الله معكم، إخوتي.
نحتفل اليوم بعيد الدنح، عيد عماد الرب يسوع المسيح. وهذا العيد مهمّ جدًا، لأنه يشكّل أيضًا فرصة لكي يتذكّر كلّ واحدٍ منّا معموديّته. فما الذي يقوله لنا الإنجيل؟ وما الذي يقوله لنا هذا العيد عن حياتنا المسيحية؟
كما رأينا في هذا الإنجيل، كان يوحنا يعمّد بالماء، معمودية توبة. كان يدعو الناس إلى مراجعة جديّة لحياتهم، إلى قراءة ذاتيّة عميقة، وإلى الاعتراف بضعفهم. وأولى خطوات التوبة هي أن يعترف الإنسان بخطيئته ويقرّ بها.
ما كان يفعله يوحنا هو، إذا صحّ التعبير، نصف الخلاص، أو الشقّة الأولى منه. كان يمثّل شريعة موسى: الوصايا العشر – لا تقتل، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشهد بالزور، أكرم أباك وأمك… كلّنا نعرفها. هذه الوصايا، قبل يسوع المسيح، لم تكن أكثر من معايير يكتشف الإنسان من خلالها أنّه خاطئ، لا أكثر ولا أقل. بهذه الشريعة، وبهذه الدعوة إلى التوبة التي كان يعلنها يوحنا، كان الإنسان يُدعى إلى اكتشاف خطيئته فقط. ولم يكن هناك، قبل مجيء يسوع المسيح، أكثر من ذلك.
في تلك المرحلة، لم يكن أمام الإنسان سوى الاعتراف بالخطيئة والوعي بأنه خاطئ. وكأنّ الشريعة كانت تشير إلى الخطيئة وتسمّيها واحدةً واحدة. وهذا أمر مهم، لأنه القسم الأول من الخلاص.
لكن يوحنا لم يكن يتوقّع أبدًا أن يأتي يسوع المسيح ليعتمد على يده. لذلك قال له: «أنا الذي أحتاج أن أعتمد منك، وأنت تأتي إليّ؟ أنت المخلّص، لا أنا. أنت الذي يجب أن تعمّدني، لا العكس».
ومع ذلك، لم يرفض يسوع. لم يرفض أن ينزل إلى الماء على يد يوحنا المعمدان. لماذا؟
أولًا، لأن يوحنا، كما اليهود جميعًا، كان ينتظر المخلّص بصورة معيّنة: مخلّصًا يأتي بالقوّة، بالسيف، ليقهر الأعداء، ومعه جيش عظيم. لم يكن أحد يتصوّر الخلاص الذي سيقدّمه يسوع: الصليب، والموت على الصليب.
لذلك، كانت أول خطوة قام بها يسوع هي قبوله أن يعتمد على يد يوحنا، لكي يكسر هذه الصورة النمطيّة عن المخلّص: كيف يأتي، وبأيّ شكل يأتي.
قول يوحنا: «أنا لا أعمّدك، بل أنت تعمّدني»، يضعنا نحن أيضًا أمام ذواتنا. يذكّرنا بكيفيّة تفاعلنا مع الله عندما نعي ضعفنا، وعندما ندخل في مسيرة التوبة التي دعا إليها يوحنا، ونعترف بخطايانا ونسميها.
غالبًا ما تكون لنا ردّتا فعل:
الأولى، أن نقول: «يا رب، أنا لست أهلًا لك. أنا خاطئ، ضعيف، مليء بالعيوب، لا أستحقّ أن تقترب منّي». وهذه أول تجربة من تجارب الشرير.
والثانية، أن ننكر ضعفنا: أعرف أنني ضعيف، أعرف أن لديّ خطايا، لكنني أقول: «لا، أنا بخير، أنا صالح، أنا مسيحي جيّد»، فأشعر أنّني أستحقّ أن أقترب من الرب يسوع.
هاتان ردّتان خطيرتان.
أمّا يسوع المسيح، فطريقته مختلفة تمامًا. طريقته هي النزول. النزول إلى عمق حياة الإنسان، إلى حالة ضعفه. وقد بدأت هذه الطريقة في مغارة بيت لحم، في سرّ التجسّد. في التجسّد، نزل الرب يسوع، هو الذي كان مع الآب في السماء، وأخذ جسدنا، وأخذ حالتنا الإنسانية.
هكذا يخلّص الله: لا يقول «ابتعد عنّي لأنك غير طاهر». هذا تفكير البشر، وكان تفكير يوحنا في تلك اللحظة. أمّا الله، فنزل إلينا في التجسّد. لم نصعد نحن إليه، بل هو الذي جاء إلينا.
وفي العماد، هناك فعل نزولٍ ثانٍ، أعمق. لم يقبل يسوع إلا أن يعتمد على يد يوحنا المعمدان، لكي يغوص في قلب خطايانا. مياه الأردن، التي كان الناس ينزلون إليها لتغتسل من الأوساخ، صارت حاملة لخطايا البشر كلّها. في هذا النزول إلى الماء، نزل يسوع إلى قلب خطيئتنا وضعفنا، دون خوف. لأن هذه هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها أن يرفعنا.
وكانوا ينزلون الإنسان في الماء ثم يرفعونه، علامة على الموت مع المسيح، ثم القيامة معه: موت عن الخطيئة وقيامة لحياة جديدة.
لذلك، المعمودية هي نزول الله إلى أعماق حياتنا، إلى ضعفنا، إلى تلك الأماكن التي نخاف أحيانًا أن نسمّيها أو نعترف بها. يسوع يأتي ليغوص فيها.
ويقول يوحنا: «يأتي من هو أقوى مني». أقوى من ماذا؟
يوحنا يعمّد، يوحنا يدعو إلى التوبة، يوحنا يساعدني على الاعتراف بخطيئتي. أمّا الأقوى، فهو الذي يرفعني من الخطيئة، الذي يعطيني الأفق، الرحمة، والحب.
وعندما نزل يسوع إلى الماء وحمل خطايانا وضعفنا، انفتحت السماء. واليوم، في هذا العيد، إذا أردنا أن نتذكّر معنى معموديتنا، نتذكّر هذا الأمر: في كلّ مرة نترك يسوع ينزل إلى ضعفنا، تنفتح السماء أمامنا.
يا لها من صورة جميلة: كلّما تركت الله يدخل إلى خطيئتي ليشفيني منها، تنفتح السماء أمامي. هذا هو فعل الخلاص، وهذا هو فعل البنوة. نحن أبناء الله، وهذه البنوة يعطينا إيّاها الآب من خلال ابنه يسوع المسيح.
بعد قليل سنبارك الماء ونرشّه علينا، لنتذكّر معموديتنا. هذا السرّ الذي يُعطى مرّة واحدة في الحياة، لكن مفعوله دائم لا ينتهي. نحن أبناء الله، ونبقى أبناء الله، حتى لو ارتكبنا أبشع الخطايا.
فلنعد اليوم، مع رشّ الماء، ونتذكّر أن الرب يسوع يريد أن ينزل إلى حياتنا، إلى حياة كلّ واحدٍ منّا، إلى قلب المريض بأنانيّته، بخطيئته، بجسده أو بنفسه، لكي يقيمنا معه.
وكلّ مرّة يتمّ هذا اللقاء بين رحمة الله وحبّه وبين خطيئتنا، تنفتح السماء لنا، ونسمع صوت الآب يقول لكلّ واحدٍ منّا:
«أنت ابني الحبيب الذي به رضيت».
ليس لأنك بلا خطيئة، فليس أحد بلا خطيئة، بل لأنك تركت يسوع يدخل إلى ضعفك ليمنحك نعمته ورحمته.
