عظة الأب رمزي جريح – ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٥

إخوتي، يا لها من مصادفة جميلة أن يكون غدًا بحسب الطقس الماروني عيد تقديس البيعة، واليوم بحسب الطقس اللاتيني عيد تدشين كاتدرائية مار يوحنا اللاتران. والقراءة تتحدث عن تطهير كنيسة الله، عن تطهير هيكل الله الذي هو نحن.

نعم إخوتي، نحن هيكل الله، كما يقول القديس بولس: “أنتم هيكل الروح القدس”. نحن الكنيسة، الجماعة، الهيكل الذي يسكن فيه الله. ولكن، إن كان هذا الهيكل مُدنَّسًا، فهل يبقى هيكلًا لله؟ كلا، إذ يصبح هيكلًا للشيطان. الهيكل المدنّس لا يعود قادرًا أن يشعّ حضور الله، بل يصير مسكنًا للشيطان وانطلاقةً لقوّته.

قد تستغربون أننا نتحدث عن الشيطان، لا ذاك الذي يُخيف أو يُظهر العجائب، بل الشيطان الذي يستخدم قلوبنا لتبثّ الحقد، والأنانية، والأذى، والشرّ. لأنّ الشيطان لا يستطيع أن يعمل إلا من خلال الإنسان، من خلال قلوبنا وأيدينا وألسنتنا وأجسادنا، ليدمّر مشروع الله على الأرض.

في القراءة الأولى، يقول النبي إنّ مياهًا كانت تخرج من جانب اليمين من الهيكل. وآباء الكنيسة رأوا في هذه الرؤية صورةً جميلة: من هو هذا الهيكل الذي تفجّرت منه المياه من جانبه الأيمن؟ إنه يسوع على الصليب. صحيح أنّ قلبه في الجهة اليسرى، ولكن الجنود الرومان طعنوه من جانبه الأيمن، فخرج دم وماء من قلبه، رمزًا للنعمة والتقديس.

فإذا كنا نحن هيكل الله، فذلك لأننا متّحدون بيسوع المصلوب، وهيكلنا الحقيقي هو جسد يسوع على الصليب. والمياه التي خرجت من جنبه هي التي تطهّر وتقدّس.

ويقول النصّ إنّ المياه كانت تطهّر كلّ مكان تصل إليه. وهذه الصورة عميقة: فقديمًا كانت إيطاليا مليئة بالمستنقعات، والمستنقعات تعني الأوبئة والميكروبات والموت. أمّا المياه الخارجة من الهيكل فكانت، أينما وصلت، تطهّر المكان وتُعيد إليه الحياة، حتى البحر نفسه، إذ تجعله صالحًا للشرب بعد أن كان مالحًا.

إخوتي، إنّ قلب الإنسان ليكون هيكلًا لله، عليه أن يُطهَّر من ميكروبات الخطيئة والأنانية. وصدقوني، ميكروب الخطيئة مثل ميكروب الجسد، يُعدي.

نحن نُعدي بعضنا البعض، مباشرة أو بطريقة غير مباشرة: نُعدي بعضنا بالخطيئة، بالأذى، بالشرّ. ليس فقط حين نُعلّم غيرنا الخطيئة — كرفيق يُعلّم رفيقه تعاطي المخدرات — بل أيضًا حين نردّ الشرّ بالشرّ.

فالذي يُؤذينا ويجعلنا نردّ عليه بالأذية، يكون قد أصابنا بعدوى الشرّ. وهكذا يدخل الفيروس إلى قلوبنا، وتفعل الخطيئة فعلها فينا.

واليوم، إخوتي، نحن بحاجة إلى تلك المياه التي تطهّر قلوبنا.

وأحبّ أن أتأمّل معكم في صورة أخرى وردت في القراءة: يقول إنّ الأشجار المزروعة على ضفّتي النهر تعطي ثمارًا في كلّ الفصول، صيفًا وشتاءً. فتذكّرت عندما جاع يسوع وكان مارًّا بجانب شجرة تين، فطلب منها ثمراً فلم يجد إلا ورقاً، فلعنها، مع أن الإنجيل يوضّح أن الوقت لم يكن وقت التين.

هذه الصورة رمزية جدًا، فهي لا تتحدث عن التينة فقط، بل عن قلب المسيحي. فالمسيحي المزروع على مياه النعمة، على مياه جرح قلب يسوع، عليه أن يُثمر في كلّ حين، وإلا فهناك خلل في الإيمان.

والله، حين يرى هيكله مُدنّسًا، لا يتركه بل يهدم الدنس ليبني القداسة.

في الإنجيل نرى يسوع الغاضب، يكسر الطاولات ويطرد الباعة، لكنه لم يكن يكسر الناس، بل يطهّر الهيكل.

هكذا أيضًا في حياتنا: أحيانًا يسوع يبدو قاسيًا، يتركنا نواجه نتائج خطايانا، يسمح أن نُفضَح أو أن “تطلع ريحتنا”، ولكن ليس انتقامًا، بل شفاءً وتربيةً. كما الأب الذي يترك ابنه يدخل السجن ليُشفى من إدمانه، لا ليُعاقب بل ليحيا.

إخوتي، لنأخذ من هذا الأحد المبارك ثلاث أفكار لحياتنا:

أولًا، نحن وحياتنا وجسدنا لسنا لعبة. نحن هيكل الله، ولسنا بيتًا يمكن أن يُهدَم ويُبنى من جديد. كلّ واحد منّا له مكانه في قلب الله، في مشروعه العظيم. لا أحد يستطيع أن يأخذ محلّ الآخر: لا يمكن أن أكون أنا مكانك، ولا أنت مكاني، فلكلّ واحدٍ منّا دوره الخاص في بناء هيكل الله.

ثانيًا، أنا مشروع حبّ نابع من قلب يسوع. المياه التي تطهّرني ليست من أيّ مصدر، بل من النبع الإلهي نفسه، من جرح المسيح الذي تفجّر حبًا وخلاصًا.

ثالثًا، إذا قرّر يسوع يومًا أن يدخل إلى قلبي، فوجده قد صار وكْرَ تجارة، وأراد أن يكسره ليطهّره ويعيد بناءه، فلتكن لي الشجاعة أن أفرح، لا أن أحزن. لأنّ تأديب الله فرحٌ، وتطهيره نعمةٌ، والوجع الذي يسمح به هو دواء لا عقاب.

فلنأخذ لحظة صمت، إخوتي، نتأمل في هذه الكلمة، ونطلب من الرب يسوع نعمة الوجع المقدّس، أن نسمح له أن يُوجِعنا حيث يلزم، وأن يكون كل وجع فينا طريقًا لمعرفة يسوع، فهو اليوم يطهّر قلوبنا ويبني هيكله فينا من جديد.