عظة الأب شربل نادر – ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٥

الله معكم، إخوتي.

أتأمّل معكم اليوم في هذه القراءات الجميلة التي تحمل في طيّاتها الرجاء والحياة، بالرغم من أنّ كثيرين منّا في هذا اليوم يشعرون بحسرةٍ في قلوبهم، لأنّه مَن منّا لا يملك ميتًا؟ مَن منّا لم يفقد أحدًا أحبّه، رحل عن هذه الحياة، ولم يعد موجودًا معنا؟

وأحيانًا، إخوتي، نخطئ حين نظنّ أنّ موتانا توقّف فيهم الزمن، وأنّهم تجمّدوا في مكانهم، فيما نحن فقط الذين نتابع المسير إلى الأمام. هذا غير صحيح. لأنّ موتانا سبقونا. هم خطوا خطوةً إلى الأمام، صاروا أقرب إلى الله، أقرب إلى القيامة، أقرب إلى نيل الحياة الأبديّة التي وُعِدنا بها جميعًا.

نحن المتأخّرون، لا هم.

فالموت، إخوتي، ليس نهاية، بل عتبة. وموتانا خطوا تلك العتبة، وصاروا في حضرة الله، فيما نحن ما زلنا ننتظر. ومع ذلك، يبقى في قلوبنا حزن، وهذا أمر طبيعي. لا تصدّقوا من يقول لكم إنّ المسيحي لا يجب أن يحزن أو يبكي. لست أتحدّث عن بكاءٍ لا يتوقّف، بل عن الحزن الطبيعي الذي يعبّر عن عمق العلاقة. لأنّ الإنسان عندما يفقد شخصًا عزيزًا، لا بدّ أن يتألّم.

إن لم نحزن، فهناك خلل فينا، إمّا لأنّ علاقتنا بالراحل لم تكن حقيقيّة، أو لأنّ في داخلنا جرحًا نفسيًا غير معافى. فمن غير المعقول أن يقف الإنسان الطبيعي أمام سلخة الموت، أمام من أحبّهم وعاش معهم، ولا يشعر بالألم.

حتى يسوع نفسه، بكى عند موت صديقه لعازر، لأنّه أحبّه، فبكى وحزن، وهذا طبيعي أن نعيشه نحن أيضًا.

لكن في الوقت نفسه، إخوتي، نحن مدعوّون أن نحذو حذو موتانا. هم خَطَوا خطوةً نحو الله بالموت، ونحن مدعوّون أن نخطو نحن أيضًا خطوةً نحو الله في علاقتنا مع لحظات الموت التي عشناها. تلك اللحظات التي فيها فقدنا من نحبّ، لا يجب أن تكون نهاية، بل مناسبة لنرفع نظرنا نحو الوعد الإلهي.

ذلك الوعد الذي قال عنه الرب يسوع:

«من سمع كلامي وآمن بمن أرسلني فله الحياة الأبديّة، ولا يُدان، بل انتقل من الموت إلى الحياة.»

نحن ورثة الحياة، أبناء الحياة.

وإذا تأمّلنا بعمقٍ في حياتنا، نجدها مليئةً بالفرح والألم، بالنجاحات والصعوبات، بالعلاقات الغنيّة وبجمال الخلق. ومن الصعب أن نصدّق أنّ كلّ هذه الخبرات، وهذه اللحظات القويّة التي نعيشها، يمكن أن تنتهي بالموت! أليس كذلك؟

كم من مرّة وقفنا أمام جمال الحياة وقلنا: “غير معقول أن تنتهي هكذا!”

وهذا الإحساس، إخوتي، هو بحدّ ذاته دليل على حقيقةٍ أعمق، لأنّ الله خلقنا للحياة، لا للموت. هو وضع فينا شوقًا إلى الأبد، لذلك لا نستطيع أن نقبل بسهولة فكرة الفناء.

لكنّنا، من جهةٍ أخرى، لا يمكننا الاعتماد فقط على إحساسنا الداخلي، لأنّنا ضعفاء، وكلّ ما يصدر من الضعف لا يمكن أن يدوم. لذلك نحتاج إلى من يؤكّد لنا هذه الحقيقة الوجوديّة التي نحملها في داخلنا.

وهذا ما نسمعه في القراءة الأولى من سفر أيّوب:

«إنّي لعالمٌ بأنّ فاديّ حيّ، وسيقوم آخرًا على التراب. وبعد أن تفنى هذه الأعضاء، من جسدي أعاين الله، الذي أنا أعاينه بنفسي، وعيناي تريانه لا غيري.»

ما أعظم هذا الاعتراف!

أيّوب يعلن ثقته بأنّه سيقوم من بين الأموات، ليس لأنّه اختبر القيامة، ولا لأنّه رأى أحدًا قام، بل لأنّه يعرف أنّ إلهه حيّ.

فإذا كان الإله الذي خلقه حيًّا، وهو قد خُلق على صورته، فالحياة إذًا مغروسة فيه.

إن كان الله قد غلب الموت، فبإلهنا نحن أيضًا سنغلب الموت.

هكذا، إخوتي، يصبح لدينا أساسٌ متين نرتكز عليه، لا مجرّد شعور داخلي. فالله حيّ، كما قال أيّوب.

ويسوع المسيح يؤكّد: “الذي يؤمن بي لا يخاف”، لأنّه هو إله الحياة، وهو الذي خلقها عن حبّ، ونحن وُجدنا لأنّ الله أحبّنا وأراد لنا الوجود.

وإذا كان الله يريدنا أن نكون موجودين، فحتى براثن الموت لا تستطيع أن تفصلنا عنه، لأنّ حبّه أقوى من الموت.

حبّ الله انتصر على الموت، على الأنانيّة، على الضعف، وعلى الخطيئة.

ونحن، الذين وُجدنا بهذا الحبّ، سيُقيمنا هذا الحبّ من بين الأموات، لأنّ المحبّة التي خُلقنا منها لا تموت.

لهذا، إخوتي، ونحن اليوم نصلّي على نيّة موتانا، فلنقم أيضًا بقراءةٍ لذواتنا، ولنرَ في موتهم صورة موتنا نحن. لأنّنا جميعًا سائرون في هذا الطريق، ولا أحد منّا يهرب من الموت.

لكن اليوم، في هذا الأحد المبارك، وعلى ضوء القراءات، وبنعمة الله، يمكننا أن نقف بثقة ونقول:

الحياة لنا، لأنّنا وُلدنا من الحبّ، والحبّ الذي خُلقنا منه لا يموت.

وكما أقام الآب السماوي ابنه يسوع من بين الأموات، هكذا أيضًا، بهذا الحبّ نفسه، سيقيمنا نحن، لأنّنا خُلقنا منه ومن أجله.

فلنأخذ، إخوتي، دقيقة نتأمّل فيها بهذه الكلمة.