إخوتي، كلمةُ الربّ اليوم تأتي لتكشف لنا سرَّين أساسيَّين لحياتنا وخلاصنا، ومن ورائهما يطرح عالمُنا اليوم سؤالين كبيرين.
السؤال الأول: ما هو الخلاص؟ ماذا يعني أن يكون الإنسان اليوم مُخلَّصًا؟
إذا نظرنا إلى واقعنا اليوم، نرى أن كثيرًا من شبابنا لم يعودوا يهتمّون بالمجيء إلى الكنيسة، وحتى الكبار بيننا، كثيرون يأتون فقط لأنهم اعتادوا ذلك. وعندما نسأل الشباب: لماذا لا تأتون إلى الكنيسة؟ يجيبون: ما الفائدة؟ لماذا؟ المهم أن أكون مرتاحًا، المهم أن أجد نفسي، المهم أن أعيش حياتي. ثم يقول لك: الدين يعني أن يفعل الإنسان الخير، أليس كذلك؟ الإيمان أن يكون الإنسان صالحًا، على صورة الله.
لكن أين المشكلة؟ كيف يستطيع الإنسان أن يكون صالحًا؟ وماذا يعني أن يكون صالحًا فعلًا؟
نقول للناس: حسنًا، لا تأتي كثيرًا إلى الكنيسة، لا بأس. المهم أن تكون صالحًا. نسألهم: هل تساعد الفقراء؟ فيجيبون: «قدر ما أستطيع». ولكن وراء عبارة «قدر ما أستطيع» يكمن أمر خطير: أساعد الفقير عندما يكون الأمر سهلًا، عندما يريحني، عندما يعطيني شعورًا جيدًا، عندما يجعل الناس يصفّقون لي. لكن عندما تبدأ مساعدة الفقير أن تؤلمني، هنا التحدّي. عندما تصبح المغفرة مؤلمة، هنا التحدّي. عندما تصير الرحمة موجِعة، هنا التحدّي.
نلاحظ في إنجيل اليوم كيف تعرّف يوحنا المعمدان إلى يسوع، وكيف عرف أنه هو حمل الله، أي المخلّص الذي سيشفي قلوبنا. قال: «رأيت الروح ينزل ويستقرّ عليه». ماذا يعني «يستقرّ»؟ يعني يبقى.
نحن جميعًا يحلّ الروح في حياتنا. قلوبنا مخلوقة للحبّ، ولدينا ميل طبيعي للمغفرة، والرحمة، والشفقة، والمساعدة. لكن أين المشكلة؟ عند أول صعوبة، عند أول وجع، عند أول أزمة، ماذا يحدث لهذا الروح؟ يطير.
عندما تبدأ مساعدة الفقير أن تصبح ثقيلة، يطير الروح. عندما تبدأ مغفرة الزوجة أو الزوج أن تمسّ كرامتي وصورتي، يطير الروح القدس. أليس هذا ما نعيشه؟
لذلك نحن مدعوون أن نأتي إلى يسوع، لأنه الوحيد القادر أن يعطي قلوبنا القوّة لنحبّ رغم الصعوبات. نعم، الدين هو حبّ، والسعادة في الحبّ، لكنني بحاجة إلى علاقة شخصية مع يسوع تجعلني أستقرّ في الحبّ، لا حبًّا مؤقّتًا، ولا حبًّا بالمناسبات، ولا حبًّا بدافع المنفعة.
الحبّ الذي يكون مؤقّتًا، أو مناسباتيًا، أو نفعيًا، ليس حبًّا. تصوّروا زوجًا يحبّ زوجته فقط بالمناسبات، أو صديقًا يحبّ صديقه عند الحاجة فقط. إمّا أن يكون الحبّ كاملًا، دائمًا، مجانيًا، أو لا يكون. وهذا لا يعطيه أحد إلا يسوع.
السؤال الثاني: لماذا يوجد تفاوت بين الناس؟
الشباب يسألونني دائمًا: يا أبانا، لماذا لا توجد عدالة في هذا العالم؟ إنسانيًا، نعم، لا توجد عدالة. هناك من يولد فقيرًا، ومن يولد غنيًا. من يولد بصحة جيدة، ومن يولد مريضًا. من يعيش طويلًا، ومن يموت في ريعان شبابه.
وأحيانًا ننظر حتى بعين الله ونسأل: لماذا هذا الإنسان مليء بالنِّعَم؟ لماذا هذه القدّيسة أو هذا القدّيس؟ لماذا هناك من يصبح مطرانًا أو كاهنًا أو بطريركًا، وغيرهم لا؟
إذا نظرنا نظرة سطحية، قد نشعر وكأن لا عدالة. لكن إذا نظرنا بعمق، بعينَي الله، فالأمر مختلف تمامًا.
ملخّص القراءات يقول لنا: الله يدعو، وهناك من يفتح قلبه له. من يفتح قلبه، يملؤه الله، يقدّسه، ويسكن فيه. قال له: «قليل أن تكون عبدي، سأجعلك نورًا للأمم». ليس لأنك مميّز لأنني أحبّك أكثر من غيرك، بل لأنك فتحت قلبك لي. ومن خلالك أريد أن أصل إلى الجميع.
اختار الله يوحنا المعمدان، وجعله أعظم مواليد النساء، لكن مهمّته كانت أن يدلّ الناس على يسوع. واختار العذراء، وملأها نعمة، لكن حياتها صارت عطية ابنها للبشرية.
الله لا يختار أحدًا ليملأه ويحتفظ به لنفسه، بل ليكون قناة خلاص للآخرين. نحن جميعًا هدف لمحبّته، هدف لخلاصه. كما نقول بالعامية: الله واضع عينه علينا جميعًا، ولا يريد أن يضيع أحد.
كلمة الرب اليوم تقول لنا ثلاث أمور:
أولًا: أنا بحاجة إلى علاقة حقيقية مع يسوع، علاقة تحقّق إنسانيتي وهدف وجودي، أي أن يستقرّ الروح عليّ، وتسكن المحبّة فيّ دائمًا، لا بالمناسبات، ولا بدافع المنفعة.
ثانيًا: عندما يدعونا الله لنكون نورًا للآخرين، علينا أن نقبل هذه الدعوة. ليس فقط الكهنة والمطارنة نورًا للشعب، بل كلّنا نور لبعضنا: الأم لأولادها، والأخ لإخوته، والصديق لأصدقائه. وأحيانًا أنتم تكونون نورًا لنا نحن الكهنة. كلّنا مدعوون أن ندلّ بعضنا على يسوع، كما فعل يوحنا المعمدان حين قال: «رأيت وشهدت».
ثالثًا: التواضع. عندما يرسل الله شخصًا ليدلّني على يسوع، ليضيء حياتي من نوره، قد يوجعني، لأنه قد يكشف لي خطيئتي وضعفي. عليّ أن أقبل بتواضع، وألا أغلق الباب في وجه النور الذي يرسله الله لي.
لأن الحياة بلا نور الله هي ظلام وموت.
فلنطلب اليوم، إخوتي، بشفاعة القديس أنطونيوس الكبير، الذي عاش هذه الأمور الثلاثة، أن يمنحنا الله هذه النِّعَم لحياتنا ولحياة كل من نحب. ولنأخذ دقيقة نتأمّل في هذه الكلمة.
