لقاء مع الأب رمزي جريج في جونية – ١٨ / ٦ / ٢٠٢٥
١. مقدمة وتوضيح الهدف
أول شيء، أشكركم على الدعوة، وشكرًا لوجودكم جميعًا هنا. ثانيًا، أطلب منكم اليوم أن تتابعوني ببساطة، خصوصًا من يتابعنا لاحقًا عبر التلفاز. فقط تابعوني حتى النهاية، لأننا، كما هي العادة، سنقوم أولًا بهدم بعض المفاهيم الخاطئة – وقد تُسبب صدمة للبعض – قبل أن نعود للبناء من جديد. فاصبروا قليلاً، لأن البناء ليس أمرًا سهلًا.
سأبدأ بطرح ما لدي، ثم أترك مجالًا للأسئلة والحوار بيني وبينكم.
٢. التمييز بين الإيمان والتديّن
علينا أن نميّز بين الإيمان والتديّن، وبين الإيمان والدين. كثيرون منكم يعرفون هذا التمييز، ولكن من الضروري أن نوضحه مجددًا.
الإيمان والدين كلاهما علاقة بالله، لكن لا يتشابهان، بل على العكس، أحيانًا يكونان نقيضين.
ما هو الدين؟
الدين هو علاقة مع الله قائمة على مبدأ المعاملة أو التجارة: الإنسان، في ضعفه وهشاشته أمام المصاعب، يبحث عن إله قوي، ليقدّم له قرابين وذبائح وعبادات، أملاً في أن يتعاطف معه الإله ويمنحه معجزة، أو شفاءً، أو خلاصًا.
أي أن الدين هو محاولة للوصول إلى الله عبر استمالته، من خلال ما نقدّمه له. لكنه لا ينبع من حاجة إلى “الآخر” (أي إلى الله نفسه)، بل من حاجة شخصية لحلّ مشكلة.
لذلك، في التدين، نرى الناس يهرعون إلى الكنيسة عندما تقع مشكلة، أو في لحظة وجع، لأن الدافع هو الحاجة الذاتية.
وعليه، فإن صورة الله، في هذا السياق، لا تشبه الله الحقيقي:
• هو إله “منفعي” نحتاج إلى استرضائه،
• نراه غير مبالٍ،
• كأنّه بحاجة لمن يتوسّل إليه،
• ونظن أنه لا يعمل الخير إلا إذا أرضيناه.
هكذا تُختزل صورة الله إلى “شيء” أقرب إلى صنم لا يشبه في شيء الإله الحي الذي نعبده.
هدف التديّن؟
الهدف هو نيل معجزة. إن كنت مريضًا، أريد شفاءً. إن كنت عاطلاً عن العمل، أطلب وظيفة. إن كنت في منطقة حرب، أرجو ألّا تسقط القذائف على بيتي. كل الهدف منفعة شخصية.
والعلاقة في هذا السياق لا تدوم، فهي مرتبطة فقط بالحاجة. وحين تزول الحاجة، تزول العلاقة.
لذلك، فهي علاقة مزيّفة، علاقة مصلحة، علاقة تجارة. وليست إيمانًا.
٣. طبيعة الإيمان المسيحي
ما هو الإيمان إذًا؟
الإيمان هو علاقة تقوم على أمر مختلف تمامًا.
الإيمان لا يبدأ بالحاجة. لا يبدأ بأني أنا في مأزق وأتوجّه إلى الله.
الإيمان، كما نؤمن به نحن المسيحيين، يبدأ حين يرى الله أن الإنسان ضائع، بعيد عنه، وفي طريقه إلى الموت… فيأتي هو بنفسه إليه.
في الدين، الإنسان هو من يبحث عن الله.
في الإيمان، الله هو من يركض وراء الإنسان ليُعيده إليه، لأنه يحبّه.
هكذا يبدأ الإيمان: من فعل حب إلهي، من الله الذي بادر وركض وراء الإنسان لينتشله.
لذلك، بداية الإيمان هي “اللقاء”. لكنها ليست مجرد مصادفة أو معرفة نظرية.
هي لقاء شخصي، مبنيّ على المبادرة الإلهية، على المحبة المجانية، على الرغبة في أن يتبنّى الله الإنسان في ابنه يسوع المسيح.
وهناك عبارة عظيمة في الكتاب المقدس تُظهر الفرق بين التدين والإيمان:
“في التديّن الطبيعي، نؤمن بالحظ والقدر، ونقول: هذا نصيب الإنسان، وما كُتب له لا مفرّ منه.”
لكن في المسيحية، لا يوجد لا “حظ” ولا “قدر” بالمعنى القَدَري الذي يجعل كل شيء محتومًا سلفًا.
الكلمة الوحيدة التي استخدم فيها بولس الرسول تعبير “قَدَّر لنا” في العهد الجديد كانت في الرسالة إلى أفسس:
“قدّر لنا أن نكون له أبناء بالتبني في يسوع المسيح.”
فالله لم يقرّر مسبقًا ما إذا كنا سنولد أو نموت، أو نُصاب بالسرطان، أو ننجح أو نفشل، أو نعيش حربًا أو سلامًا.
الشيء الوحيد الذي قرّره مسبقًا، هو أنه يُريدنا أبناءً له في المسيح يسوع.
وهذه المبادرة ليست لأننا نستحق، بل لأن هو قرّر أن يحبّنا.
الإيمان إذًا، هو القبول بهذا الحب والدخول في هذه العلاقة.
أما التديّن، فلا يتطلب علاقة، بل يتعامل مع الله كمصلحة، وحتى أحيانًا من دون لقاء.
٤. علاقة الحب الشخصية مع الله
في التدين، لا توجد علاقة شخصية.
يمكن أن نطلب من القديسين، مثل مار شربل أو مار أنطونيوس أو العذراء أو تيريزيا، أن يتوسّطوا لنا عند الله، لكن من دون أن نلتقي نحن بالله شخصيًا.
تمامًا كما يرسل شخصٌ ما أوراقًا ليوقّعها رئيس البلدية دون أن يلتقي به، نحن أيضًا نُرسل صلواتنا وطلباتنا عبر وسطاء، وننتظر عجيبة، من دون لقاء مباشر.
لكن الإيمان الحقيقي لا يقبل بهذا النوع من العلاقة.
الإيمان المسيحي هو لقاء مباشر، شخصي، مع الله.
لهذا السبب، في عرس قانا الجليل، العذراء لم تطلب من يسوع أن يصنع لهم عجيبة فقط، بل قالت للخدّام:
“افعلوا ما يقول لكم.”
أي أنّها أرادت أن تربط الناس بيسوع، لا أن تقوم هي بالمهمة نيابةً عنهم.
الإيمان المسيحي هو أن أكون في علاقة حقيقية، شخصية، وحيّة، مع الله.
وليس فقط أن آخذ منه شيئًا، بل أن أطلبه هو، ذاته.
علاقتي بالله لا تقوم على “عوزي لشيء منه”، بل على “عوزي إليه هو”.
وهنا يكمن الفرق الجوهري.
فالإيمان هو أن أبحث عن الله، لا عن بركته فقط.
أبحث عنه لأنه هو كنزي.
لأنه هو مصدر الحب الذي يشبع قلبي.
٥. المثلث الإيماني والهدف من التجسّد
الإيمان المسيحي، لكي يكون إيمانًا حقيقيًا، يجب أن يكون قائمًا على علاقة ثلاثية الأبعاد:
1. بين الله الآب وأنا كابنه.
2. بين يسوع العريس وأنا كعروسه (الكنيسة).
3. بين الروح القدس، الذي يسكن فيّ، وأنا كهيكلٍ له.
هذه العلاقة، في جوهرها، علاقة حب.
فإذا نزل الله إلى الأرض ليس بدافع الحب، بل لأي سبب آخر – كأن يُنشئ حزبًا، أو يخلق دينًا، أو يُكوّن شعبية – فإن كل شيء في الإيمان ينهار، ويصبح صليب المسيح أعظم فشل.
يسوع لم يأتِ إلى الأرض لينال الإكرام، ولا ليُصفّق له أحد، ولا ليجذب جمهورًا يتبعه.
لقد جاء بدافعٍ واحد: الحب.
تمامًا كما تركض الأم وراء ابنتها عندما تمرض، بدافع حبّها، لا مصلحة،
وكما يذهب الحبيب إلى محبوبته لأنه يحبّها، لا لأنه بحاجة لشيء منها،
هكذا أيضًا نزل الله إلى الأرض، لأنه أحبّنا.
أما التديّن، فهو عبارة عن حبّ مزيّف، لأنه في جوهره: “أعبدك يا الله لأنك تعطيني.”
بينما في الحب الحقيقي، أُضحي بذاتي من أجل من أحبّه، حتى وإن لم يعطني شيئًا بالمقابل.
وقد قال يسوع:
“ما من حب أعظم من هذا، أن يبذل الإنسان نفسه عن أحبّائه.”
وهذا هو معيار الحب الحقيقي في الإيمان، لا في التدين.
٦. تمييز بين الحب الحقيقي والزائف
في حياتنا اليومية، إذا تأمّلنا في علاقاتنا، نجد أنها تتأرجح بين نوعين من الحب:
1. حب مجاني، حقيقي، صادق، قائم على العطاء.
2. حب مزيّف، تجاري، قائم على المنفعة والمصلحة.
فكلّما اقتربت العلاقة من المنفعة والمصلحة، كلّما أصبحت سطحية، باهتة، لا تملأ القلب، ولا تدوم.
وكلما اقتربت من الحب المجاني، كلما ازدادت حلاوةً وعمقًا، وملأت حياتنا بالفرح والانشراح.
إذا سمعنا قصة رجل سامح زوجته بعد خيانة، أو أخ سامح أخاه، أو شخص ضحّى بنفسه من أجل الآخرين، أو قديسة وهبت حياتها من أجل ابنتها – نفرح ونتأثّر فورًا، ونقول “واو!”
أما إذا سمعنا عن شخص تزوّج امرأة من أجل مالها، ثم جرّدها من كل شيء وتخلّى عنها، نقول على الفور: “إنه كلب!”
لماذا؟
لأننا في أعماقنا، نحن مخلوقون للحب الحقيقي.
إذا لم يكن هذا الحب موجودًا في علاقتنا بالله، فالدنيا كلّها تتحوّل إلى كذبة كبيرة.
إذا كنت أتعامل مع الله بكفوف، كأنّي لا أستطيع الاقتراب منه،
إذا كنت أرجوه وأتوسّل إليه ليتحنّن عليّ،
إذا كنت بحاجة إلى “واسطة” لكي يسمعني،
فمعنى ذلك أن الحنان قد اختفى من الوجود… وأن العلاقات جميعها في الدنيا باطلة.
٧. دور المحبة والتضحية في علاقتنا بالله والناس
كثيرًا ما نصل إلى هذه القناعة الحزينة عندما نُخذل من الناس،
حين نُخان،
حين يُغدر بنا،
حين تظلمنا الحياة،
حين تقسو الأيام،
فنقول في داخلنا:
“الدنيا كلّها كذبة.”
وهذه المقولة صحيحة تمامًا إذا غاب الحب الحقيقي.
كل شيء بدون الحب يتحوّل إلى زيف.
ولهذا السبب، عندما نبدأ في فهم سرّ الحب الذي يقدّمه الله لنا في الإفخارستيا، تبدأ الحياة تأخذ معناها الحقيقي.
في سرّ القربان، لا يقدم يسوع لنا شيئًا خارجيًا فحسب، بل يقدّم ذاته كاملة، حبّه، ألمه، موته، وانسكاب دمه.
إذا كانت علاقتي مع الله قائمة على الحب، تصبح كلّ علاقتي بالناس متحوّلة.
العلاقة بالزوج أو الزوجة تصبح مقدّسة.
التربية تُصبح دعوة للتضحية.
الألم يُصبح طريقًا للتقديس.
الحب الحقيقي، الذي ينبع من علاقتي بالله، هو الذي يُداويني من أنانيتي،
ويفتحني لأكون فعل حب تجاه كل إنسان، على صورة حب المسيح لي.
٨. مدخل إلى سر الإفخارستيا
الآن، وقد وصلنا إلى هذا العمق في فهم العلاقة مع الله، لا بد أن نبدأ بكشف المعنى الحقيقي لسرّ الإفخارستيا،
هذا الكنز العظيم الذي نملكه نحن الكاثوليك (وأيضًا الأرثوذكس)،
وفي الوقت نفسه، هذا السر الذي كثيرًا ما نسيء فهمه أو نختزله.
ولذلك، قبل أن نشرح معناه، لا بد من هدم ثلاث صور خاطئة عنه، لأنه إذا لم تُكسر هذه الصور، فلن نفهم شيئًا:
1. الإفخارستيا ليست “عجيبة” بالمعنى الحسي.
العجيبة يجب أن تكون قابلة للبرهان.
لكن في الإفخارستيا، الخبز والخمر يحتفظان بخواصهما:
• القربانة تعفن إن تُركت،
• تنقل العدوى مثل أي خبز،
• الخمر يتحوّل إلى خلّ إن بقي مكشوفًا،
• وكل التحاليل المختبرية تقول إنه لا يزال خبزًا وخمرًا من حيث التركيب.
لكن جوهرهما تغيّر.
وهذا ما يعلّمه توما الأكويني والكنيسة: الجوهر يتغيّر، لكن الشكل لا يتغيّر.
2. الإفخارستيا ليست “عبادة” بمعناها التبادلي.
لا نقدّم فيها شيئًا لله كي يعطينا شيئًا بالمقابل.
القداس ليس صفقة. التناول ليس عملاً أقدّمه لله كي يرد لي المعروف.
3. الإفخارستيا ليست “شيئًا” ملموسًا أو جزءًا من جسد يسوع يُختزن.
الإفخارستيا ليست “كائنًا سحريًا” نركع أمامه وكأننا أمام صنم.
ليست “شيئًا” نحتفظ به في بيت القربان كي نعبده كعنصر مادي منفصل عن اللقاء الشخصي بيسوع.
كثيرون يتعلّقون بشكل القربانة أو ببيت القربان وكأنهم يتعاملون مع جسد سحري،
ولكن الحقيقة: يمكنك أن تكون قريبًا من بيت القربان، وبعيدًا جدًا عن يسوع.
ويمكنك أن تكون بعيدًا عن بيت القربان، ولكن متّحدًا به بالكامل.
٩. تصحيح مفاهيم خاطئة حول الإفخارستيا
كثيرون منّا نشأنا على تصوّرات مغلوطة عن لحظة التقديس في القداس:
• لحظة “الكلام الجوهري” صارت وكأنها لحظة سحرية،
• نُغمض أعيننا، نركع، ونعتقد أن شيئًا خارقًا نزل فجأة من السماء.
البعض يتعامل مع القربانة وكأنها تحفة للعرض،
لكنها ليست مصنوعة لكي تُعرَض.
القربانة خُبز، والخبز خُلق ليُؤكل، لا لنتفرّج عليه.
الأيقونة تُعرض، لأن العين تحتاج إلى لون وشكل.
أما القربانة، فهي للاتحاد، للأكل، للدخول في علاقة حب، لا للمشاهدة من بعيد.
ولذلك، إن لم يُشرح التطواف بالقربان بطريقة صحيحة،
وإذا لم يكن فيه دعوة للدخول في مسيرة حبّ مع يسوع،
يصبح التطواف مظهرًا فارغًا، أو حتى إساءة للمقصود منه.
في العشاء السري، يسوع لم يكن “يعرض” جسده وخمره كرمز.
بل كان يُدخل تلاميذه في سرّ موته.
قال لهم:
“هذا هو جسدي المبذول، هذا هو دمي المسفوك.”
جسد مكسور، دم مسفوك… أي جسد ميت ودم ميت.
يسوع كان يُقدّم ذاته، موته، لكي نعيش نحن هذا الحب ونتّحد به.
الإفخارستيا ليست لحظة تمثيلية، ولا أداءً شعائريًا، بل حدث حبّ حيّ.
للأسف، كثيرون يشاركون في القداس من باب “الواجب”،
• على نية الميت،
• كي لا تزعل الوالدة،
• لأننا تعوّدنا،
• أو لأن “الله يغضب إذا لم نحضر”.
بينما يسوع لم يكن يُفكّر بكل هذا،
كان يفكّر في أن القداس هو إعادة حضور موته حبًا لنا، ودعوة لنا لنتّحد به.
١٠. معنى الخبز والدم في العشاء السري
ما الذي فعله يسوع على مائدة العشاء الأخير؟
لقد أخذ الخبز وقال:
“هذا هو جسدي المبذول لأجلكم”،
ثم أخذ الكأس وقال:
“هذا هو دمي المسفوك لأجلكم”.
لقد أدخلهم مباشرةً في سرّ موته قبل أن يُصلب بيوم،
وكأنه أخذ موت الصليب – بكل ألمه وذروته – ووضعه في قالب سرّيّ (Sacrament)،
أي جعله حاضرًا بطريقة تفوق الرمزية.
موت يسوع لم يكن مجرد حدث عابر.
لقد كان حدثًا سيُتداول به، سيُحكى عنه، سيُفسَّر بألف شكل:
• “السلطات الدينية تآمرت عليه”،
• “أُدين ظلمًا”،
• “خانوه أقرب الناس”،
• “بلاطس كان ضعيفًا”،
• “الشعب فضّل المجرمين عليه”،
• “الجنود أطاعوا الأوامر”،
• … إلى آخره.
كل تلك التفسيرات كان ممكنًا أن تنتشر بعد موته.
لذلك، قرر يسوع أن يسبق الحدث ويشرح بنفسه المعنى الحقيقي لموته.
لم يكن مجرّد ضحية ظروف أو خيانة أو مؤامرة،
بل هو الذي قرّر أن يموت، وقرّر كيف ولماذا.
في العشاء الأخير، قال لتلاميذه:
“خذوا كلوا… هذا هو جسدي المبذول لأجلكم.”
“خذوا اشربوا… هذا هو دمي المسفوك لأجلكم.”
السبب؟
“لأجلكم… ومن أجل الكثيرين.”
لا لأن يهوذا خانه، ولا لأن بطرس أنكره، ولا لأن بلاطس جبان،
بل لأنه يحبنا، وقرّر أن يُقدّم حياته لأجلنا، حبًا بنا.
والمقصود بـ “الكثيرين” في اللغة السامية، كما يشرح البابا بنديكتوس السادس عشر،
تعني: أكثر من “كل الناس” – أي “كل من يمكن أن يُخلّص”، وليس فقط فئة محددة.
١١. شرح كيف تصبح الإفخارستيا لقاء حب
ما الذي يعنيه أن “تأخذ وتأكل”؟
يعني أن تدخل في علاقة حبّ مع يسوع.
يعني أن تستقبل هذا الحب، أن تصدّق كم يحبك، أن تسمح لهذا الحب أن يملأك ويشكّلك.
يسوع يقول لك:
“أنا أحبك إلى درجة أنني بذلت نفسي لأجلك.”
ويقول لك الآب:
“أنا أحبك إلى درجة أنني ضحّيت بابني الوحيد من أجلك.”
فالذي قتله لم يكن الجنود، ولا الصليب،
بل كانت الخطايا:
• خطيئة حب المال عند يهوذا،
• خطيئة الجبن والخوف عند بطرس،
• خطيئة الدين المغلق عند رؤساء الكهنة،
• خطيئة الكرسي عند بيلاطس،
• خطيئة التبعية العمياء للشعب،
• خطيئة الطاعة العمياء عند الجنود.
كل هذه الخطايا اجتمعت لتقتل يسوع… لكنها وجدت فيه من يقبل أن يموت حبًا بنا.
وهنا سرّ الإفخارستيا:
أن تلتقي خطيئتي مع حبّه.
أن يُشبع جوعي من خبزه.
أن يشفي قلبي من عطائه.
حينئذٍ تصبح الإفخارستيا قمة الحب الإلهي لي،
وتصبح غذاءً حيًا.
أما إذا لم تُعاش بهذه العلاقة،
تصبح مجرد طقس، كما قال:
“مثل من يسكب ماءً في البحر.”
١٢. الديناميكية الكاملة للقداس
كثيرًا ما نعيش القداس وكأنه روتين أو واجب اجتماعي أو تقليد عائلي.
لكن الحقيقة؟ كل لحظة في القداس لها هدف روحي تربوي عميق.
• فعل التوبة هو لحظة أعي فيها أني خاطئ، أني مريض، أني جائع إلى نعمة الله.
• ثم القراءات، حيث أسمع كلمة الله التي تفتح لي قلبي على حبه.
• ثم تأتي لحظة الكلام الجوهري، وهي قلب القداس، حيث يُقال لي:
“خذوا كلوا… هذا هو جسدي المبذول لأجلكم.”
كثيرون يهتمون بالشكليات:
التراتيل، الموسيقى، اللباس، الزينة…
لكن في لحظة الكلمة الجوهرية، تجد البعض شارد الذهن، أو حتى لا يسمعها.
قالها أحدهم في جدّية:
“إذا لم أسمع هذه الكلمة في أذني، كل ما قبلها لا يهيئني، وكل ما بعدها لا يغيّرني.”
القداس ليس استعراضًا، ولا حفلة غنائية، ولا مناسبة اجتماعية.
بل هو لحظة حاسمة أسمع فيها صوت الله يقول لي:
“أنا أحبك. هذا هو جسدي المبذول من أجلك.”
وحين أسمع هذا الصوت بصدق،
لا أعود أكتفي بركوع خارجي، بل أركع قلبيًا، وأتّحد بهذا الحب.
١٣. تأمل في العلاقة بين الحب والإفخارستيا
بعد الإفخارستيا، كل شيء يتحوّل إلى حب:
• نصلّي من أجل الكنيسة،
• نذكر الموتى،
• نتذكّر المرضى،
• ونقول: “يا رب، غمرهم بحبك”، لا فقط: “اشفهم” أو “احمهم”.
الإفخارستيا تُعلّمنا أن كل ما نطلبه يجب أن يكون طلب حب، لا طلب منفعة.
وذروة ذلك هو وقت المناولة، حيث أدخل بطريقة سرّيّة، فعلية، وجسدية، في علاقة مع يسوع.
كما يقول الحبيب لحبيبته “أحبك” ويحتضنها،
هكذا الكنيسة تحتضن يسوع في المناولة.
والنتيجة؟
يجب أن أغادر القداس ممتلئًا فرحًا، مملوءًا حبًا، منفتحًا على الحياة.
وإذا لم تحدث هذه الديناميكية… نكون قد أضعنا الإفخارستيا.
وقبل المجمع الفاتيكاني الثاني، كان تلاميذ اللاهوت يناقشون أسئلة دقيقة مثل:
“إذا أكلت فأرة قربانة مكرّسة، هل تُعتبر قد تناولت؟”
الجواب اللاهوتي الجميل هو:
نعم، أكلت جسد المسيح الحقيقي،
ولكنها لم تتناول، لأنها لم تدخل في علاقة حب مع يسوع.
وهنا السؤال الأهم:
كم مرة حضرتَ أنتَ وأنا القداس، وتناولنا مثل الفئران؟
جسد بلا علاقة، حب بلا تجاوب، جسد بلا روح؟
جسد المسيح بعد التقديس هو حقيقي، نعم.
لكنّه لا يصبح غذاءً حيًّا إلا إن دخلتُ معه في علاقة استقبال حب.
قال يسوع:
“من يأكل جسدي ويحيا بي.”
أي أن من يأكله دون أن يحيا به… لم يتناول حقًا.
فالإفخارستيا، إن لم تُعش كحبّ، تُصبح مضيعة للوقت.
وتبقى دعوتها الأساسية:
أن أتحوّل أنا نفسي إلى “إفخارستيا”،
إلى ذبيحة حب للآخرين، على صورة المسيح.
١٤. الحوار والختام
بعد هذا الشرح العميق، فُتح المجال لأسئلة من الحضور، فبدأت المداخلات تُعزّز التأمل:
• سأل أحدهم:
“هل إذا شاركت في القداس وأنا بحالة نعمة، يمكنني أن أكون شعاعًا متنقّلاً؟”
أجاب الكاهن:
“نعم! تمامًا مثل مريم عندما ذهبت إلى أليصابات، هي من تحرّكت، لكن يسوع هو من بلغ قلب أليصابات.
هكذا نحن، حين نكون إفخارستيا حقيقية، نُصبح وسيلة حضور الرب في العالم.”
وعلّق على تطواف القربان قائلاً:
“الله لا يحتاج أن نكرّمه بالورد والشموع إن لم تكن قلوبنا في مسيرة حب حقيقية معه.
لا فائدة من عرض القربانة إن لم تكن دعوة للاتباع.”
ثم أضاف:
“السجود ليس وقتًا نضيّعه أمام قطعة خبز، بل هو وقت لقاء، تأمّل، وشُكر.
إن لم يُرافق السجود لكلمة الله وللأيقونة وللقربان، فلا معنى له.”
وختامًا، قال أحدهم:
“أنا وصديقة الأربان عندي حوار دائم… هل إذا أخذت القربانة، أُصبح شعاعًا متحرّكًا؟”
أجاب الكاهن بابتسامة:
“نعم. إذا كنت تعيشين الإفخارستيا، تُصبحين مثلاً حيًا، شهادة حبّ.
لكن إن لم تتحوّلي أنتِ إلى قربانة حية، فتصبحين صوتًا أجوف مثل نحاس يصدأ.”
وانتهى اللقاء بالدعاء أن لا نكون بعد اليوم متناولين كالفئران…
بل أبناء في علاقة حبّ، نعيش القداس ونحمل المسيح للعالم.
