عظة الأب رمزي جريج – ٢٥ آذار ٢٠٢٦

إخوتي،

كلمةُ الربّ اليوم، في هذا العيد، عيد البشارة، تأتي لتُخاطب حياتنا وواقعنا الذي نعيشه اليوم.

أريد أن أبدأ تأمّلي معكم من القراءة الثانية، من الرسالة إلى العبرانيين. يقول مار بولس إنّ يسوع الابن، عندما قرّر الآب أن يرسله ليتجسّد ويدخل إلى العالم ويصير جسدًا في قلب التاريخ، قال للآب:

«يا أبي، لم تعد تريد ذبائح ولا محرقات، بل قلتُ: ها أنا آتٍ لأتمّم مشيئتك».

وهنا نسأل: لماذا لم يعد الله يريد الذبائح والمحرقات؟ لماذا لم يعد يريد التقدمات؟

إذا رجعنا إلى العهد القديم، نرى أنّ الوثنيين كانوا يقدّمون الذبائح ليرضوا الله، يقدّمون له الهدايا. ولكن، ماذا يستفيد الله إن ذبحنا بقرة أو عجلًا؟ ماذا يستفيد إن صلّينا مسبحة، أو حضرنا القدّاس، أو أوقدنا شمعة، أو قدّمنا بخورًا؟

كلّ هذه تدخل في عقلية أنّنا نقدّم شيئًا لله، بينما الله لا يحتاج إلى شيء.

فلماذا طلبها الله في العهد القديم؟

طلبها كرمز. قال للإنسان: «أنا أريد قلبك، أريدك أنت».

وقال للشعب: «أريدك أن تكون أنت الذبيحة لي، أن تقدّم نفسك لي».

ولكن، لأنّ الإنسان كثيرًا ما لا يستطيع أن يقدّم نفسه، طلب منه أن يقدّم ذبيحة تكون علامة على تقديم قلبه لله، وفرصة ليتذكّر أنّ عليه أن يقدّم قلبه لله.

وقد سمعنا في العهد القديم، على لسان الأنبياء، كم مرّة قالوا:

«يا بنيّ، أعطني قلبك»، و«إني أريد رحمة لا ذبيحة».

ماذا يعني أن يكون قلبي ذبيحة لله؟

يعني أن أسير في طريقه، أن أحقّق مشيئته، أن أتبع وصاياه، أن أكون ابنه، أن أصير مثله.

الله دعاني لأصير مثله.

لكن ماذا حدث مع الوقت؟

تعلّق الناس بالذبائح، ورجعوا إلى العقلية الوثنية، ونسوا قلوبهم، نسوا أنّ عليهم أن يقدّموا قلوبهم لله.

لماذا ينسى الإنسان أن يقدّم قلبه لله؟

هذه نقطة مهمّة جدًا.

يسوع جاء ليحقّق مشروع الله، ليعيد للإنسان فرصة أن يعيش مشيئة الله ويعيد قلبه إليه.

لكن لماذا ينسى الإنسان هذا المشروع؟

لأنّ تقديم القلب لله يُخيف.

فالإنسان، لكي يقدّم قلبه لله، عليه أن يتخلّى عن ذاته، عن أنانيّته.

لكي أعمل مشيئة الله، عليّ أن أترك مشيئتي.

ولكي أسير في مشروع الله، عليّ أن أترك مشروعي.

وكثيرًا ما يبدو مشروع الله مليئًا بالمخاطر.

إذا نظرنا إلى الإنجيل، عندما جاء الملاك وبشّر العذراء، بدل أن تفرح فقط، خافت.

لماذا خافت؟

نحن لا نحلّل كثيرًا، ونقول إنّها اضطربت فقط لأنّها لم تفهم كيف ستحبل بدون رجل.

لكن هناك أمر أعمق:

مشروع الله كان يربك مشروعها، كان يربك مشروع زواجها.

وكان يدخلها في مغامرة خطِرة: إذا لم يصدّقها أحد، وإذا لم يأخذها يوسف، فقد تُرجَم.

إنّه مشروع فيه مخاطر، مشروع يُخيف.

وفي القراءة الأولى، نرى أيضًا مثالًا.

بعد سليمان، انقسمت مملكة إسرائيل إلى الشمال والجنوب.

وقام ملك الشمال بالتآمر، وتهيّأت الحروب.

فقال الله للملك آحاز: «لا تخف، أنا معك. اطلب علامة».

لكن آحاز خاف، وقال: «أخاف أن أطلب علامة».

فقال له الله: «أنا أعطيك علامة: إنّ العذراء تحبل وتلد ابنًا، ويُدعى اسمه عمّانوئيل»، أي «الله معنا».

والرسالة واضحة:

إذا كنتُ أنا معك، فلا تخف.

لا تنظر إلى ضعفك، ولا إلى الصعوبات، لأنك وحدك ضعيف، لكن معي أنت قوي.

وهذا ما قيل أيضًا لمريم:

«الروح القدس يحلّ عليك، وقدرة العليّ تظلّلك».

أي: أنا معك، فلا تخافي.

مريم، صورة يسوع الذي جاء ليتمّم مشيئة الله، صارت هي نفسها ذبيحة، لأنّها فهمت أنّ الله معها، فقبلت المشروع وقالت:

«ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك».

لم تقل: «هذا المشروع صعب، سأقدّم لك بعض الصلوات أو الذبائح وأحتفظ بقلبي لنفسي».

بل قدّمت نفسها بالكامل.

كانت أول مؤمنة في العهد الجديد.

واليوم، من يجب أن يكون آخر مؤمن؟

كلّ واحد منّا يجب أن يقول: أنا.

إذا لم أكن أنا، يصبح عيدنا سطحيًا وفارغًا.

علينا أن نقول:

«يا رب، أريد أن أسير في مشيئتك، أريد أن أعيش مشروعك».

لأنّ الخطر الحقيقي اليوم ليس الحروب ولا القصف،

بل أن نفقد مشروع الله في حياتنا:

مشروع المحبّة، والمسامحة.

عدوّنا الحقيقي ليس في الخارج، لا في الشرق ولا في الغرب،

بل في الداخل:

الشرير، الحقد، الأنانيّة، الكبرياء.

هذا ما يدمّر البيوت والقلوب والحياة من الداخل.

ومن هنا، يدعونا الله أن ندخل المعركة معه، بلا خوف، لأنّه معنا.

اليوم، نطلب شفاعة العذراء، أول مؤمنة،

لترافقنا فنكون نحن مؤمني هذا الزمان،

ونقول للرب:

«ها أنا آتٍ لأعمل بمشيئتك يا رب».

لنأخذ لحظة صمت، ونتأمّل بهذه الكلمة، ونطلب هذه النعمة لبعضنا البعض.