أبائي وإخوتي في الكهنوت الأحبّة، إخوتي وأخواتي،
اليوم أنا وإيّاكم في قلب هذه الظروف التي نعيشها، مدعوّون أن نتأمّل بهذه الكلمة وأن نتغذّى منها.
والموضوع الذي اختاره الآباء لنكون نتأمّل فيه اليوم يربط بين الجراح والسلام، يربط بين الجرح، أي الألم، الجرح أي الوجع، أي النقص، أي المعاناة، وبين السلام الذي يعني الطمأنينة، الذي يعني التوازن، الذي يعني شيئًا إيجابيًا، شيئًا جميلًا.
ونسأل أنفسنا: كيف؟
ربّما نحن تعوّدنا، مرّات كثيرة، أن نربط بينهما بطريقة عفويّة، أو ربما جاء هذا الربط من تقليد معيّن أو من مفهوم معيّن لإيماننا المسيحي.
سأعطيكم بعض الأمثلة:
عندما نتألّم، مباشرة يخطر في بالنا أن نقول: «مع آلامك يا يسوع». ونفكّر أنّنا إذا قلنا هذه الجملة، «مع آلامك يا يسوع»، نكون نشرك آلامنا بآلام يسوع، فيصير الحلّ سهلًا، ويصير التحمّل أسهل، وكأنّ هذه الكلمة مثل حقنة مورفين أو كأنّها حبّة دواء، أليس كذلك؟
أو مرّات كثيرة نفكّر أنّه لكي نخلص ونتطهّر يجب أن نتألّم. مرّات كثيرة نفكّر أنّ القدّيسين تألّموا، ولذلك تطهّروا بآلامهم. لدرجة أنّه مرّات كثيرة نرى شخصًا يتألّم على الأرض، فنقول: «قضى مطهره على الأرض»، وكأنّه دفع الفاتورة هنا، وكأنّ هناك فاتورة يجب أن تُدفع بالألم وبالوجع لكي نربح السماء.
بل إنّ هناك جماعات وروحانيّات معيّنة ربطت الخلاص بالألم: على قدر ما نتألّم نخلص، لكي تخلص النفوس المطهريّة يجب أن نتألّم ونتوجّع، ويجب أن نزيد الوجع والألم، ونزيد الوجع والألم لكي يحصل الخلاص.
وفي النهاية، إخوتي، إذا فكّرنا بالموضوع بعمق، يظهر لنا إله مخيف، ودين لا يُطاق. لدرجة أنّ شبابنا يتوقّفون عن المجيء إلى الكنيسة، ويقولون: «أنا شاب، أريد أن أعيش، هل أبدأ الآن بالصوم والصلاة والتألّم؟ دعوني أعيش الآن».
إخوتي، الحقيقة أنّ هذا الربط الذي نقيمه بين الألم والخلاص، بين الألم والسلام، بين الألم والفرح المسيحي والقداسة، هو ربط غير صحيح وغير واقعي.
لأنّ الألم، والجرح، لا يقودان إلى الفرح ولا إلى السلام ولا إلى الطمأنينة، بل بالعكس، الكنيسة تعلّمنا أنّ الألم هو شرّ، ويجب أن نحاربه.
إذا كان عندي مريض يتألّم، أنا ملزم أن أُخفّف ألمه. عندما كانت أمّي مريضة بالألزهايمر ولا تتكلّم، وعندما شعرت أنّها تتألّم، قلت: يجب أن نعطيها شيئًا يخفّف الألم، لأنّ الإنسان لا يمكن أن يتلذّذ بالألم، لا بألمه ولا بألم الآخرين، وإلا صار ذلك مرضًا نفسيًا.
أقول لكم أمرًا مهمًّا: الجرح، والوجع، والألم، يولّدون عنفًا، يولّدون توتّرًا، يولّدون مشاكل.
الذي عاش الألم في طفولته، ماذا نقول عنه؟ نقول إنّه مجروح نفسيًا، أليس كذلك؟ والجرح لا يعطي شيئًا إيجابيًا.
الذي عاش في عائلة فقيرة وهو صغير، وانجرح من الفقر، والذي رأى أصدقاءه يذهبون إلى الرحلات وهو لا يستطيع لأنّه لا يملك المال، والذي كان أصدقاؤه يخرجون وهو لا يخرج لأنّه لا يملك المال، هذا إنسان مجروح، وهذا الألم لا يمكن أن يكون شيئًا جيدًا.
قد يبقى معه طوال حياته، فيخاف من القلّة، يخاف من الفقر، يخاف أن يعود ويتذوّق هذا الألم.
الذي جاع في صغره يبقى طوال حياته خائفًا أن يجوع.
والذي كانوا يسخرون منه في المدرسة يبقى طوال حياته خائفًا على صورته.
وإذا أردنا أن نعدّد الجراح، فماذا نقول عن الذين يمرضون وهم صغار، أو الذين يدخلون المستشفيات، أو الذين يعانون؟
الألم دائمًا يولّد موتًا. والموت ماذا يولّد؟ يولّد الغضب، يولّد الانتفاضة، ويولّد السعي إلى الهروب من الصليب، إلى ألّا أعود وأتذوّقه.
الذي عاش الفقر، يكبر وهو يقضي حياته كلّها يريد أن يغتني، أليس كذلك؟
والذي عاش مكسورًا، يريد أن يصبح صاحب سلطة.
والذي كانت صورته مشوّهة وكان يُسخَر منه، يريد أن يبحث عن الشهرة.
اسمعوني جيّدًا: مرّات كثيرة، لكي نجد حلًّا لجراحنا ولألمنا، نصبح مستعدّين أن نستعمل كلّ شيء، حتى العنف.
الذي يخاف من الفقر قد يفكّر أن يغتني حتى لو سرق، ومرّات يسرق من الفقير.
والذي جُرح وهو صغير، يقوم بحروب استباقيّة: لماذا نرى أناسًا دائمًا غاضبين، دائمًا خائفين، دائمًا هجوميّين؟ لأنّه يهاجم قبل أن يُهاجَم، ويؤذي قبل أن يُؤذى.
والذي يبحث عن صورته يدوس على الآخرين. ولهذا، مرّات كثيرة، نحبّ أن نتكلّم على بعضنا البعض لكي نظهر نحن، فنكسر الآخرين لنظهر نحن.
المظلوم يَظلِم.
وأقول لكم أمرًا: ما نعيشه اليوم في المنطقة كلّها، هذا الجنون الذي نسمعه ونراه، هو نتيجة الجراح.
الإنسان يريد أن يغتني، يريد أن يسيطر، يريد أن يسرق، يريد أن يزيد ممتلكاته، يريد أن يهرب من الفقر، من الاضطهاد، من الانكسار، من جرحه.
وهذا لا نعيشه فقط على مستوى الدول والأسلحة، بل نعيشه أيضًا في بيوتنا.
كم نظلم بعضنا! أليس كذلك؟
كم نسرق بعضنا!
كم يحاول الأخ أن يسرق أخاه!
وعندما يرون شخصًا ضعيف الشخصيّة في البيت، يصير الجميع يريد أن يتسلّط عليه، أليس كذلك؟
كلّهم يريدون أن يستغلّوه.
يجدون امرأة غير متزوّجة وتعمل، ولكن ظروفها صعبة، فيصير الجميع يريد أن يستغلّها ويستغلّ مالها، ويقولون لها: ماذا عندك؟ وماذا تملكين؟ بل ماذا لديك أصلًا؟ ماذا لديك وماذا تملكين؟
اليوم، أين هي العدالة؟
انظروا وتأمّلوا: الجراح لا تولّد السلام.
أنا أعطي بعض الأمثلة لأربط الكلمة بحياتنا، حتى لا نظنّ أنّنا نتكلّم عن الآخرين فقط.
هذه الكلمة اليوم تتوجّه إليّ وإليكم.
وكيف يمكن أن يقود الألم إلى السلام؟
بحدّ ذاته، الألم لا يقود إلى السلام، بل يقود إلى التمرّد.
كم من أناس تألّموا فكفروا، أليس كذلك؟
وكم من أناس أمام الألم شكّوا وابتعدوا عن الله وقالوا: أين أنت يا الله؟ لماذا تركتنا؟
ألم يكن الذين تحت صليب يسوع يقولون له: إن كنت ابن الله، فانزل عن الصليب؟
لأنّ الألم يشكّك، لأنّ الألم لا يعطي سلامًا إلا إذا كان مع يسوع.
في قراءة أشعيا يقول: «بجراحه شُفينا»، ليس بالجراح، ليس بالألم، بل بجراحه هو.
فلو كان الألم بحدّ ذاته يقود إلى السلام، لما كان هناك حاجة لتجسّد يسوع.
لكن، لكي نجد السلام في قلب جراحنا وآلامنا، نحن بحاجة إلى يسوع.
ولهذا اخترت هذا الإنجيل اليوم لنتأمّل فيه أنا وإيّاكم، لأنّ يسوع قام بشيء غريب لا يشبهنا.
يقول الإنجيل إنّ يسوع صار مشهورًا لدرجة أنّه صار كأنّ الإنسان يحتاج إلى واسطة ليصل إليه.
تخيّلوا مثلًا: لو جاء البابا إلى لبنان، وأراد أحدهم أن يلتقي به، يذهب إلى المطران، والمطران يذهب إلى السفير البابوي، ثمّ يصل الطلب إلى البابا. هكذا تصبح الأمور.
هكذا أيضًا، جاء بعض الناس من اليونانيّين، وهم في الإيمان يهود ولكن أصلهم يوناني، وجاؤوا إلى فيلبّس وقالوا له: «نريد أن نرى يسوع».
فذهب فيلبّس إلى أندراوس، وذهب الاثنان إلى يسوع وقالا له: «هناك أناس يريدون أن يروك».
صار الرسل كأنّهم ينظّمون المواعيد ليسوع.
لو كان يسوع يسعى إلى الشهرة أو إلى السلطة، لكان قال: «جاء الوقت، فلنبدأ بتنظيم اللقاءات: هذا له عشر دقائق، وهذا له خمس دقائق، وهذا يلتقط صورة…».
لكن يسوع تجاهل هذا كلّه، وقال:
«لقد أتت الساعة ليتمجّد ابن الإنسان».
المجد الحقيقي ليس أن يركض الناس وراءك،
وليس أن تملك المال، لأنّ المال لا يؤمّن الآخرة،
وليس محبّة الناس، لأنّها لا تدوم: يحبّونك عندما تكون قويًّا، وعندما تضعف يتركونك؛ يحبّونك عندما تكون غنيًّا، وعندما تفتقر يبتعدون؛ يحبّونك عندما تكون صاحب سلطة، وعندما تزول السلطة لا يبقى أحد.
ثمّ قال هذه الجملة:
«إن حبّة الحنطة، إن لم تقع في الأرض وتمت، تبقَ وحدها؛ أمّا إذا ماتت، فتأتي بثمر كثير».
إذا بقيت وحدها، تفسد وتموت.
أمّا إذا قبلت أن تموت في الأرض، فإنّها تنمو وتكبر وتصبح ثمرًا كثيرًا.
ولكن حبّة الحنطة، لكي تموت، ماذا عليها أن تقرّر؟
أن تعطي حياتها.
«ما من حبّ أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه في سبيل من يحب».
إخوتي، من جراحنا نصبح نريد أن نأخذ، نريد أن نكدّس المال، نريد أن نزيد قيمتنا، نريد أن نكثّر ونأخذ أكثر، أليس كذلك؟
فجاء يسوع وقال لنا:
الحياة الحقيقية، والسلام الحقيقي، هو أن تصبح قادرًا أن تعطي.
وكان يسوع يدلّنا على جراحه، وعلى موته، وعلى آلامه.
يسوع لم يمت ليصير مشهورًا،
بل مات ليعطي حياته، ليقدّم نفسه قربانًا للآخرين، حتى لأعدائه.
وحتى عندما قام من بين الأموات، لم يقم لينتصر على أعدائه، بل قام ليخلّصهم، ليحبّهم، ليُظهر لهم محبّة الله، ويعطيهم فرصة للتوبة.
إذًا، متى تقود جراحنا إلى السلام؟
إلى سلام قلبنا، وإلى السلام مع الآخرين؟
عندما تكون هذه الجراح والآلام في سبيل الحب،
في سبيل العطاء،
عندما نأخذ مع يسوع قرارًا أن نجعل حياتنا قربانًا للآخرين، وأن نعطيهم حياتنا.
لأنّه خارج الحب، الجراح لا تقود إلى السلام، بل إلى الحروب والقتل.
أمّا في قلب الحب، فتصبح فرصة للتخلّي عن الأنانيّة، وللتضحية بالذات من أجل الآخر.
ماذا يعني هذا، إخوتي؟
يعني أنّنا بحاجة إلى يسوع لكي نقوم بهذه النقلة.
بدون يسوع، لا نستطيع. هل تسمعونني؟
هذا ليس فرضًا،
وليس شريعة،
وليس أمرًا مفروضًا علينا،
بل هو فرصة أن نلجأ إلى الله ونقول له: «خلّصني».
عندما أمرض، ماذا يعني أن أقول: «مع آلامك يا يسوع»؟
يعني: خلّصني، وعلّمني أن أرى ألمي كفرصة حب.
هذه هي النقطة الأساسية:
ليس لأنّنا نتألّم ندخل السماء،
بل إذا علّمنا الألم الحب، يدخلنا إلى السماء.
أمّا إذا جعلنا الألم أكثر عنفًا، يبعدنا عن السماء.
الفقر الذي عشناه في صغرنا،
إذا لم نعشه مع يسوع، يجعلنا عبيدًا للمال.
لكن إذا عشنا مع يسوع، نكتشف أنّ الله أبٌ يعتني بنا، وأنّ الطمأنينة ليست في المال، بل في المحبّة.
ونحوّل فقرنا إلى فرصة لنحنو على الفقير، لا لكي نغتني نحن.
لأنّ الذي يعيش ليجمع المال، يعيش في قلق دائم:
أين يضع ماله؟ في المصارف؟ لم تعد آمنة.
يشتري ذهبًا؟ قد ينخفض.
يشتري عقارات؟ أيضًا غير مضمونة.
فأين الأمان؟
الأمان أن تصل إلى اليوم الذي تحنّ فيه على الفقير، وتفهم أنّه مثلك.
عندها، تصبح جراحنا طريقًا لسلام قلوبنا، ولسلامنا مع بعضنا البعض.
لأنّ الذي يجد الحب في قلب الجراح، يجد السلام.
الذي يُحبّ، حتى ولو كان مجروحًا، يجد سلام قلبه، ويجد السلام الحقيقي مع الآخرين.
وعندما لا أعود أريد أن أغتني على حساب الآخرين، بل أستطيع أن أتضامن معهم، وأغفر لهم، كما فعل يسوع.
يسوع على الصليب حقّق سلامنا،
عندما قال: «يا أبتِ، في يديك أستودع روحي»،
وقال أيضًا: «اغفر لهم لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون».
السلام مع الآب، والسلام مع البشر.
هذا هو السلام الذي عاشه يسوع على الصليب،
وهو فرصتنا لنجد سلام قلوبنا في وسط جراحنا.
إخوتي، الخطر الكبير اليوم ليس فقط أن يهجموا علينا أو أن يسقط صاروخ. هذه أخطار خارجيّة.
الخطر الحقيقي هو أن يدخل الخوف، وقلة السلام، والحقد، والعنف إلى قلوبنا.
الخطر أن تدخل هذه الروح التي تعمل في العالم وتخلق دمارًا وقتلًا وعنفًا وسيطرة.
هل تعتقدون أنّ الحروب تحصل من دون مصالح ماديّة؟
لا أحد يصرف المال من أجل الفقير،
ولا أحد يموّل الحروب من أجل حقوق الإنسان.
إن لم يكن هناك ربح أكبر، لا أحد يدفع شيئًا.
والخطر الكبير اليوم هو أن تدخل هذه الروح إلى قلوبنا.
لهذا نحن بحاجة أن نتمسّك بيسوع المصلوب،
ونقول له: «حصّن قلبي معك، لكي لا تدخل هذه الروح إلى حياتي».
لأنّ الخطر الكبير ليس أن تُدمَّر بيوتنا،
بل أن تُدمَّر عائلاتنا،
وتُدمَّر صداقاتنا،
وتُدمَّر أخوّتنا،
وتجفّ المحبّة من قلوبنا.
هذا هو الخطر الحقيقي.
السلام يبدأ من الداخل،
ثمّ ينتشر في الأرض،
ويبدأ من البقيّة الباقية.
فلنطلب اليوم من الرب يسوع هذه النعمة،
أن نكون من هذه البقيّة التي تجعل السلام يعمّ الأرض.
ونذكر بعضنا بعضًا في الصلاة.
