شكرًا للقديسة تريز التي أتت بسرعة إلينا، في ذكرى المئوية لإعلان قداستها، في هذه الليلة المباركة التي نذكر فيها نشأة الشبيبة المريمية وأولاد مريم، التي طلبتها العذراء من القديسة كاترين لابوريه عام 1830، كي تحل هذه النعم علينا جميعًا. أتت بسرعة، القديسة تريز لأنها عاشت قليلا! كانت مستعجلة إذ عاشت فقط 24 سنة كما نعلم، ربما لتكمل في السماء ما كانت قد بدأته على الأرض، كما تخبرنا.
وهذه الكلمة هي التي تُحيّرني في انجيل اليوم الذي، كما نرى، يستيقظ صباحًا وفي تلك الأيام، أي مباشرة بعد أن غادر الملاك مريم العذراء بعدما بشرها بأنها ستحمل بيسوع ابن الله، قامت مريم ومضت مسرعة إلى الجبل. لماذا كانت مستعجلة إلى هذا الحد؟ إلى أين تركضين يا مريم؟ كان بإمكانك التمهّل، فما زال الملاك قد غادر للتو. لماذا لم تبقي في مكانك؟ لماذا ذهبت بهذه السرعة إلى أليصابات، بالرغم من فرق السن بينكما، حوالي 60 أو 70 سنة؟
الجواب هو أن مريم، الممتلئة نعمة، الممتلئة من حضور الرب، ومنذ اللحظة التي بدأ يسوع المسيح يتكوّن في أحشائها، أدركت أن هذا الحمل ليس فقط لها، بل هو من أجل البشرية جمعاء. ومن تلك اللحظة، انطلقت بسرعة من أجل كل واحد وواحدة منّا.
والعلامة، أنها عندما وصلت إلى أليصابات وسلّمت عليها، ارتكض الجنين في بطن أليصابات، وامتلأت هي أيضًا من الروح القدس.
في وقت لاحق، فسّر الأب رمزي، أن يدي مريم تشبهان يدي القديسة تريز: مريم الممتلئة نعمة التي توصل إلينا النِعَم، وتريز التي توصل إلينا الورود التي ترمز إلى هذه النعم. وهاتان المرأتان تكشفان لنا ما نحتاج إليه، أنتم أيها الشباب، الروح القدس سيمنحكم بحسب حاجتكم، ولكن بشرط.
هذه شابة، لم تكن تتحدث فقط عن يسوع، بل كانت تبحث عمّن يولدها في الإيمان. فقد نبشت على أختها الكبرى لتكون أمّها، ثم على أختها الصغرى، ولم تجد. ثم اكتشفت أن مريم العذراء هي أمّها الحقيقية، وأنها بحاجة إلى من يلدها للإيمان. لا أحد يولد في الإيمان بمفرده، بل يحتاج إلى من يحمله كطفل صغير حتى يكتشف يسوع ويحبّه.
وهكذا، تركت أمّها البيولوجية، وجعلت مريم العذراء تتسلّم هذا الدور. حتى إنها، في عمر الرابعة عشرة، قررت الدخول إلى الحياة الرهبانية، وذهبت مع والدها لطلب الإذن من الكهنة. لم يعرفوا ماذا يفعلون، لأنها كانت صغيرة جدًا. فذهبوا في رحلة حج، في سنة يوبيلية، إلى البابا في روما. وهناك تمكّنت تريز من الوصول إلى البابا، وقالت له: “كما يريد الرب، سيتم الأمر”. ومنذ تلك اللحظة، رأت أن كل شيء ممكن بنعمة الرب.
دخلت الدير، ولم تتراجع، بل كانت تشعر كما شعرت مريم، أن ما حصلت عليه ليس لها وحدها. أرادت أن تعطيه للآخرين. وهكذا أصبحت شفيعة المرسلين، تصلي من أجلهم. وعندما طلبت منها الرئيسة أن تصلّي من أجل مجرم قبل إعدامه، أخذت الأمر على عاتقها، وكانت متأكدة أن الله سيستجيب.
فقالت له: “يا رب، أعطني علامة، ليس لأنني أشك برحمتك، بل لأفرح بأن هذا المجرم تاب.” وكان المجرم قد قتل طفلًا، ولم يكن أحد يتخيّل أن يتوب. رفض أن يعترف، ولكن قبل أن يُعدَم، طلب أن يُقبّل الصليب. وكانت هذه العلامة التي طلبتها تريز، لتتأكّد من أن رسالتها قد اكتملت.
كلنا أولاد مريم. لبنان مكرّس لمريم. وهي أرزتنا، وهي التي لا تتراجع. واليوم نتعلّم ماذا يعني أن نكون مكرّسين لمريم: أن نقبل أن نكون دائمًا مؤشَّرين نحو يسوع المسيح فقط، وأن نكون ممتلئين بالإيمان القوي غير المنحرف، وأن نكون شهودًا لوجود يسوع فينا، بقوة الروح القدس.
دعوتنا، أن نكون نحن أيضًا آباء وأمهات في الإيمان، نشهد ليسوع المسيح، ونزوره في الآخرين، ونترك الروح القدس ينطق من خلالنا. التكرّس لمريم معناه أن نصبح هيكلًا يسكن فيه الله، هيكلًا للثالوث الأقدس، كي تصل محبة الله من خلالنا إلى كل من يبحث عنها.
فكل واحد منا مدعو إلى القداسة، إلى أن يكون هذا “الهيكل”، حتى ولو كان خاطئًا أو بعيدًا. لأن المسيح مات من أجل الجميع، ووعد بأن يكون معنا، ويكشف كل شر في حياهتنا.
