إخوتي، ماذا تقول لنا كلمة الله اليوم، في هذا النهار، الذي هو سبت الأموات؟
أوّل ما أودّ أن أبدأ به هو الإنجيل: عن أيّ موتى يتكلّم الإنجيل؟ هل يتكلّم فقط عن الموتى الذين في القبور؟
إذا تأمّلنا في الإنجيل، نرى أنّه يتحدّث عن نوعين من الموتى. يقول: في اليوم الأخير يسمعون صوت بوق فيخرج المائتون من قبورهم للحياة أو للموت . لكنّه يقول أيضًا إنّ صوت ابن الإنسان يدعو، ومن يسمع يحيا.
فالذين في القبور لا يسمعون، أمّا الذين يسمعون فهم الأحياء بعد، أمثالي وأمثالكم.
إذًا، عن أيّ موت يتكلّم؟ يتكلّم عنّا نحن. ومتى نكون أمواتًا؟ عندما نكون بعيدين عن الله.
فالموت الحقيقي ليس موت الجسد. أبونا معلولي مات منذ خمسٍ وعشرين سنة، ومع ذلك هو حيّ. أمّا نحن فكثيرًا ما نعيش، ولكنّنا أموات من الداخل. أليس كذلك؟
هذا أمر مهمّ جدًّا. عن أيّ موت يتكلّم؟ يتكلّم عن الموت الذي سمعناه في الرسالة. قال إنّ هناك آدمين، إنسانين:
آدم الأوّل، وهو الجسدي، الذي يأكل ويشرب وينام، ويتزوّج وينجب الأولاد، ويعمل، ويجمع المال، ويتكلّم ويمشي.
وآدم الجديد، وهو يسوع، ابن الله.
وكم هي جميلة هذه الفكرة: إمّا أن يكون الإنسان على صورة الأوّل، أو على صورة الثاني.
فإن كان على صورة الأوّل، يكون ترابيًّا. لا أقصد فقط أرضيًّا بمعنى الخطيئة الكبرى، أي ليس بالضرورة أن يقتل أو يزني أو يسرق، بل تكون حياته مختصرة في الأكل والشرب والنوم، والملذّات، والسهرات، والخروج، والعمل، والعائلة، والأولاد… وكلّ هذا جميل، ولكن أين مصيرهم؟ إلى القبر، تحت التراب.
أمّا الذي يحيا بالروح، فينقاد إلى ما هو للروح.
وما أجمل هذه الصورة: «ينقاد إلى ما هو للروح»، أي أنّه داخل الجسد يحيا الروح. داخل الزواج، داخل الأكل والشرب، داخل العمل، داخل السياسة، داخل التعب، داخل التربية… هناك روح.
وما هو الروح؟ هو العلاقة مع الله، داخل الثالوث الأقدس، الروح القدس هو أقنوم العلاقة، هو الحبّ بين الآب والابن. وفي حياتنا، من هو الروح القدس؟ هو الله فينا، هو الذي يخلق العلاقة بيننا وبين الثالوث الأقدس، هو الذي يزرع فينا حضور الله، وهو الذي يجعلني أبني علاقة حيّة مع الله.
قد يقول أحدهم: «أبونا، أنا أصلّي في البيت». نعم، أكيد، صلِّ كما تشاء: المسبحة، قانون الإيمان، الصلاة الربّية… المهمّ أن تكون الصلاة علاقة.
نحن لا نصلّي لنقدّم لله شيئًا. الله لا يريد صلوات، ولا يريد ذبائح. الله لا يريد قدّاسات.
نحن نقدّس إذا كانت الصلاة فعل علاقة مع يسوع. أمّا إذا لم تكن المسبحة علاقة وتأمّلًا ومكوثًا مع يسوع، تصبح ترداد كلام فارغ. ويصبح القدّاس طقسًا ميتًا.
فمن الذي يحيي؟
الروح القدس. هو الذي يحيي الإيمان فينا، ويحيي حياة الله فينا.
لذلك، عندما نموت، لا نموت، بل ننتقل من الحياة مع يسوع على هذه الأرض، إلى الحياة مع يسوع في الحياة الأبدية في السماء.
المسيحي لا يموت. «من آمن بي وإن مات فسيحيا». قد انتقل من الموت إلى الحياة.
من هنا، إخوتي، اليوم ونحن نذكر موتانا، لا نريد أن نذكرهم بالحزن أو بالقساوة. لا نريد أن نذكرهم بطريقة وثنيّة، كأنّنا إن لم نرفع أصواتنا في القدّاس فلن يتحنّن الله عليهم.
انتبهوا: الله يحبّ موتانا أكثر منّا، ويتحنّن عليهم أكثر منّا، وهو يريد خلاصهم أكثر منّا.
إذًا، لماذا نصلّي لأمواتنا؟ وكيف نصلّي لهم؟
نصلّي لنتّحد بهم، ولننفتح معًا على يسوع.
هذا هو معنى الصلاة لأمواتنا: نحن وإيّاهم في شركة القدّيسين. اليوم أشترك مع أمّي، وجدّتي، وخالي، وعمّتي، وسائر أحبّائي، ونقول للربّ: «تعال إلى حياتنا».
كيف يدخل الإنسان إلى السماء؟ عندما يفتح قلبه لله.
وأمواتنا لا يدخلون السماء لأنّ الله يفتح لهم الباب، فالباب مفتوح أصلًا. الله فتح الباب منذ الصليب. لكن الدخول يتمّ عندما يقرّر القلب أن يدخل.
قلب يسوع على الصليب، حين طُعن بالحربة، انفتح إلى الأبد، وصار بابًا لا يُغلق.
من يبقى خارج هذا القلب؟ من لا يريد أن يدخل.
الله لا يغلق بابه أمام أحد، لكنّ المشكلة أنّنا نحن نقرّر بقساوة قلوبنا أن نبقى في الخارج.
لهذا، اليوم، لكي يكون قدّاسنا مفيدًا لنا ولموتانا، ولكي يكون قدّاسًا حيًّا، نريد أن نأخذ قرارًا: أن ندخل إلى قلب الله، أن نتخلّى عن أنانيّتنا، وعن قساوة قلوبنا، ونقول له:
«يا رب، أنا خاطئ. افتح لي باب قلبك، لأنّني أريد أن أدخل».
الله ينتظر منّي أن أقول له «أريد»، ليقول لي فورًا: «تعال الآن».
أحببت في الإنجيل قوله: «تأتي ساعة»، ولكنّه يقول أيضًا: «وهي الآن حاضرة».
هذه الساعة هي الآن، هي أنا وأنتم، لنسمع صوت ابن الله، الذي يقول لنا: «أنا أحبّك».
وأنا، ماذا أقول له؟
أقول له: «آمنت أنّك تحبّني، وأريد أن أتّحد بحبّك»، كما فعلت العذراء حين قالت: «ها أنا أمة الرب، فليكن لي حسب قولك».
قبل أن نتابع، نأخذ الآن دقيقة صمت، نتكلّم فيها مباشرة مع يسوع، كلّ واحد في قلبه، ونقول له:
«يا رب، أريد اليوم أن أتّحد بحبّك. أسمعني صوتك، لأنّني أريد أن أسمع هذا الصوت، وأدخل معك إلى الحياة الحقيقيّة».
