدعونا إلى الداخل، إلى سؤال “مَن أنا؟”. قد نسأل هذا في حياتنا اليومية: في الحفلات، في الكنيسة، في العمل، في الجامعة، وحتى في البيت. قد نضع أنفسنا في المقاعد الأولى ونضع الآخرين تحتنا. لكن عندما نسأل: “مَن أنا؟”، فالجواب مخيف إذا لم يكن في ضوء محبة الله. لأنّ الإنسان الذي يهتم فقط بـ”أين أنا؟” هو إنسان فارغ، بلا محبة، لا يرى سوى ذاته، ويستعدّ أن يدوس على الجميع لكي يثبت وجوده.

الرب يسوع يذكّرنا اليوم أنّ “أين أنا” لا قيمة لها، لأنّ الذي سيجلسنا في النهاية هو صاحب الدعوة، أي الله نفسه. هو الذي يرفع المتواضع ويضع المتكبر. وكما تقول الحكمة في سفر يشوع بن سيراخ: “يا بني، أنجز عملك بالوداعة والتواضع”. ليس التواضع لأنّ الله يريد فقط أن يعطيه الكرامة الأولى، بل لأنّ المتواضع هو الذي يسأل دائمًا: “مَن أنا؟ ماذا أفعل في حياتي؟ مَن أنا في عيون الآخرين؟ مَن أنا في عيون الله؟ هل أسلك بحسب محبة الله؟ هل للآخر مكان في حياتي؟ هل أرحم الآخر أم لا يهمني أمره؟”.

المتواضع هو الذي يضع نفسه دائمًا تحت المحاسبة، ويدوزن حياته على نور كلمة الله. ولهذا سيقول الرب في الإنجيل: “تعالوا يا مباركي أبي”، لأنهم جلسوا في الوراء لا طلبًا لمجدٍ باطل، بل لأنّ تواضعهم كان نعمةً من الله.

إخوتي، نحن مدعوون اليوم أن نسأل أنفسنا: ما الذي يشغلني؟ هل هو “أين أنا؟” أم “مَن أنا؟”. وإذا اكتشفنا أنّنا كثيرًا ما نهتمّ بـ”أين أنا”، فلنطلب من الرب أن يحررنا من هذه العقدة، وأن يعلّمنا أن نسأل دائمًا “مَن أنا؟”. فلنضع ضعفنا أمامه، ونطلب نعمته ورحمته لنتمكّن أن يكون جوابنا الحقيقي: “أنا لك، يا رب”، لا “أنا لذاتي”.

فلنطلب من الرب نعمة التواضع، لكي نعرف دائمًا أن نضع أنفسنا تحت المحاسبة، وأن ندع نعمته تساعدنا لنصبح مشابهين لقلبه: قلبٍ يُحبّ ويَرحم. فلنأخذ دقيقة صمت، ونطلب من يسوع هذه النعمة.