يسأل سؤالين مهمَّين لحياته: ما معنى ما أعيشه؟ ما معنى حياتي كلّها؟ تمامًا كما جاء يسأل المعلِّم، فقال له: «ماذا أعمل لأرث الحياة الأبديّة؟» كأنه ينظر إلى الأشياء التي يصنعها ويجدها فجأة تنتهي، يرى الأمور تفنى أمامه. فيسأل: ماذا أفعل ليكون لهذا الذي أفعله معنى لا ينتهي؟ ماذا أفعل ليكون في قلبي سلام؟
نصل في أوقات كثيرة من حياتنا، إخوتي، إلى أن نسأل هذا السؤال: ما معنى زواجي؟ ما معنى أنني صرت كاهنًا؟ ما معنى أنني أدير هذه المؤسّسة؟ ما معنى عملي؟ ما معنى وجودي في هذا البلد المليء بالصراعات؟ ما معنى أنني تعرّفت إلى هذا الشخص؟ ما معنى حياتي؟ ما معنى وجودي في هذه الحياة؟
وجاء هذا العالِم بالشريعة يسأل يسوع: ما معنى حياتي؟ ماذا يجب أن أعمل؟ ماذا أفعل اليوم ليكون لحياتي معنى؟ أتصوّر أننا جميعًا، إخوتي، نعيش في عالم يدفعنا كثيرًا لنفعل شيئًا يسكب فينا إحساسًا بأنّ لكلّ ما نفعله معنى. نسهر، نخرج، نأتي ونذهب، نصادق الناس، نقيم علاقات… كلّ ما نفعله إنّما هو بحث عن معنى لحياتنا.
كلمة «التفتيش عن المعنى» فكرة تجعل الإنسان يترك الدنيا كلَّها، تجعله يترك مكانًا ويذهب إلى مكان آخر، تدفعه أحيانًا إلى أن يغامر بحياته. إذا لم يجد الإنسان معنًى لحياته، فإنّه يظل تائهًا. فنحن في حياتنا جميعًا في حالة تفتيش عن معنى.
وهذا الشخص جاء يسأل يسوع: أنا بحاجة أن أعمل شيئًا لأجد معنًى لحياتي. والإنجيل الذي سمعناه اليوم نعرفه جميعنا، وكثيرون منّا سمعوا عنه تفسيرات لاهوتيّة كثيرة. وأنا بصراحة لا أعرف أن أقدّمها كلّها، لا أعرف أن أفصّل كلّ فكرة وما معناها، لكن أعرف أمرًا واحدًا في هذا الإنجيل: إنّ يسوع، حين سأله هذا الإنسان: ماذا أعمل؟ أعاده إلى مكان أساسيّ في حياته، قصّ عليه قصّة، أعطاه مَثَلًا جعله يفكّر في حياته.
قال له: كان هناك رجل نازل من أورشليم. دعونا نقول إنّ أورشليم مكان عالٍ، مكان جميل في حياتنا، مكان نشعر فيه بالراحة، مكان كلّ شيء فيه على ما يرام. وهذا الرجل بدأ ينزل. كان ذاهبًا نحو أريحا. وهناك التقى أناسًا ضربوه وجرّدوه من ثيابه وسرقوه. ضربوه، أخذوا كرامته، وأخذوا منه كلّ شيء. وهذه النقطة مهمّة جدًّا، إخوتي. أتصوّر أنّ عالِم الشريعة في تلك اللحظة كان يفكّر في حياته، مثل كلّ واحد منّا، في محطّات كثيرة تعرّض فيها لهذا الأمر في حياته: راحت كرامته في مكان ما، حصل شيء في حياته، مرّ بفترة حالكة، حدث شيء في حياته سرق منه شيئًا، حصل في حياته أمر يندم عليه، كانت هناك سقوطات كبيرة.
وهنا كان يسوع يقول له: مرَّ كثير من الناس في حياة هذا الرجل. مرّ كثيرون في حياته، وكان يتوقّع منهم ربما أن يساعدوه. الكاهن واللاوي كانا أوّل من توقّع أن يساعده، اللاوي الرجل الذي يحفظ الشريعة ويعلم كلّ شيء، كما يحدث كثيرًا في حياتنا عندما نقع في تلك الفترات الصعبة: عندما ندخل في خطيئة قاسية، أو عندما تحدث أزمة في حياتنا، أزمة ماليّة، أزمة عائليّة، أو نرتكب خطأ. كلّ هذه الأوقات ربما لدى كلّ واحد منّا فيها فترة في حياته يستحي حتى أن يفكّر فيها، يرميها وراء ظهره، وينشغل مباشرة بالسؤال: ماذا أفعل لأجد معنًى لحياتي؟ نسارع فورًا إلى أن نفعل شيئًا لنبدّل الأجواء.
لكن يسوع أخذه إلى مكان آخر، قال له: ارجع إلى حياتك. ارجع إلى قلبك. ارجع إلى تاريخك. ارجع إلى ذلك المكان الأسود في حياتك، إلى ذلك المكان الذي سقطت فيه يومًا ما. وانظر: مَن كان إلى جانبك في تلك الفترة؟ ويقول البابا فرنسيس جملة جميلة جدًّا: «أمام هذا الإنجيل كثيرًا ما يكون عندنا ميل أن نفكّر في الأمور غير الأساسيّة.»
مثلما حدث البارحة مع طفل كان جالسًا بجانبي في القدّاس. طوال الوقت يسألني عن الإنجيل، وكنت أشرح له الإنجيل: من هو السامري الصالح؟ ومن هو السامري الصالح؟ ظلّ يسألني حتى أوصلت له أنّ السامري الصالح هو يسوع. فقال لي: «حسنًا، وماذا صنع باللصوص؟» الإنجيل لا يقول شيئًا عن اللصوص، ولا عن مَن ضربوه. وكثيرًا ما يكون عندنا ميل أمام هذا الإنجيل أن نفكّر بالأوقات السوداء في حياتنا ونبدأ نضع اللوم على الأشخاص الذين آذونا أو أساءوا إلينا، بينما هذا الإنجيل يقول لي أمرًا مهمًّا: إنّه في اللحظة التي لم يكن هذا الرجل يتوقّع فيها تدخّل السامري الصالح، أتى السامري الصالح، وهو يسوع، وانتشله من موته.
وهو يقول لي اليوم، ويقول لكلّ واحد منّا: لا تنظر إلى تلك الفترة السوداء في حياتك من دون أن تنظر إلى يسوع الذي انتشلك. مَن أحبّك غير يسوع؟ مَن رحمك غير يسوع؟ مَن أعاد إليك كرامتك غير يسوع؟ هو الذي، في كلّ مرّة طُرحت فيها عن الطريق، أعادك إلى الطريق. هو الذي، في كلّ مرّة قتلك فيها أحدهم — وليس مهمًّا من قتلك — أعاد إليك الحياة. هو الذي، في كلّ مرّة دخلتَ فيها في خطيئة، منحك رحمته وأقامك من جديد. وهذا ما كان يسوع يقوله لذلك الإنسان، لذلك العالِم بالشريعة. وهذا ما يقوله اليوم لكلّ واحد منّا.
دعونا، قبل أن نتابع عظتنا، نتوقّف لحظة. كلّ واحد منّا ليفكّر في تلك اللحظة الموجعة في حياته. ولكن، اليوم، ليفكّر فيها بنور يسوع. ليفكّر في كلّ لحظة ظهر فيها يسوع فجأة في حياته من خلال شخص لم يكن يتوقّع أبدًا تدخّله، وأعطاه حبّ يسوع بكلمة لم يكن ينتظر أن يسمعها، وفجأة غيّرت قلبه. أو بحدث رآه في حياته، فتغيّرت حياته ودخل في التوبة بنور لم يكن يتوقّعه. فجأة أضاءت حياته وتبدّلت كلّها في لحظة لم يكن يتخيّلها.
أو وجد نفسه يقرّر أن يعترف، والتقى كاهنًا وقال له: «أريد أن أعترف»، وألقى بخطاياه كلّها أمامه. فلنأخذ لحظة صغيرة، أنا وأنتم، نفكّر فيها بتلك اللحظة السوداء التي مررنا بها، وفي قلبها كيف أضاء يسوع بنوره في حياتنا.
تأثّرت كثيرًا في الإنجيل عندما أجاب عالِم الشريعة في النهاية، إذ قال ليسوع: «الذي صنع معه الرحمة.» لقد أدرك الأساس. قال له: «مَن قريبك؟» أجابه: «الذي صنع معي الرحمة.»
تذكّر رحمة الله في حياتك. تذكّر أنّ هذا هو الأساس الذي يعطي معنًى لحياتنا. في كلّ مرّة نتذكّر فيها محبّة الله ورحمته في حياتنا، مثلما نفعل في هذا القدّاس، ماذا نفعل؟ إنّنا نتذكّر محبّة الله ورحمته ونشكره عليهما. في كلّ مرّة نتذكّر محبّة الله ورحمته في حياتنا، فهذا يدفعنا أيضًا لنصنع نحن أعمال رحمة: يأتي إلينا إنسان مكسور، فبدلًا من أن ندينه، نرحمه. يأتي إنسان مجروح، فبدلًا من أن ننبذه، نحتضنه. يأتي إلينا إنسان ميِّت، فبدلًا من أن ندفنه، نُقيمه بالرحمة.
فلننهي هذه العظة — إذا جاز أن نسمّيها عظة — بهذه الطريقة: أن نأخذ أيضًا لحظة صغيرة نفكّر فيها، كلّ واحد منّا، في شخص وضعه الربّ في طريقه، إنسان مجروح، مكسور، متألّم، ربما ثقيل الطباع، ربما لا نحتمله هذه الفترة. لنرحمه. واليوم، الربّ يدعوني أن أصنع كما صنع هو معي. قال له يسوع: «اذهبْ واصنعْ أنت أيضًا كذلك.»
فلنأخذ لحظة صغيرة نفكّر فيها بشخص نضعه بين يدي يسوع، ونضع قلبنا الذي كثيرًا ما يكون متحجّرًا بين يديه، ونقول له: «يا ربّ، كما رحمتني يومًا من الأيّام، وكما أحببتني يومًا من الأيّام، وكما أقمتني من موت يومًا من الأيّام — وما تزال تفعل ذلك كلّ يوم في كلّ مرّة أسمع قدّاسك وأسمع كلمتك — يا ربّ، دعني أكون أنا أيضًا صوتك وكلمتك وحبّك في حياة إنسان واحد، أنت وحدك تعرف من وضعته على طريقي.
