الكلمة التي أعدَّها الله لنا اليوم هي كلمة تتكلّم عن واقع حياتنا. مَن منّا اليوم ليس متعبًا؟ من منّا لا يشعر برغبةٍ في إرخاء يديه؟ لم أعُد أُريد أن أعمل مجهود، لم أعُد أُريد أن أفعل الخير، لم أعُد قادرًا أن أكون صالحًا.
إخوتي، القراءة الأولى تُرينا صورة موسى رجلِ الله: صورة الشريعة، والقائد، والمعلّم في الصلاة، الذي يقتدي به الناس. كان يقود الشعب، وفي لحظةٍ وجد نفسه لا يعود قادرًا أن يرفع يدَيْه؛ تعب فأرخى يديه. وأنا وأنتم إخوتي، في محطاتٍ كثيرة، ننظر فنجد أنّنا لم نعد قادرين أن نُمسك دفّة حياتنا. وضعنا الله أحيانًا في موضعٍ يلتفت فيه الجميع إلينا، لكنّنا غير قادرين. أنا اليوم أبٌ، في عنقي عائلة، تنظر إليّ وتراني أبًا «ينبغي أن أكون قويًّا»، لكن في داخلي لم أعُد قادرًا. وأنا أمٌّ، لي دعوة أن أكون أمًّا صالحة أُربّي أولادي، أنظر فأجدني لا أقدر، أريد أن أرخّي. وفي العمل يقولون لي: ألستَ تصلّي؟ ألستَ تداوم على القدّاس؟ ألستَ من هذه الجماعة؟ ألستَ مسيحيًّا؟ ثم أجد حياتي في مواضع كثيرة مترهِّلة؛ لا أستطيع أن أثبّت.
والجميل أنّ الإنسان وحده لا يقدِر أن يثبّت نفسه؛ يحتاج إلى أخٍ بقربه، يحتاج إلى جماعة. والأجمل أنّه كثيرًا ما يكون أشخاصٌ بقربنا، لكن أين المشكلة؟ إن لم نجد نحن وهُم «الحجر» الذي أعطاه الله لموسى: وضعوا له حجرًا فجلس عليه، وأسنَدَ أخوه يديه فثبتتا. كثيرون بقُربنا يحتاجون هم أيضًا إلى حجرٍ وسند. إن كنتِ اليوم في البيت تنتظرين زوجكِ «ليُقيمكِ ويُثبّتكِ»، فلولا يسوع بينكما تذهبان إلى الهاوية. وإن كنتُ اليوم في دعوتي مع أخٍ لي، فلولا يسوع يُثبّتنا معًا ننجرف إلى المهوار. ما السرّ اليوم؟ على ماذا أتّكئ؟ مَن هو الحجر في حياتي؟ مَن الصخرة؟ مَن حجر الزاوية؟
أُحبّ كثيرًا هذه الخبرة التي نعيشها مع الله كلّ مرّة: أمام صعوبات حياتي أقف أمام الله، أنظر إليه وأقول: لماذا يحدث معي هكذا؟ كثيرًا ما نرى فنقول: ظلَمني! لماذا حمّلني كلّ هذا الحمل وأنا لستُ له؟ لماذا أعطيتني هذه الدعوة وأنا لستُ أهلًا لها؟ لماذا وضعتني في هذا الموضع وأنا لستُ بقَدْره؟
والجميل أنّ خبرة الأرملة أمام القاضي الظالم هي خبرتي وخبرتكم. امرأة فقيرة، متعبة، بائسة، مسلوبٌ حقُّها، وقفت أمام قاضٍ ظالم لا يخاف الله ولا يهاب الناس. نظرت فوجدته لا يتجاوب، فظلّت تُلحّ وتُلحّ وتُلحّ، وفي النهاية قال: «أعطوها ما تريد لِتُريحني». أعطانا الربّ هذا المثل ليُعلّمنا معنى الإلحاح في الصلاة: ماذا ينفع أن نُلحَّ في الصلاة؟
أعطانا هذا المثل ليشرح لنا ماذا يعني أن نُلِحَّ في الصلاة. نظنّ أحيانًا أنّ الله يقول: «كما أنّ القاضي الظالم، بسبب إلحاحكِ، أعطاكي ما تُريدين، فأنا أيضًا إن تُلِحّيتِ عليّ أعطيكِ ما تُريدين». لكننا لا ننتبه إلى التفصيل الأجمل: «إن كان القاضي الظالم، ومن أجل إلحاحكِ، أعطاكِ، أفلا أعطي أنا؟» — نعم، ولكن هذا ليس الأهمّ. أتدرون ما المهمّ؟ يقول: «متى جاء ابنُ الإنسان، أيلقى الإيمان على الأرض؟»
في اليوم الذي يعطينا فيه الله ما نُريد لأنّنا ألحَحنا، ماذا يحدث؟ أَنَعود فنُعامله بذهنيّة المُقايضة؟ «أما كان بإمكانك أن تعطيني من دون إلحاح؟ هل يلزمني أن أعمل تساعية تسعة أيّام لتُعطيني؟ هل يجب أن أصوم أربعين يومًا لتُعطيني؟» فننحدر في خبرتنا مع الله إلى شعورٍ بالظُّلم: «إن لم تُعطني المال فأنت ظالم!» أمّا هو فيقول: المهمّ ليس أن تأخذوا ما تريدون، بل أن تدخلوا خبرة الإيمان.
وما هي خبرة الإيمان يا إخوتي؟ يقول القدّيس برناردوس: للمسيح مجيئان ظاهران — الأوّل بالتواضع حين تجسّد، والثاني بالمجد في آخر الأزمنة — وبينهما مجيءٌ ثالث، يأتي فيه إلى حياتنا كلّ يومٍ بالإيمان. ماذا يصنع هناك؟ الله لا يعاملنا بمنطق التجارة، لا يأتي ليبادلنا: «أُعطيك ما تُريد لتعطيني ما أُريد». في هذا المجيء يعطينا ذاته، يأتي هو!
ماذا يعني هذا اليوم؟ يعني أنّك أمام الله تكتشف أنّ الأهمّ أن تدخل الإيمان: في عتمة حياتي، في ظُلمي الذي أعيشه، في موضعي الذي أتعب فيه، هناك مَن يأتي لزيارتي؛ مَن يأتي ليبحث عنّي في ذلك الموضع؛ مَن يُحبّني في تعبي؛ مَن يُحبّني في ضعفي؛ مَن يفتّش عنّي في خطيئتي. دعوني أقول لكم: كثيرًا ما تُحلّ مشكلاتنا، لكنّنا لا نكون سعداء. كثيرًا ما تُستجاب مطالبنا — وإن كان القاضي الظالم أعطاها فالله قادر أن يعطي — لكنّ هذا ليس ما يصنع السعادة. ما الذي يُفرح قلبي؟ الإيمان. وما الإيمان؟ أنني، في ضعفي وخطيئتي، أعلم أنّك تُحبّني؛ أعلم أنّ قلبي يحيا منك أنت؛ أختارك أنت؛ أعلم أنّك أنت المهمّ اليوم في حياتي.
واليوم هذه البشارة قادرة أن تُغيِّر قلبي أينما كنتُ وكيفما كنتُ ومهما كثُرت صعوباتي. لأنّ قولي: «إنّي أرخيتُ وتعبتُ وقلتُ: يا ربّ لم أعد أقدر»، ليس خطيئة. أتعرفون ما الخطيئة؟ أن أُغلق قلبي وأقول: «لا أُريدك». يقول البابا فرنسيس: الله لا ينزعج إن صرخنا إليه أو جادلناه؛ ما يُحزنه أن نُغلق الباب ونقول: لا أُريد أن أحاورك ولا أن ألقاك.
إخوتي، أمام تعبنا لا ينظر الله فيحكم علينا ويقول: «ألا تعلمون؟» بل يقول: «اختبروا معي فرصة إيمانٍ في تعبكم وفي خطيئتكم؛ أنا اليوم آتٍ لأزوركم، هذا هو مجيئي في حياتكم». لذلك، فلنفتح قلوبنا لهذا «المجيء الثالث» الذي يُريد الربّ أن يصنعه اليوم في حياتنا بالإيمان. هذه الخبرة التي نحن مدعوّون أن نفتح قلوبنا لها.
أدعوكم أن نأخذ دقيقةً نتأمّل فيها هذه الكلمة، ونضع أمام قلوبنا ذاك الذي يأتي يسوعُ اليوم ليزوره: يأتي إلى تعبنا وضعفنا واستسلامنا، إلى الموضع الذي لم نعد نقوى فيه على الوقوف، لكي نختبر معه فرصة قيامةٍ وفرصة حياةٍ جديدة.
