عظة الأب شربل نادر – ١٤ آب ٢٠٢٥

الله معكم إخوتي.

اليوم نحن مجتمعون في هذا العيد العزيز على قلوبنا، عيد انتقال السيدة أمّنا مريم العذراء إلى أحضان ابنها، ذاك الذي رافقته في كل مسيرة حياته حتى الصليب، وبقيت واقفة عنده برجاء وهو يتألّم ويواجه الموت.

وإذا تأمّلنا في النصّ الإنجيلي الذي سمعناه اليوم، وهو قصير لكنّه عميق المعاني في إيماننا المسيحي، نجد امرأة من بين الجموع التي كان يسوع يعلّمها تصرخ وتقول له: «طوبى للبطن الذي حملك، وللثديين اللذين أرضعاك». فيجيبها يسوع: «بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها». للوهلة الأولى قد يظنّ البعض أنّ الرب يسوع يُقلّل من شأن أمّه أو يحوّل النظر عنها، لكنّ قصده في الحقيقة عكس ذلك تمامًا.

يسوع أراد أن يعلّمنا، وخصوصًا في هذا العيد الذي نحتفل فيه بانتقال مريم، أنّ مجد مريم لا يعود فقط لكونها حملت يسوع في أحشائها، بل لأنّها قبلت مشروع الله الخلاصي منذ اللحظة الأولى وحتى النهاية. انتقال مريم العذراء بالجسد والروح ليس امتيازًا عابرًا ولا جائزة ترضية، بل هو علامة لاستحقاقها، إذ جذّرت حياتها في قلب حياة ابنها يسوع المسيح، وظلّت أمينة له في الفرح كما في الألم.

عندما كان يسوع يبشّر ويصنع المعجزات، كانت حاضرة، وحين كان على الصليب ومات أمامها، بقيت واقفة مع يوحنا الحبيب ومريم الأخرى، بينما الرسل خافوا وهربوا إذ بدا لهم أنّ مشروع الله ينهار. في تلك اللحظة البشعة، حيث يعجز الكلام أمام الموت، لم يكن بيد مريم ما تفعله سوى أن تثق بالله الآب، وتؤمن أنّ الكلمة الأخيرة ليست للموت بل لربّ الحياة.

لهذا استحقّت مريم أن تُنتقل بالجسد والروح، ولهذا صارت المثال الأوّل للتلميذ الحقيقي، وصورة للكنيسة التي دعوتها أن تشارك مجد القيامة. وعندما ننظر إلى مريم، نرى مستقبلنا نحن المؤمنين: أجسادنا مدعوّة للقيامة، لا للفساد والزوال في القبور.

اليوم، هذا العيد يذكّرنا أنّنا نحن الذين سلّمنا حياتنا لله، نستطيع أن نرى في مريم صورة مصيرنا الأبدي. فكما لم تستسلم هي للضعف أو الحيرة حين لم تفهم ما يجري، نحن أيضًا مدعوون لنثق بالآب السماوي، ونؤمن أنّ الشرّ والظروف القاسية ليست هي الكلمة الأخيرة، بل الحياة والفرح والرحمة.

فلنتأمّل في مريم التي قالت «نعم» وظلّت أمينة لهذه الـ«نعم» حتى آخر لحظة. ولنقل بثقة: مصيرنا هو مصير الحياة الأبدية، لا الزوال، لأنّ إيماننا من إيمان مريم، وإيمان مريم هو امتداد لإيماننا.

فلنطلب اليوم، بشفاعة مريم العذراء، أن تقوّينا في الإيمان، خصوصًا وسط الظروف الصعبة التي يعيشها كل واحد منّا. هي التي دلّتنا على الطريق إلى ابنها، قادرة أن تنال لنا من الآب السماوي نعمًا كثيرة، كما قالت للقديسة كاترين لابوريه: «عندي نعم كثيرة لا يطلبها الناس».

فليرَ كل واحد منّا الزاوية التي ما زال قلبه فيها ضعيفًا، ويطلب من الله، بشفاعة مريم، أن يملأها ثقة وإيمانًا، لنكون جميعًا ورثة للحياة الأبدية، نعيش الفرح والسلام مع الآب السماوي، لا فقط في الآخرة، بل في كل يوم من حياتنا، بقوّة محبّة الله التي تمكّننا من تخطّي كل صعوبات الحياة.