الله معكم إخوتي. كلمة صغيرة أتأمل فيها معكم اليوم من خلال قراءات الأحد الذي تقدمه لنا الكنيسة، في عيد القديسين بطرس وبولس. بطرس وبولس اللذان بشّرا، وكان على عاتقهما ثقل كبير في التبشير، كما قلت سابقاً. كان التبشير على بطرس أكثر في اليهودية وروما، أمّا بولس فكان تبشيره موجّهاً بشكل أكبر نحو اليونانيين، وخصوصاً نحو الشعوب الوثنية.
وإذا انطلقنا من الإنجيل اليوم، نرى أنّ الرب يسوع يسأل تلاميذه: «من يقول الناس إنّي أنا؟» فنسمع الأجوبة التي تأتي من الناس: بعضهم يقول إنّه إيليا قد عاد إلى الحياة، وبعضهم يقول إنّه إرميا. ثم ينتقل الرب إلى السؤال الشخصي، فيسألهم: «وأنتم، من تقولون إنّي أنا؟» والوحيد الذي يجيب هو بطرس، فيقول: «أنت المسيح ابن الله الحي.» أنت المسيح، أي أنت الممسوح من الآب، أي المخلّص الذي أرسله الآب ليتمّ خلاص البشرية. إنه اعتراف عظيم وكبير يصدر عن بطرس، فيقول له الرب يسوع: «طوبى لك يا سمعان بن يونا، لأنّ لحماً ولا دماً لم يعلن لك ذلك، بل أبي الذي في السموات.» ماذا يعني هذا؟ يعني أنّه عمل الروح القدس في بطرس.
إخوتي، عظمة الرسل لم تكمن في أنّهم بلا خطايا، ولا كانت عظمتهم لأنهم بشّروا فقط، ولا لأنهم كانوا مسالمين ومتّفقين دائماً مع بعضهم. كلنا نعلم أنّ بطرس وبولس تشاجرا مع بعضهما بسبب اختلاف نظرتهما إلى البشارة. بطرس، إخوتي، هو الذي اعترف بأنّ يسوع المسيح هو المخلّص. لكننا نرى لاحقاً أنّه سيمنع يسوع من دخول أورشليم، إذ يقول له: «لا، إذا كنت تريد الذهاب إلى أورشليم لكي تموت، لا، لن أدعك تدخل.» فانظروا كيف تأمّلنا اليوم في حياة بطرس وبولس، لنأخذ منهما عبرة لنا نحن أيضاً.
بطرس في اللحظة التي اعترف فيها بأنّ يسوع المسيح هو المخلّص، كان منفتحاً على عمل الروح القدس. لكن في اللحظة التي أراد فيها منع يسوع من الذهاب إلى أورشليم، كان مغلقاً على عمل الروح، لأنّه ربما كان خائفاً. خائفاً من الموت، خائفاً من أن يخسر يسوع المسيح. وانظروا كيف أنّ الخوف أحياناً، إخوتي، يجعلنا نغلق قلوبنا على عمل الروح، ويجعلنا نستسلم لأفكارنا البشرية، وقدرتنا الشخصية، وقوّتنا الشخصية، ومشاريعنا، وننسى أنّ نعمة الله هي التي تعمل، خصوصاً في هذه الأوقات الصعبة.
وليس بطرس وحده هو الذي أراد منع يسوع من إتمام مشروع المحبة والدخول إلى أورشليم. بل إنّ بطرس أنكر يسوع ثلاث مرات، وكلنا نعلم هذا الحدث الذي فيه أنكر بطرس يسوع. لكن يسوع قال لبطرس: «أنت الصخرة.» وبعد أن قال له: «أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي»، نرى أنّ هذه الصخرة نفسها تقع. ولكن الرب يسوع لم يرفع يده عن بطرس، ولم يغيّر مشروعه له. لا، لم يغيّر مشروعه، بل ظلّ مؤمناً ببطرس، رغم قلّة أمانته وسقوطه في مواقف عديدة، بعد هذا الاعتراف العظيم والمسؤولية الكبيرة التي أعطاها له يسوع، إذ قال له: «أنت الصخرة، وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي.»
لكننا نرى أنّ هذه الصخرة أحياناً تتعثر. ومع ذلك، الرب لم يتخلَّ عن بطرس. وكذلك بولس. بولس الذي اضطهد المسيحية، وكان السبب في قتل المسيحيين، لولا أنّ الرب يسوع ظهر له على طريق دمشق، فحدث تحوّل جذري في حياته، وصار من مضطهد ومجرم وقاتل ومضطهد للمسيحية، إلى أعظم مبشّر للأمم الوثنية.
بطرس أيضاً في حياته، وإذا سمعنا الآن القراءة التي قرأتها الأخت، رسالة بولس الرسول، نجده يعترف بضعفه. يعترف بأنّه لا يملك شيئاً يزيد عن غيره. ما أروع هذا التواضع! وهو لا يقول ذلك فقط، بل يقول: «أنا خاطئ. أنا معتر.» وكان بولس يقول، ويطلب من الرب قائلاً: «هناك شوكة في جسدي، أزلها عني.» والمفسّرون واللاهوتيون يقولون إنّ هذه الشوكة التي كان يتحدّث عنها بولس، هي خطيئة كانت تؤرّقه طيلة الوقت، ولم يكن يستطيع التخلّص منها.
وكان يرى أنّه كمبشّر ليس من اللائق أن تكون لديه خطيئة، أو أن تكون لديه شوكة في جسده. ويقول للرب: «يا رب، أزل عني هذه الخطية.» فيجيبه الرب يسوع قائلاً: «تكفيك نعمتي، لأنّ قوّتي في الضعف تُكمَل. أنت خاطئ، وفيك هذه الشوكة، فلا تظنّ أنّ بشارتك ستصبح ناقصة أو بلا قيمة. تكفيك نعمتي. نعمتي أنا التي أعطيك إيّاها. لا تنظر إلى الكمال. لا أحد كامل. لا أحد كامل إلا الله.»
ونحن، إخوتي، إن نظرنا إلى حياتنا، وإذا كنا ننتظر حتى نبلغ الكمال لكي نعيش حياتنا المسيحية، فلن نستطيع أن نعيش حياتنا المسيحية. لذلك، إخوتي، إذا تأملنا اليوم في حياة القديسين كليهما، نرى أنّ حياتهما كانت مليئة بالضعف، والزلات، والخيانة، والخطايا. فلماذا نحتفل اليوم بهذين الرسولين العظيمين؟ لأنّ هذين الرسولين، رغم كل هفواتهما، ورغم قلّة أمانتهما، ورغم تخبّطهما أحياناً، بقيا واقفين حتى النهاية، غير متّكلين على أنفسهما، بل معترفين بخطيتهما، ومتّكلين على نعمة الله.
وهذا ما يريد المسيح أن يعلّمنا إيّاه اليوم في عيد هذين الرسولين، وهما يريدان أن يعلّمانا إيّاه: أنّه رغم كل خطايانا، ورغم كل ضعفنا، فإنّ نعمة الله هي التي تمنحنا القوّة لنكمل المسيرة. المصداقية ليست من عندنا، وحياتنا، بما فيها من أخطاء، لا يمكن أن تصبح كاملة وطاهرة ونقيّة بنسبة مئة في المئة. لكن بنعمته هو، هو قادر أن يعطينا هذه المصداقية، لكي نكون حقاً مبشّرين بكلمته، وأن نكون حقاً أولاده، نعكس محبّته ورحمته التي علّمنا إيّاها لكل من نلتقيه.
والدليل على مصداقية هؤلاء التلاميذ، وعلى تواضعهم، وعلى ثباتهم بنعمة الرب يسوع، أنّ كليهما ماتا شهيدين. واليوم نرتدي الأحمر لأنّه علامة على نهاية هذين الرسولين، اللذين ماتا شهيدين في سبيل الكلمة وفي سبيل بشارة الإنجيل.
بطرس الذي وصل إلى روما ليبشّر هناك، قيل له عند أبواب المدينة: «اهرب، فقد أعدّوا لك القتل.» فاستدار بطرس وهمّ بالهرب. وفي تلك اللحظة الضعيفة، كما حدث معه سابقاً حين أنكر يسوع ثلاث مرات، وكما أراد أن يقول ليسوع: «لا تدخل إلى أورشليم لئلا يقتلوك»، ها هو يخاف من الموت. استدار يريد أن يهرب، فلا يريد دخول روما. فيظهر له الرب يسوع ويقول له: «Quo vadis؟» أي: إلى أين تذهب؟ قال له: «أنا الحياة، أنا القيامة. لا تنسَ، لا تخف من الموت. أنا معك، ولست وحدك في هذا المشروع، مشروع حياتك. رغم كل هذه المخاطر التي ستعيشها، والتهديد لحياتك، أنا معك. لا تخف.»
حينها تذكّر بطرس أنّ الكلمة الأخيرة ليست للموت، ولا للعذاب، ولا للمرض، ولا للضعف، ولا للخطيئة، بل الكلمة الأخيرة هي للقيامة. قيامة الرب يسوع المسيح التي جاء ليمنحها لنا، وهي حياة جديدة لكل واحد منّا. فرجع بطرس ودخل إلى روما وبشّر هناك، حتى انتهى به المشوار بأن صُلِب. وبطرس، حتى حين أرادوا أن يصلبوه، لم يقبل أن يُصلب مثل يسوع المسيح معلّمه. قال لهم: «اصلبوني مقلوباً. لستُ أهلاً أن أُصلب كما صُلِب الرب يسوع.» فصُلِب بطرس ورأسه إلى الأسفل وقدماه إلى الأعلى، صُلِب مقلوباً.
وكذلك بولس الذي قُطع رأسه. لم يكونا مستعدَّين للموت لولا أنّ حقيقة القيامة كانت حقيقة. لا أحد يموت من أجل كذبة. وهما أكبر دليل على مصداقية إنجيل الرب يسوع المسيح. تلاميذه الذين هم مثلنا، ضعفاء مثلنا، يخافون مثلنا أمام الموت، لكنهم لم يخافوا، لماذا؟ لأنهم كانوا يعرفون أنّهم لا يموتون من أجل كذبة، بل من أجل القيامة، ومن أجل حقيقة حقيقية. الرب يسوع قام من بين الأموات، وهم رأوه بأعينهم ولمسوه بأيديهم. ولذلك قبلوا أن يموتوا من أجل هذه الحقيقة الكبرى. وكانوا يعلمون أنّ حتى الموت ليس له الكلمة الأخيرة، بل الكلمة الأخيرة للقيامة.
لذلك، إخوتي، اليوم في هذا العيد، فلنطلب جميعاً في هذه اللحظة الصامتة نعمة من الرب يسوع. نعمة من الرب يسوع، أمام كل مرة شعرنا فيها أنّنا غير أهل لأن نكون مسيحيين، أمام كل مرة ضعفنا فيها، حين دخلنا إلى أعماق قلوبنا، ورأينا حقيقة ذواتنا التي فيها أحياناً أشياء قبيحة، وخطايا لا نريدها، ونجاهد للتخلّص منها ولا نستطيع أحياناً. حين شعرنا بالإحباط، وقلنا إننا لا نريد أن نكون مسيحيين لأننا لسنا أهلاً لأن نكون مسيحيين، فلنتذكّر بطرس وبولس، أنهما رغم كل خطاياهما، وكل ضعفهما، وكل تخبّطهما، كانا متّكلين على نعمة الله. ونعمة الله هي التي غَلَبَت فيهما. هي التي غَلَبَت فيهما رغم ضعفيهما وخطيئتيهما.
فلنجعل هذا العيد اليوم تذكاراً لنا نتذكّر فيه أنّ نعمة الرب هي التي ستغلب فينا، وهي التي ستوصلنا إلى القيامة، وهي التي تجعلنا نقدر أن نعيش هويّتنا الحقيقية كأبناء لله. فلنأخذ، إخوتي، هذه اللحظة، لنتأمّل فيها بهذه الكلمة.
