إخوتي، إذا أردتُ أن أنطلق من هذا الإنجيل الذي سمعناه اليوم، نرى أنّ فيه تناقضًا في الظاهر: أناس رأوا يسوع يصنع آياتٍ ومعجزاتٍ وعجائب، فخافوا منه وقرّروا أن يقتلوه.
قد يقول المرء: كيف يمكن أن يخافوا من شخص يشفي المرضى ويصنع العجائب؟
أنظروا إلينا اليوم أيضًا في أربعاء أيّوب: نصلي على نية المرضى، وما أبشع ما يمكن أن يصيب الإنسان هو المرض والتعب، فيبحث عمّن يشفيه. فكيف يقول إنسان: نضع هذا جانبًا؟ لماذا؟
ما الذي جعل هؤلاء الناس يخافون من يسوع ويقولون: يجب أن نقتله لنتخلّص منه؟
النص يقول بوضوح: إذا تركناه، سيؤمن به الجميع.
حسنًا، أين المشكلة؟
المشكلة أنّهم قالوا: إذا آمن به الجميع، سيأتي الرومان ويقضون علينا.
لكن لماذا يأتي الرومان ويقضون عليهم إذا آمن الناس بيسوع؟ ما الخطر الذي يشكّله يسوع على الرومان؟
إذا تأمّلنا، نرى أنّ يسوع كان يشكّل خطرًا على الطرفين: على الرومان وعلى اليهود معًا. كلاهما خاف منه، وكلاهما قرّر أن يزيله من الطريق.
أوّل ما نتأمّل فيه اليوم هو هذا السؤال: لماذا؟
لأنّ السبب الذي جعل اليهود والرومان يلغون يسوع من حياتهم ويحاولون قتله كي لا يكون له دور في حياتهم، قد يكون هو نفسه السبب الذي يجعلنا نحن أيضًا اليوم نُبعد يسوع عن حياتنا.
قالوا: إذا بقي هكذا، سيؤمن به الناس.
لكن أيّ إيمان؟ سيكتشفون فيه الله، وسيجدون فيه شخصًا يدعوهم ليتّكلوا عليه ويتبعوه.
وهنا كانت المشكلة الكبيرة: الإنسان كان ينتظر إلهًا بطريقة مختلفة.
لم يكونوا يريدون إلهًا يصنع بعض العجائب فقط، بل كانوا يريدون إلهًا صاحب جيش، إلهًا بالقوّة، إلهًا بالسلطة، إلهًا يقهر، إلهًا لا يقترب منه أحد.
لا يريدون إلهًا ضعيفًا، يُحاكَم، يُقتل، يموت، يتألّم، يُهان.
قالوا: ما هذا الإله؟ نحن نريد إلهًا يرفع رأسنا، رمزًا لقوّتنا، يحقّق لنا الانتصار.
لهذا خاف الرومان من يسوع: لأنهم ظنّوا أنّه قد يكون أقوى منهم ويهدّد مصالحهم وإمبراطوريتهم.
ومن جهة أخرى، اليهود أيضًا لم يقبلوا به، لأنّه لا يشبه الصورة التي كانوا ينتظرونها عن الله.
ومنذ حوالي ألف وسبعمئة سنة، سنة 325، انعقد مجمع نيقية، حيث حُسم هذا الموضوع: يسوع هو إله كامل.
لأنّه في ذلك الزمن، بعد خروج المسيحيّة من الاضطهاد واحتكاكها بالفلسفة اليونانيّة، لم يستطع الناس أن يفهموا كيف يمكن لإنسان ضعيف أن يكون هو الله.
فخرج آريوس وقال: أقدّم حلًّا وسطًا، يسوع أعلى من البشر، لكن أقلّ من الله، أي بين الله والإنسان.
لكن أوّل مجمع في تاريخ الكنيسة قرّر العكس: يسوع هو إله كامل، مساوٍ للآب في الجوهر، والآب والابن جوهر واحد، والابن خارج من الآب.
وكانت هذه مشكلة كبيرة في ذلك الزمن، قد تبدو فلسفيّة، لكنّها ما زالت هي نفسها مشكلتنا اليوم.
أيّ إله ننتظر نحن؟
نريد إلهًا يوفّقنا، يجعلنا ننتصر، يبعد الأمراض، يزيد أموالنا، يضبط حياتنا، يحفظ أولادنا، لا يترك لنا نقصًا، يطيل أعمارنا.
وفي الحرب، نريد إلهًا ينصرنا، يحطّم أعداءنا.
لكن إذا تأمّلنا، نرى أنّ صورة الله التي نريدها لا تشبه يسوع.
ولهذا، كثيرًا ما نشكّ بالله ونشكّ بقدرته.
ونسأل أنفسنا: متى نلجأ إلى يسوع؟
نلجأ إليه عندما لا يبقى لدينا حلّ آخر.
أمّا إذا كان لدينا حلّ، فلا نلجأ إليه.
إذا مرض الإنسان وكان هناك دواء، لا يصلّي.
لكن إذا قال له الطبيب إنّ المرض لا علاج له، يبدأ بالصلاة، والنذور، والزيت، والبخور.
ماذا يعني ذلك؟
يعني أنّ الله، خارج إطار العجائب والقوّة، لا دور له في حياتنا.
والسؤال الكبير: كيف يكون يسوع هو الله؟
كيف يكون الله ويتآمر عليه الناس؟
كيف يكون الله ويُظلم ولا يدافع عن نفسه؟
كيف يكون الله ولا يجد من يدافع عنه؟
كيف يكون الله ويتألّم؟
كيف يكون الله ويُغلب؟
كيف يكون الله ويُخان؟
كيف يكون الله ويُصلب؟
كيف يكون الله ويموت؟
كأنّ إنجيل اليوم يقول إنّ اليهود كانوا يريدون أن يجرّبوا: لنقتله، فإذا مات، فهذا يعني أنّه ليس الله.
واليوم، في هذه الأيام الثلاثة، نريد أن نفكّر: كيف نقول إنّ يسوع هو الله؟
بماذا كان الله فيه؟ وكيف نعرف أنّ يسوع هو الله؟
فلنطرح السؤال الأساسي: ما هو جوهر الله؟ ما الذي يجعل الله هو الله؟
إذا قلتُ إنسان، ما الذي يجعله إنسانًا؟ له عقل، يفهم، له صفات.
فما الذي يجعل الله هو الله؟
نقول إنّ الله قويّ، خالق، لا يموت، يصنع العجائب.
لكن هذه كلّها صفات، وليست الجوهر.
لأنّ الله، عندما صار إنسانًا، تخلّى عن كلّ هذه الصفات.
كما أنّ الإنسان يمكن أن يفقد بعض صفاته ويبقى إنسانًا، كذلك الله له صفات ثانويّة، إذا زالت لا تزول ألوهيّته.
فمن كشف لنا جوهر الله؟
يسوع في إنجيل يوحنّا يقول: «الله لم يره أحد قط»، أي لا أحد يعرف الله كما هو.
ثم يقول: «الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبّر عنه».
نحن المسيحيون، يا إخوتي، لدينا كنز كبير ولا نعرف قيمته: يسوع كشف لنا من هو الله.
وفي النهاية، ماذا تبيّن؟
أحب أن عند إخوتنا المسلمين هناك أسماء الله الحسنة، يقولون إنّ لله تسعة وتسعين اسمًا، ويقولون إنّ هناك اسمًا لم يُكشف بعد، هو الاسم الجوهري.
فما هو هذا الاسم؟
لقد اقتربنا كثيرًا.
يسوع ماذا كشف لنا؟ كشف لنا أنّ الله محبّة.
لكن أيّ نوع من الحبّ؟
إنّه حبّ الآب: أبّا !
يسوع كان يخاطب الله ويقول: «أبّا»، أي يتكلّم معه بدالة الابن مع أبيه.
هناك آباء قساة أو أنانيين، لكن الله ليس كذلك.
الله هو الأب الذي يدلّل، الذي يحبّ مجانًا، الذي قلبه كلّه حبّ.
الله محبّة، ولكنّه حبّ مجاني، حبّ أب يعطي ذاته لابنه.
انظروا إلى الأب الأرضي: كيف يضحي بحياته من أجل ابنه! فكم بالأحرى الله الآب، محبّته أعظم بكثير.
وهذا ما لم يستطع الإنسان أن يتخيّله أو يصل إليه: أن يكون الله أبًا بهذا العمق من الحبّ.
فمن كشف لنا هذه الصورة؟ يسوع.
وعقيدتنا تقول إنّ يسوع إله مئة بالمئة وإنسان مئة بالمئة.
لكنّ الإنسان لم يستطع أن يفهم كيف يمكن أن يلتقي الله والإنسان.
كيف لا يموت ويموت؟
كيف لا يتألّم ويتألّم؟
كيف هو قويّ وخالق، ويظهر ضعيفًا؟
كيف يملك كلّ شيء ويجوع ويقول: «ليس لي شيء»؟
لكن يسوع كشف أنّ الله يستطيع أن يتخلّى عن كلّ الصفات، إلّا الصفة الجوهريّة: أن يكون حبًّا للنهاية.
ولهذا، عندما قرّروا أن يقتلوه، ماذا فعل؟
أحبّهم إلى المنتهى.
«ليس لأحد حبّ أعظم من هذا: أن يبذل نفسه عن أحبّائه».
حاولوا أن يلغوه، لكنّهم أعطوه الفرصة ليُظهر أنّه الله الذي لا يموت، لأنّ من يموت حبًّا لا يموت.
«إن حبّة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت تبقَ وحدها، وإن ماتت تأتي بثمر كثير».
واليوم، ماذا يعني هذا لحياتنا؟
في العمق، نحن جميعًا نبحث أن نكون آلهة: نريد القوّة، المال، النجاح، الجمال.
في داخلنا رغبة أن نكون مثل الله.
لكن عندما نحاول أن نصير آلهة بقوّتنا، ندوس الآخرين ونقصيهم.
أو نحاول أن نصير آلهة بجمالنا، فيصبح الشكل هوس ووسواس.
أو بمالنا، فنلهث وراء الممتلكات.
لكننا نضيّع وقتنا.
لأنّ معنى حياتنا وسعادتنا لا يكون في هذه الأمور.
أين يجد الإنسان نفسه؟ اين يشبه الله؟
عندما يجد الحبّ في حياته.
المسيحيّة كلّها تقوم على هذا: أن نعيش الحبّ، ولأجل الحبّ، أن نلتقي بالحبّ، وأن نكون نحن حبًّا في هذا العالم.
«أنتم نور العالم».
لأنّ الحياة بلا حبّ لا قيمة لها.
زواج بلا حبّ ماذا يساوي؟
والحبّ ليس مجرّد غرام، بل يظهر في الصعوبات والخلافات.
ما قيمة رجل يحبّ زوجته، لكن عند أوّل خطأ يجرحها؟
ما قيمة صديق يدّعي الصداقة، لكن عند أوّل خطأ يطرد صديقه؟
الحياة بلا حبّ مظلمة، بلا نور، بلا الله.
وعندما نفهم أنّ جوهر الله هو الحبّ، نفهم أنّ الإنسان، على صورة الله، يجد نفسه عندما يعيش الحبّ.
وأختم بالإنجيل الذي سمعناه:
جاؤوا إلى يسوع وقالوا: «أين تريد أن نعدّ لك الفصح؟»
واليوم نسأله نحن: أين تريد أن نعدّ لك الفصح في حياتنا؟
نقول: في قلوبنا.
لكن أين في قلوبنا؟
قال لهم: «في علّيّة هناك أعدّوا».
هذه العلّيّة هي الزاوية في قلبنا التي تخاف أن تحبّ.
المكان الذي نخاف فيه أن نسامح لكي لا يُؤخذ حقّنا.
المكان الذي نخاف فيه أن نعطي الآخرين دورًا لكي لا يأخذوا مكاننا.
هناك، في هذا الجرح، في هذا الخوف، الله يريد أن يأتي.
هناك يريد أن يلتقي بنا، أن يشفي قلبنا.
وغدًا وبعد غد، سنتأمّل كيف يستطيع الله أن يشفي قلوبنا، لتصير مثل قلبه، وأن نصير مثله أبناء الله.
فلنأخذ لحظة صمت، ونتأمّل، ثم نتابع صلاتنا.
