كلمةُ الربِّ اليوم كلمةٌ مهمّةٌ لحياتنا، خصوصًا أمام خبرتنا في الإيمان التي نعيشها أحيانًا بمزاجيّة وأحيانًا بتقلّب. أوقاتًا نشعر أنّنا بخير، أنّ الأمور تسير كما ينبغي، وأوقاتًا أخرى نشعر أنّها لا تسير.
مرّةً نقول: ما أجمل هذا القلب، ما أريحه، أنا في سلام. ومرّةً أخرى نشعر بفراغٍ وجفاف، ولا نشعر بشيء.
والجميل، إخوتي، أنّ القراءة الأولى تصف الإنسان وصفًا عميقًا، إذ تقول إنّ الإنسان مثل العشب، وجماله مثل زهور الحقل: العشب ييبس، والزهور مهما كانت جميلة، في النهاية تسود وتذبل وتزول.
اليوم أنت شامخ وعالٍ، وأيامك في أوجها، ثم يأتي وقت تشعر فيه أنّك صرت على الأرض، أنّ كلّ شيء انتهى.
اليوم تشعر بالقوّة وتفعل ما لا يُفعل، وغدًا يكفي أمرٌ صغير في صحّتك ليكسرك، فلا تعود قادرًا على شيء.
اليوم يقال لك: ما هذا الجمال! وغدًا تكبر، وتتجعّد، ويبهت كلّ شيء. جمال الزهور يذبل.
ويقول أن أمام هذا العشب الذي ييبس وهذه الزهور التي تذبل، يُدعى الإنسان أن يعيش خبرة! اخوتي طبيعة هذا العالم الذي كلّ ما فيه يزول، ليست طبيعة لتخيفنا، أو لتهدّدنا، أو كي تقول لنا اننا أمام خطر دائم. هي تظهر موقف الانسان الذي يأخده متمسكاً بما بقي.
وهنا يُدعى الإنسان أن يتوقّف، وأن يتّخذ خيارًا في حياته، وأن يقول:
يا رب، في هذا العالم، ما الذي يبقى؟ ما الذي يدوم؟ ما الذي لا يزول؟
حتى أشكال البشارة تتبدّل. أعجبتني كثيرًا الرسالة التي أعطاها بولس: أحيانًا نرى الإنسان قويًّا، وأحيانًا نراه ضعيفًا، مرّةً متواضعًا، ومرّةً نشعر فيه بالعكس. كلّ شيء يتغيّر.
لكن السؤال يبقى: ما الذي لا يزول؟ ما الذي يبقى؟
يقول: العشب ييبس، والزهور تذبل، أمّا كلمتي فتبقى.
وكلمة الله ليست كلامًا عابرًا؛ كلمة الله هي الله ذاته، هي حضور الله بذاته.
وفي الإنجيل، نرى ما الذي جعل يوحنّا يتعرّف على يسوع. وهذا مرتبط مباشرة بما نتكلّم عنه اليوم.
أتعرفون ما كانت العلامة التي جعلت يوحنا أن يرى و يشهد و يعرف ان هذا ابن الله؟
قال يوحنّا: رأيتُ وشهدتُ أنّ الروح القدس نزل عليه واستقرّ عليه.
وهنا أطرح السؤال على نفسي وعليكم: لماذا يطير الروح القدس من حياتنا؟
أخرج من الكنيسة وقد أخذتُ كلمة جميلة، وأقول: ما أروع هذا الأحد!
ثم أجد جاري قد وضع كيس النفايات في غير مكانه، فأغضب… فيطير الروح.
أجد أخي يذكّرني بمشكلة قديمة بيني وبينه، فأغضب… فيطير الروح.
أعود إلى البيت وأنا مملوء من الروح القدس، ثم كلمة واحدة من زوجتي أو من أحد أولادي تُعكّر صفوي… فيطير الروح.
يأتي يوم الاثنين، وأعود إلى دوّامة العمل والمشاكل والضغوط… فيطير الروح.
لكن ما هي العلامة التي أعطاها يوحنّا عن ابن الله؟
قال: الروح نزل عليه واستقرّ.
وهنا بيت القصيد:
ما الذي يجعلني أنا وأنتم اليوم أبناء الله؟
ما الذي يجعلك ابنًا لله؟ وما الذي يجعلك ابنةً لله؟
أن أسمح لروح الله أن يستقرّ في حياتي.
أن أعرف، وسط العواصف، ووسط المشاكل، ووسط كلّ الصعوبات، أنّ روح الله معي، وأنّني ابن الله.
صدقوني، إخوتي، من يواجه مشاكله وهو ابن، ليس مثل من يواجهها وهو وحيد.
ومن يواجه مشاكله وروح الله مستقرّ فيه، ليس مثل من يواجه الحياة من دون روح الله.
نقولها ببساطة في لهجتنا:
هذا الإنسان ظاهر عليه روح الله.
روح الله في وجهه، روح الله يضيء فيه.
وهذه الكلمة ليست نظريّة، بل خبرة نعيشها في الداخل.
أن أصدّق أنّني، في مشاكلي، محبوب.
ما هو روح الله؟ هو حبّه.
حين أتذكّر أنّ روح الله مستقرّ فيّ، يعني أنّ هناك من يحبّني حبًّا لا يتغيّر.
كلّ شيء يزول، كلّ شيء ييبس، كلّ جمال يذبل، الناس تتغيّر، لكن حبّ الله لا يتغيّر.
لهذا، إخوتي، بهذا الرجاء الذي يعطينا إيّاه الرب اليوم، وفي هذا الحضور المقدّس، فلنضع قلوبنا، وضعفنا، ومشاكلنا، وتاريخنا، وقصّة حياتنا.
قد تكون هناك فصول تذبل، وأخرى تيبس، وأخرى تشيخ.
لكن فلنتمسّك بالثابت، ولنثبت في الحبّ من جديد، ولنثبت معه، لأنّه هو الثابت، وهو الذي لا يزول ولا يرجع إلى الوراء.
أدعوكم أن نأخذ دقيقة صمت، نتأمّل بهذه الكلمة، ثم نتابع القدّاس.
