عظة الأب رمزي جريج – ٢٠ كانون الأول ٢٠٢٥

صاحب السيادة المطران سيزار إسّايان،

إخوتي في الكهنوت،

أخوتي وأخواتي جميعًا،

عائلتي الصغيرة والكبيرة،

أنا متأثّر جدًا اليوم بكلمة الرب يسوع التي جاءت في هذا الأحد لتعزّي قلوبنا كلّنا. واليوم، من خلال كلمتي، أودّ أن أتطرّق إلى موضوع يُتداول كثيرًا في الفترة الأخيرة، وقد تستغربون لماذا نتحدّث عنه الآن.

تعرفون أنّ الفاتيكان أصدر منذ فترة غير بعيدة وثيقة حول ألقاب مريم، وقال فيها إنّ لقب «شريكة الفداء» ليس دقيقًا كثيرًا، ويحمل التباسًا كبيرًا. لماذا؟ لأنّه مرّت فترة في الكنيسة كان فيها أشخاص وكهنة يروّجون لفكرة أنّ العذراء شريكة يسوع في الفداء، وكأنّ الخلاص قد تمّ بالشراكة بينهما.

والوثيقة تقول بوضوح: إنّ خلاص يسوع المسيح كامل. يسوع لا يحتاج إلى أحد يشاركه في الفداء، لا في آلامه، ولا في محبته، ولا في خلاصه. خلاصه كامل، وخلاص يسوع لنا كامل. من جهة الخلاص المعطى، يسوع وحده كافٍ، وهو الفادي الوحيد.

ولكن لقب «شريكة الفداء»، إذا فُهِم فهمًا صحيحًا، فله مكانة كبيرة في حياتنا، وإن كنّا عمليًا لن نستعمله. وسأغيّر الآن ترتيب الفكرة لأشرح لماذا، ولكن من المهم أن نعرف:

كما قال القديس أغسطينوس: «الله الذي خلقني من دوني، لا يقدر أن يخلّصني من دوني». والقديس بولس يقول: «أنا أكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح». وهنا نسأل: ما الذي ينقص من آلام المسيح؟

آلام المسيح، كحبّ فادٍ يريد أن يخلّصنا، هي حبّ كامل، لا ينقصه شيء. لكن عندما قال القديس بولس: «أكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح»، أكملها «لأجل الكنيسة». وكان يعدد الصعوبات، والآلام، والمخاطر، والأوجاع، والمضايقات، والاضطهادات التي تحمّلها ليصل إنجيل يسوع المسيح إلى الأمم كلّها. قال: «أكمّل في جسدي ما نقص من آلام المسيح لأجلكم، لأجل الكنيسة».

واليوم، في الإنجيل، نرى أنّه لولا العذراء لما تجسّد يسوع في أحشاء امرأة، ولولا يوسف لما اكتمل المشروع؛ إذ كانوا قد رجموها هي وابنها، وكان المشروع سينقطع.

انظروا كم هو مهمّ مشروع الحب. هو مشروع الله، هو قرار الله، هو خلاص الله، لكن تنفيذه في التاريخ يحتاج إلى مشاركتنا.

انظروا: كي يخلّصني الله، يحتاج إلى أمرين: أن أستقبل خلاصه، وأن أشارك فيه. لا أشاركه كمعطي الخلاص، بل كمستقبل للخلاص.

حتى العذراء شاركت في الخلاص لأنّها استقبلت الخلاص. هي المُخلَّصة، أوّل من خُلِّص. وهكذا نحن جميعًا نشارك في الفداء عندما نستقبل فداء يسوع المسيح في حياتنا، ونعيشه كما عاشته هي، واقفة تحت الصليب، فنعيشه في كلّ حياتنا، ونسمح له أن يغيّر حياتنا، وننقله إلى الآخرين.

ما أجمل ذلك، المشاركة في الفداء: أن نستقبل الفداء، نعيشه، وننقله إلى الآخرين. وهذا يتطلّب أحيانًا معاناة، وأحيانًا وجعًا، وأحيانًا ألمًا. لكن عندما نعيشه مع هذا الحب المعطى لنا على الصليب، يصبح حبّ يسوع ممكنًا، بل يصبح جميلًا هذا الفداء.

لأنّ الحياة نفسها، وحتى الآلام، عندما تُعاش في شركة مع آلام يسوع، تصبح آلامًا خلاصيّة، آلامًا تقودنا إلى الحياة الأبديّة.

أقول هذا الكلام لأنّكم تسمحون لي اليوم أن أتكلّم كلمتين عن “الماما” التي نودّعها اليوم. فالماما، بالنسبة إليّ، هي صورة حيّة لـ«شريكة الفداء» بالمعنى الذي شرحناه قبل قليل.

وأريد أن أقول لكم لماذا أتحدّث عن هذا الموضوع. أنتم أكثر من يعرف أنّ الماما أنطوانيت فقدت ذاكرتها، ومرضت. هناك من قال ألزهايمر، وهناك من قال نشافًا.

لكن أنا شاهد على أمرين، هما آخر أمرين نسيتهما.

عندما لم تعد تعرف أن تتكلّم، بقي في داخلها تراتيل:

«يا أمّنا، يا أمّنا، يا مريم العذراء».

عندما انطفأ كلّ شيء، بقيت الصلاة. الصلاة التي هي نفسها علّمتنا إيّاها.

وأخبركم سرًّا: عندما كنت صغيرًا، أوّل جملة ركّبتها، قبل أن أعرف أن أتكلّم جيّدًا، كانت من وراء الماما:

«يا مريم البريئة من الخطيئة الأصليّة، آمين».

لأنّ الماما كانت تلميذة راهبات اللعازريات.

لأننا كنّا كلّ يوم، قبل النوم، نصلّي معًا: الأبانا، والسلام.

هكذا علّمتنا الماما أن نصلّي.

وفي البيت، في شهر أيّار المكرّس للعذراء، كنّا نعدّ مذبحًا. أتذكّر ذلك منذ كنّا صغارًا، ونصلّي باستمرار. كانت علاقتها بالربّ تمرّ دائمًا عبر العذراء، مع العذراء.

وهناك أمر ثانٍ لم ينتبه إليه أحد غيري:

عندما نسيت كلّ شيء، حتى حين كنّا نطعمها ونحتال عليها لتفتح فمها، كنت كلّما أقدّس لها في البيت، وأقرّبها للمناولة، وأقول لها: «جسد المسيح»، كانت تفتح فمها وتمدّ لسانها، كما تعلّمت أن تتناول منذ صغرها في الحصرون.

هذان أمران لم تنسَهما أبدًا.

وحتى عندما كانت تسمع «يا أمّنا، يا أمّنا»، كانت تبدأ تخلط الكلمات، لكن اللحن كان يبقى. كانت تدندن وتغنّي، لأنّنا كنّا نبدأ بترتيل هذه الترتيلة.

أنا اليوم متيقّن أنّه خلال تلك السنوات التي كنّا لا نعرف فيها ماذا كانت تفكّر، ولا ماذا كانت تسمع، ولا ماذا كانت تفعل، كان هناك أمر واحد حاضرًا في حياتها: علاقتها بيسوع.

والماما هي التي نقلت إلينا هذا الحب، نقلت إلينا حبّ يسوع كلّنا، ونقلت إلينا الإيمان.

وأريد أن أخبركم بشيء: تأثّرت اليوم كثيرًا، لأنّي لم أكن أعرف إنجيل هذا اليوم، فكان الانجيل الذي يقول:

«لا تخف يا يوسف أن تأخذ امرأتك إلى بيتك».

لأن الإنسان كي يعيش الصلاة وينقل الصلاة، بحاجة أن يثق، وأن يسير بحسب مشيئة الله.

وهذه آخر خبرية أريد أن أشارككم بها، لأنّها مهمّة.

كنيستنا اليوم بحاجة لأن نتخطّى انقساماتنا: روم وموارنة.

في أيّام الماما، وقبلها، كانت الماما مارونيّة، والبابا روم أرثوذكس. والماما تعرّفت على البابا في زمنٍ كان فيه الماروني إذا تزوّج أرثوذكسيًّا يُحرَم، ويُعلَن عليه الحرم في الكنيسة.

والماما، في أيّامها، كانت من أوائل من لم يُحْرَموا في حصرون لأنّها تزوّجت رومًا.

ذهبت إلى المونسنيور لتحصل على الورقة، فرفض في البداية أن يعطيها إيّاها، وقال لها: «أنتِ تأخذين رومًا ، إذهبي!».

والماما كانت رئيسة الأخويّة، متديّنة جدًّا، وتتلمذت لدى راهبات اللعازريات، ودخلت في أزمة:

هل من الصحيح أن أتزوّج رومًا أم لا؟

وتخبرني أنّها في أحد الأيّام كانت جالسة أمام بيتهم في حصرون، مقابل الكنيسة، تفكّر في هذا الموضوع. فجأة، رأت راهبًا يلبس الإسكيم الأسود، فوضع الإسكيم على رأسه ودخل الكنيسة.

لحقته، فوجدته جالسًا على كرسيّ الاعتراف. دخلت واعترفت عنده، وقالت له:

«أبونا، جاءني عريس».

قال لها: «نعم يا ابنتي».

قالت له: «لكنّه روم».

فطرح عليها هذا الراهب ثلاثة أسئلة، اسمعوها جيّدًا لأنّها مهمّة جدًّا. وسألها “هل هو آدمي؟”، وأنا أتكلّم الآن عن أبي الذي أحبّه كثيرًا، أجابت: -كثيرًا

-هل يحبّك؟ -كثيرًا 

-هل يحترمك؟ -كثيرًا 

ثم قال لها: «لا تخافي، ستكونون عائلة صالحة، وسيخرج منكم ثمار».

وذكرت الماما هذه الحادثة يوم رسامتي، وأضافت أنّها عندما خرجت من كرسيّ الاعتراف، خطر في بالها أن تخرج وتأتي بحسنة قدّاس لتعطيها للراهب الذي أراح قلبها.

خرجت إلى الباحة، عبرت الطريق، أحضرت المال، وعادت، فلم تجد الراهب. خرجت من الكنيسة وسألت الجالسين في الساحة، فقالوا لها:

«لم نرَ راهبًا لا داخلًا ولا خارجًا. رأيناكِ أنتِ تدخلين وتخرجين فقط».

والماما كانت تقول: «هذا كان مار شربل».

أقول لكم هذه القصّة لأنّها مهمّة لنا جميعًا، مهمّة لعائلتنا.

تدخّل القدّيسين على الأرض يصنع أمورًا جميلة.

كم هو مهمّ أن نحبّ بعضنا، وأن نكون رسل كلمة الله، وأن نتخطّى الانقسامات!

ما هذا الجنون: روم وموارنة؟

العائلة تُبنى على الآدمية، وعلى المحبّة، وعلى الاحترام، وهذه كلّها نفتقدها اليوم: نفتقدها في البيوت، نفتقدها في العائلات، في الصداقات، نفتقدها في كلّ مكان.

اليوم، إخوتي، الأنانيّة تشوّه حياتنا، أمّا المحبّة التي نأخذها من يسوع فهي التي تُجوهر حياتنا.

لا نخاف أن ندخل في مشروع الله.

مشروع الله ليس سهلًا، لكن فيه الخلاص الأبدي، وفيه النِعَم التي لا تزول.

مشروع يوسف والعذراء كان عائلة صغيرة، لكن الله أعطاهم أن يكونوا مشروع خلاص للبشريّة كلّها.

في ختام هذه الكلمة، أودّ أن أدعو نفسي وأدعوكم:

أن نفتح قلوبنا لكلمة الله، أن نبحث عن مشيئة الله، وأن نبحث عن أن نكون شركاء في الفداء بالمحبّة.

من هنا، سنرتّل اليوم ترنيمة «يا أمّنا، يا أمّنا، يا مريم العذراء»، وعدّلنا كلماتها قليلًا لكي تُفهم على حقيقتها، فقلنا: «شريكة معنا أنتِ في الفداء»، بالمعنى الذي شرحته لكم.

فلنُحوِّل هذه الترتيلة اليوم إلى فرصة نبحث فيها عن مشروع الله في حياتنا، المشروع القائم على المحبّة، و«الآدمية»، والصدق، والانفتاح على حبّ الله.

ولنكن حقًّا من الناس الذين يصلّون بحياتهم، والذين يعلّمون الصلاة.

وللماما نقول: سنشتاق إليكِ كثيرًا، لكنّنا على موعد معكِ يومًا ما في السماء.

وأقول للبابا: «يخليلنا ياك، ويطوّل بعمرك»، لأنّك أنتِ والماما كنتما في حياتنا علامة حبّ كبيرة من الله.

هذا الله الذي هو أبًا وأمًّا.

نأخذ الآن دقيقة صمت، نتأمّل في هذه الكلمة، ونكمل قدّاسنا بفرح القيامة.