عظة الأب رمزي جريج – ١٩ تموز ٢٠٢٥

إخوتي،

أود أن أبدأ كلمتي اليوم وتأملي معكم بشرح سبب إصرارنا على استقدام ذخائر القديسة تريز الطفل يسوع إلى هذه البازيليك، بالذات في هذين اليومين: 18 و19 تموز. ذلك لأنّه منذ 195 سنة، وفي مثل هذه الليلة، كان الظهور الأول للعذراء للقديسة كاترين لابوري، في رو دو باك في باريس. الراهبة البسيطة التي أُعطيت من العذراء الأيقونة العجائبية، والتي بفضلها أصبحت كنيستنا هذه بازيليك سيدة الأيقونة العجائبية.

ولماذا هذا العيد بالتحديد؟ شاءت العناية الإلهية أن يتوافق هذا الاحتفال مع تلك الليلة، حيث حصل الظهور الأول بين الساعة 11:30 ليلًا والثانية بعد منتصف الليل، أي بين 18 و19 تموز. ومن بين الأمور التي قالتها العذراء لكاترين لابوري في تلك الليلة، هناك أمران أساسيان سنتأمل فيهما اليوم.

أولًا، في ذلك الوقت، كانت الكنيسة لاتزال إكليريكية بامتياز، وكان الكهنة يهيمنون على كل شيء. لم يكن للعلمانيين دور يُذكر، بل في كثير من الأحيان، لم يكن يُثقّفون دينيًا أصلًا. العذراء، إذًا، تسبق المجمع الفاتيكاني الثاني، وتطلب تأسيس حركة يُهيَّأ فيها العلمانيون، ويتنشّقون بالإيمان، ليكونوا فاعلين، أعضاءً أحياء في جسد المسيح السري، في الكنيسة.

ومن هذه الرؤية، وُلدت آنذاك جمعية “أبناء مريم”، أو كما كانوا يسمّونها: “أبناء مريم الطاهرة من الخطيئة”. والجميل أنّ القديسة تريز، قبل دخولها دير الكرمل، وبعد مناولتها الأولى، كرّست نفسها، وكانت واحدة من أبناء وبنات مريم، المكرّسين ضمن هذه العائلة التي هي أيضًا عائلة مار منصور. وهذه الجمعية اليوم تُعرف باسم “الشبيبة المريمية الفانسونسية”، في عائلة مار منصور. فهي إذًا، ابنة كنيستنا، ابنة عائلتنا، أختنا في الإيمان، أختنا في التكرّس.

واليوم، أود أن أتأمل معكم، إخوتي، ماذا يعني أن نكون مكرّسين لمريم؟

في إحدى زياراتي إلى دير ليزيو، كانت هناك راهبة لطيفة، قريبة من القلب، أطلعتني على الأيقونة العجائبية التي كانت القديسة تريز الطفل يسوع تحتفظ بها حتى بعد دخولها إلى دير الكرمل، إذ كانت تحتفظ بها في جيبها داخل محفظة صغيرة. فسألتها: “لماذا تحتفظ بها في جيبها، ولا ترتديها؟” فأجابتني: “لأنّ راهبات الكرمل ممنوع عليهن ارتداء أي شيء على صدورهن كعلامة على الفقر، ولذلك كانت تحتفظ بها بهذه الطريقة.” حملت الأيقونة العجائبية طَوال حياتها.

فما معنى أن يكون الإنسان مكرّسًا لمريم؟

أختصر كلمتي بالقول: أن يكون الإنسان مكرّسًا لمريم، يعني أن يكون كأليصابات، يستقبل مريم في بيته، كما استقبلتها أليصابات. إذ قالت: «مِن أين لي هذا أن تأتي إليّ أمّ ربي؟». يسوع، على الصليب، قال للتلميذ الذي كان يحبّه – والذي يُمثّل كلّ واحد منّا –: «هذه أمّك». لم يقلها من باب العاطفة والحنان، بل من تحت الصليب، حيث لا مجال للعواطف، إنّما للحقيقة، للموقف.

فأخذها التلميذ إلى بيته. يعني أن يستقبل الإنسان مريم، الواقفة على رجليها تحت الصليب، في الأوقات الصعبة، ليعلّمنا من خلالها كيف نبقى واقفين على أقدامنا. مَن يحمل يسوع، يحملنا.

أحبّ عبارة أليصابات التي لم تقل فقط: «مباركة أنتِ بين النساء، ومباركة ثمرة بطنك»، بل قالت: «مِن أين لي أن تأتي إليّ أمّ ربي؟». اعترفت بأن يسوع هو الرب. وبحسب بولس، لا أحد يستطيع أن يعترف بأن يسوع هو الرب، إلا بفعل من الروح القدس. فامتلأت أليصابات من الروح القدس، واعترفت بأن يسوع هو الرب.

وما معنى أن يسوع هو الرب؟ يعني أن يسوع هو سيد حياتي، هو الذي أسلّم له كل شيء، وكل حياتي تصبح مسيرة للقائه. “أمّ ربي”، تعني أنّ يسوع هو مخلّصي. أن أستطيع في كل لحظة، مع مريم، أن أقف وأقول: «تُعظّم نفسي الرب، وتبتهج روحي بالله مخلّصي، لأنّه نظر إلى أَمَته الوضيعة». هذه العبارة لا تنطبق فقط على مريم، بل على أليصابات، وتنطبق على كل واحد منّا.

الله ينظر إلينا عندما نكون صغارًا، وُضعاء، وفارغين، بل حتى عندما نكون خطأة. ويأتي إلينا ويصنع فينا العظائم. ولذلك، من يتأمل في أعمال الله في حياته، يجب أن يمجّد الله، ويقود كل شيء ليسوع.

أليصابات، من خلال ما صنعه الله في مريم، وصلت إلى يسوع المخلّص.

أتدرون ما معنى أن نتكرّس لمريم؟ يقول البابا بندكتوس السادس عشر، في تعليق لاهوتي له عن التكرّس لقلب مريم الطاهر: ما هو القلب الطاهر؟ القلب الطاهر هو القلب المنفتح على يسوع، القلب الذي يفتح كل جوارحه، كل إمكانياته لعمل الله في حياته. لهذا، يصبح الإنسان طاهرًا في علاقته بيسوع.

قال إنّ التكرّس لقلب مريم الطاهر لا يعني أن نتوقّف عند مريم، بل أن نتعلّم منها كيف نفتح قلوبنا ليسوع، حتى يصبح قلبنا طاهرًا مثل قلبها. فإذا لم نجرِ هذه العمليّة، فإنّ كل إكرام لمريم يكون كذبًا، وكل صلاة لمريم تكون مضيعة وقت. تكريم القديسة تريز يصبح فولكلورًا، والاقتراب من القديسين، مثل كاترين لابوري، يصبح بلا فائدة، إذا لم نُعدِ قلوبنا، من خلالهم، إلى الله.

تكون كلّ هذه الأمور مجرّد عبادة وثنية باهتة، كما يتّهمنا البعض، إن لم توصلنا إلى يسوع.

لذلك، فإنّ الأيقونة العجائبية التي سنوزّعها عليكم في نهاية القداس، هي بركة. وفيها قلب يسوع وقلب مريم مشتعلين بالمحبّة. كلاهما تحت الصليب: هو على الصليب، وهي تحته، لكنهما يبقيان مشتعليَن بالحب، بالرغم من الألم.

قلب مكلَّل بالشوك، وقلب مطعون بالحربة، لكنهما يبقيان شاهدَين على محبة الله ومحبة البشر. وعندما نلبس هذه الأيقونة على صدرنا، ستصبح هناك ثلاثة قلوب متجاورة: قلب يسوع، وقلب مريم، وقلب كلّ واحد منا. كما لبست كاترين الأيقونة وكان فيها قلبها مع قلب يسوع ومريم، وكما لبستها تريز، كذلك ليكن قلبي أنا أيضًا.

لكي نستطيع اليوم، من خلال القديسة تريز، وكاترين، ومريم، أن نفتح قلوبنا ليسوع، فيصنع فينا العظائم.

إخوتي، لا أحد منّا سيكون مثل تريز، ولا أحد منّا سيكون مثل كاترين لابوري. عندما كنت صغيرًا، ودخلت إلى جمعية “الشبيبة المريمية”، كنت أحلم أن يوقظني الملاك ليلًا لكي أرى العذراء. لكن، لا أحد يشبه الآخر. حتى القديسون لا يشبه بعضهم بعضًا، إلا في شيء واحد صغير:

كلّنا نتشابه في القداسة بأمر واحد: أن نستقبل يسوع ويصنع فينا العظائم. عظائم مختلفة، لكن جميعها تسبّح اسمه.

إذا كان بيننا اليوم مريض، أو متألّم، أو شخص يواجه صعوبات في العائلة، أو تفكّك، أو أطفال موجوعين، أو أشخاص يحملون همومهم، فهذا هو الوقت المناسب لنقف أمام ذخائر القديسين ونقول لهم: “علّمونا، وسط الصعوبات، كيف نكون قدّيسين”.

فالهدف من الذهاب إلى القديسين ليس أن نشفى، بل أن نلتقي بيسوع.

القديسة تريز توفّيت عن عمر 24 سنة، في زهرة شبابها، ولم يشْفها قدّيس، لكنّ القديسين الذين تعرّفت إليهم، أوصلوها إلى يسوع، وهذا ما تريد أن تعلّمنا إيّاه.

لذلك، أدعوكم الآن لأخذ دقيقة صلاة، دقيقة صمت، نتحدّث فيها مع الرب يسوع، ونطلب منه هذه النعمة: أن يدخل إلى حياتنا، أن يكون في قلب حياتنا، أن نكون اليوم، مع تريز وكاترين والعذراء، مكرّسين له، فاتحين قلوبنا له.