إخوتي، اليوم في عيد مار يوسف، تأتي الكنيسة لتخاطب حياتنا من خلال هذه الكلمة، والرب يأتي ليدلّنا على طريق قداستنا.
الرسالة التي سمعناها إلى أهل روما تتكلّم عن سرّ قداسة المسيحي، وتقول إن الله عندما يعمل ليقدّس الإنسان، والذي بدأ هذه المسيرة منذ إبراهيم، يعمل بالطريقة نفسها. مع أنّ الله أعطى الشريعة في العهد القديم، إلا أنّ الخلاص لا يتمّ بالشريعة، بل بالإيمان. لا يتمّ بالشريعة بل بالإيمان.
وفي مكانٍ آخر يقول مار بولس: “الخلاص ليس بالحرف، فالحرف يقتل، وأما الروح فيحيي”.
فما الفرق، إخوتي، بين الخلاص بالشريعة والخلاص بالإيمان؟
مع أنّ الشريعة تقول: أحبّ الله، أحبّ أخي، لا أسرق، لا أزنِ، لا أقتل، لا أشهد بالزور. وإذا نظرنا، نرى أنّ الشريعة هي طريق الحياة، طريق الملكوت، وهي برنامج حياة الإنسان الصالح. فكيف إذًا لا يكون الخلاص بالشريعة؟
عندما يتكلّم مار بولس عن الخلاص بالشريعة، يقصد أمرين مهمّين:
أولًا، عندما يريد الإنسان الخلاص بالشريعة، يحاول أن يطبّقها بقوّته، بعضلاته، بمجهوده الشخصي. لكن الخبرة ماذا قالت؟ إن الإنسان جرّب أن يطبّق الشريعة، فلم ينجح. ونحن أيضًا في حياتنا، كم مرّة نقول في بداية الصوم: لن أسبّ بعد اليوم، لن أتكلم، لن أسرق… وكلّما بذلنا جهدًا لنوقف الخطيئة، نشعر أنّ قوّتها تزداد. نحاول قليلًا قليلًا، ثم نسقط من جديد. والإنسان عندما يسقط، يخرّب كلّ ما بناه.
إذًا، النقطة الأولى: يسوع في العهد الجديد جاء ليعلّمنا أنّ الخلاص لا يتمّ بمجهود تطبيق الشريعة، بل بطلب المعونة من الله لكي نتمكّن من تطبيقها. الإيمان هو أن أتّحد بالله، فأصبح قادرًا على عيش الشريعة، لا أن أطبّقها بقوّتي.
النقطة الثانية، تكمّل الأولى وهي مهمّة جدًا: عندما يتعلّق الإنسان بالشريعة فقط، يتعلّق بالحرف، أي بالأمور الخارجية. فقد لا يسرق، لكن قلبه متعلّق بالمال. وقد لا يزني، لكن قلبه متعلّق بالشهوة. وقد لا يقتل، لكن قلبه مليء بالحقد. وهذا لا يدوم ولا يفيد.
لذلك قال يسوع: “قيل لكم لا تقتل، أما أنا فأقول لكم: من يقول لأخيه يا أحمق يستوجب الحكم”، لأنّه قتله في قلبه. وقال: “قيل لكم لا تزنِ، أما أنا فأقول لكم: من نظر إلى امرأة واشتهاها في قلبه فقد زنى بها”، لأنه لا يستطيع لا يقع في الزنى أو الظروف لا تسمح.
إذًا، الإيمان لا يجعل تصرّفاتي فقط بحسب مشيئة الله، بل يداوي قلبي أيضًا، لكي يصبح قلبي بحسب مشيئته.
والإنجيل اليوم يضع أمامنا القديس يوسف، الذي انتقل من ابن الشريعة إلى ابن الإيمان. عندما عرف أنّ امرأته حبلى من الروح القدس، دخل في أزمة: ماذا يفعل؟ هل يتركها أم يأخذها إلى بيته؟ في نظره كانت حبلى خارج الزواج، أي بحسب الشريعة زانية، والشريعة تقول إن الزانية تستوجب الموت. لكنه كان يحبّها، فكيف يسلّمها للموت؟
دخل في صراع: هل يطبّق الشريعة أم يتبع قلبه؟
وجمال يوسف أنّه كان بارًا حقيقيًا، ليس فقط ابن الشريعة، بل ابن الإيمان. أولًا، سمع لكلام الله واتّكل عليه، ولم يقرّر وحده. لم يعش القداسة لوحده. وعندما ظهر له الملاك وشرح له أنّ هذا من عمل الروح القدس، انتقل من شريعة الحرف إلى شريعة الروح. اتّكل على الله وتركه يداوي قلبه.
وليس بالأمر السهل أن يقبل الإنسان أن يكون زوجًا دون أن يكون زوجًا، وأن يكون له ابن ليس منه، وأن يغيّر كل مشروع حياته. لكن يوسف غيّر كل مشروعه، لأن قلبه شُفي بمحبة الله، فقبل أن يسير في مشروع الله حتى النهاية.
ويقول الإنجيل: “ولمّا قام من النوم، أخذ امرأته إلى بيته”.
العذراء أجابت الملاك بالكلام، أما يوسف فلم يجب بالكلام، بل بالفعل. العذراء قبلت، ويوسف قام وحقّق فورًا ما طُلب منه. العذراء كان دورها أن تقبل، ويوسف كان عليه أن يبرهن قبوله بالفعل، فأخذ مريم إلى بيته، والله أكمل الباقي في حياته.
إخوتي، أريد أن أربط هذا الكلام بحياتنا. نحن كثيرًا ما نتمسّك بالشريعة ونقول: أنا لا أحقد، لا أؤذي، لكن قلبنا يكون مملوءًا حقدًا. نقول لا نتمنّى الشر، لكن في داخلنا شيء آخر.
لننتبه: هذا المنطق ليس منطقًا مسيحيًا. الله يريد أن يداوي قلوبنا.
اليوم، رياح الشر والحقد والقتل على أبوابنا. الخطر الكبير علينا نحن المسيحيين ليس فقط القصف والقتل، بل أن يدخل روح الحقد إلى قلوبنا. لأن هذا الروح قادر أن يدفعنا يومًا ما إلى أن نقتل بعضنا بعضًا، وقد اختبرنا ذلك في الماضي. لم نقتل أعداءنا فقط، بل قتلنا بعضنا البعض.
اليوم نحن مدعوون أن نسهر على قلوبنا قبل أن نسهر على أحيائنا. وهذه نقطة مهمّة جدًا.
فلنطلب من مار يوسف نعمة الإيمان، لكي لا نكون أبناء الحرف والشريعة، بل أبناء الإيمان. أن يكون اتكالنا على الله حقيقيًا، فنفتح قلوبنا له ليشفيها. أن نتمنى شفاء قلوبنا.
لنأخذ لحظة صمت، نتأمّل في هذه الكلمة.
وأعيّدكم جميعًا بعيد مار يوسف، ونصلّي لكل من يحمل اسم يوسف، أحياءً كانوا أم راقدين، لكي تنالنا هذه النعمة جميعًا كما قداسة مار يوسف.
