الله معكم إخوتي،
أعود وأكرر وأعبّر عن مدى فرحتنا الكبيرة في هذه البازيليك، لكون القديسة تريزيا الطفل يسوع تزورنا. وما يزيد الفرح عمقًا أنها تتزامن مع ذكرى الظهور الأول للعذراء مريم للقديسة كاترين لابوري، التي من خلالها أعطتها في هذه الظهورات الأيقونة العجائبية، والتي يحبها كثيرون منا، وهذه الكنيسة مكرسة على اسم هذه الأيقونة.
واليوم أيضًا، يا إخوتي، “الصدفة” هي أجمل وأعمق، لأن إنجيل هذا الأحد يُظهر لنا شذرة من روحانية كل قديس من هؤلاء القديسين، هؤلاء الثلاثة معًا.
القديس، إخوتي، في حياته يكشف لنا شذرة من يسوع المسيح، قطعة صغيرة يختارها من حياته، وتكون هي طريقه نحو القداسة.
أما الإنجيل، إخوتي، فهو الذي يقدّم لنا يسوع المسيح الكامل، مشروعه الكامل والكبير.
القديس لا يضيف شيئًا على الإنجيل، لا يقدم روحانية مضافة على ما علّمنا إياه يسوع المسيح، بل يختار وجهًا واحدًا، ويكون هذا الوجه هو سبب قداسته.
واليوم، في هذا الإنجيل، سنتأمل بحقيقتين مهمتين تبنّتهما القديسة تريز الطفل يسوع في حياتها، وكانتا طريقها المختصر نحو القداسة.
وكذلك القديسة كاترين لابوري، التي اختارت هذا الطريق، وكان سببًا لقداستها.
كم تأملنا، إخوتي، في هذا الإنجيل ورأينا فيه أن الحياة المسيحية هي عمل وصلاة! مرثا، التي تعمل، تمثّل الفعل؛ ومريم، التي تصلي، تمثّل التأمل والصلاة.
ولكن في هذا الإنجيل هناك تفصيل صغير، دقيق، ولكنه بالغ الأهمية: الإصغاء يسبق الفعل.
لأن كل فعل نقوم به في حياتنا، إن لم يكن مبنيًّا أولًا على الإصغاء والثقة بالله، يبقى ناقصًا.
هذا ما يظهر في الإنجيل: مرثا التي تعمل، ومريم الجالسة عند قدمي يسوع.
تقول مرثا للرب: “يا رب، أما تبالي بأن أختي قد تركتني أخدم وحدي؟ قل لها أن تعينني!”
فتبدو مرثا مشوّشة.
فيجيبها الرب: “مرثا، مرثا، إنك تهتمين وتضطربين لأجل أمور كثيرة.”
لماذا العمل يحمل هذا الهم والاضطراب؟ لأنه حين لا يُبنى على الثقة بالله، بل على الخوف، يتحوّل إلى قلق واضطراب.
وغالبًا ما نرتمي على مجهودنا الشخصي عندما نكون خائفين.
وأصعب ما يكون، أن نثق بالله ونحن في الخوف.
لذلك، حين يكون العمل نابعًا من خوف وتعب، لا يكون فيه سلام، ولا يكون فيه اتكال، بل قلق وهم، كما حدث مع مرثا.
لأنها لم تسبق العمل بالإصغاء لمشروع الله.
أما مريم، فقد جلست عند قدمي يسوع، لتصغي له، لتطلب نعمته، لتفهم إرادته لحياتها.
وهذا ما فعلته تريز أيضًا.
القديسة تريزيا، كما نعلم، كانت تريد أن تكون مرسلة، تنتقل من بلد إلى آخر لتبشّر بيسوع المسيح.
لكنها انتهت في الدير.
وهناك، في قلب الكنيسة، قالت: “يا أمي، سأكون الحب!”
حين فتحت قلبها للإصغاء ليسوع المسيح، حين بدأت تسأل إرادته لحياتها، اكتشفت دعوتها: أن تسلك الطريق البسيط.
وبهذه الحياة القصيرة – 24 أو 25 سنة فقط – أصبحت واحدة من أصغر القديسات في الكنيسة، بل مُعلّمة للكنيسة.
لأنها وصلت إلى القداسة في وقت قصير، إذ قبلت أن تصغي أولًا، أن تكون مريم، قبل أن تكون مرثا.
لم تترك نفسها للقلق أو الشك، لم تقل: “ربما الله لا يسمعني، سأقوم بمشروعي بنفسي، أضمنه بيدي.”
بل وثقت بالله، وعاشت ثقة كبيرة بالرّب يسوع، بمشروع الآب السماوي في حياتها.
وهذه الثقة العظيمة هي التي جعلتها قديسة بسرعة كبيرة.
وكاترين، القديسة كاترين، في الظهور الأول لها في ليلة 18–19 تموز، ماذا قالت لها العذراء؟
قالت لها: “تعالي عند أقدام هذا المذبح، وستنالين كل النِعم.”
وكانت هذه الرسالة ليس فقط لكاترين، بل لكل الناس، لكل المؤمنين.
ولهذا طلبت منها العذراء أن تطبع الأيقونة العجائبية، لتصل هذه الرسالة: “عند أقدام هذا المذبح، تلتقون بصوت الحقيقة، وتلقون النعمة الحقيقية، التي هي يسوع المسيح.”
هذا ما فعلته مريم في الإنجيل:
مرثا ذهبت لتعمل، لكن مريم ارتمت عند قدمي يسوع، لتفهم إرادته لحياتها، لتتعلّم كيف تكون مسيحية.
كما تعلّمت تريز الطفلة يسوع كيف تكون “الحب” من عند أقدام الرب، من روحه، من تأملها في حضوره.
لذلك، إخوتي، ونحن نتأمل اليوم في حضور هذه الذخائر، يجب أن نعرف:
الذخائر ليست علامة على ألوهية تريز. لا شيء إلهي هنا.
هي عظام، تابوت يذكّرنا بضعف الحالة الإنسانية للقديسة.
ومن المهم أن نتذكّر هذه الحقيقة:
تريز وكاترين لم يكن لديهما قوى خارقة.
كانتا مثلنا، نساء عاديات، لكن ما فعله الفرق هو أنهما التقيتا بضعفهما، وخطيئتهما، وهشاشتهما، وقبلتا هذه الحقيقة، ووضعنها بين يدي الله.
هكذا صاروا قديسات.
الذخائر موجودة لتذكّرنا أن تريز قديسة، نعم، ولكن ليس بسبب قدراتها، ولا بسبب أفعالها، بل لأنها وثقت بالله، ولم تقرر وحدها، بل سمعت له.
تريز وكاترين عرفن ضعفهن، لكنهن وضعنه بثقة في يد الله، فسكب نعمته في قلوبهن.
وكما سكبه فيهن، سكبه أيضًا فينا، منذ المعمودية، ويستمر في سكبها كل لحظة، عند أقدام هذا المذبح، كما قالت العذراء لكاترين.
فمهما حصل في هذه الحياة، تعالَ إلى أقدام هذا المذبح، والرب سيسكب نعمته في قلبك، ليكون مشوار حياتك مشوار قداسة على مثال هؤلاء القديسات.
فلنطلب من الرب النعمة، في هذا الوقت، ونتذكّر أننا مثل تريز وكاترين، الفرق الوحيد هو أنهنّ وثقن بالله في أوقاتٍ لم يكن فيها أي أمل، فوضعن كل ثقتهن به.
وطلبن النعمة عند أقدام هذا المذبح، فاستجاب الرب.
بهذه الثقة، أصبحوا منارات تُضيء الطريق:
الإنسان، رغم ضعفه، بلقاءه الحقيقي مع الرب، بالثقة التي يضعها فيه، قادر أن يكون قديسًا.
إخوتي، نأخذ دقيقة كي نتأمل فيها بهذه الكلمة.
