إخوتي وأخواتي،
القراءة من سفر الرؤيا اليوم مهمّة جدًا بالنسبة إلينا، لأنها تتحدّث عن أناس عاشوا في زمن كتابة سفر الرؤيا، أي في زمن يوحنا، حين كان تلميذ الرب وهو لا يزال حيًّا. وتتحدّث عن الذين تبعوا الحمل، وتقول إن عددهم كان مئة وأربعة وأربعين ألفًا من أسباط إسرائيل.
وهذه نقطة مهمّة جدًا: ليس كل اليهود، وليس كل أبناء إسرائيل، تركوا يسوع ونبذوه. وهذه الصورة تذكّرني بالنبي إيليا، حين ظنّ أنه بقي وحده. فعندما ظهر له الرب في النسيم العليل، سأله: «ما لك ههنا يا إيليا؟» فأجاب، بما معناه: «لقد تركك الجميع، وبقيت أنا وحدي».
لكن الرب قال له: لست وحدك! لقد أبقيتُ لي سبعة آلاف رجل لم تجثُ ركبهم للبعل.
أي: إياك أن تظنّ أنك وحدك. وإياك أن تظنّ أن كلمة الله يمكن أن تنتهي، أو أن عمل الله يمكن أن يتوقّف.
وسفر الرؤيا يؤكّد لنا الأمر نفسه: فمن وسط شعب إسرائيل، حتى في وسط الذين رفضوا المسيح، كان هناك من تبعوه.
ويذكر النص مئة وأربعة وأربعين ألفًا، ثم يشرح: اثنا عشر ألفًا من كل سبط من أسباط إسرائيل الاثني عشر.
وانتبهوا إلى رمزية هذا الرقم: اثنا عشر ألفًا مضروبة في اثني عشر، فتكون مئة وأربعة وأربعين ألفًا. والعدد اثنا عشر في الكتاب المقدّس يحمل معنى الشمول والكمال المرتبط بشعب الله.
وكأن سفر الرؤيا يريد أن يقول لنا: إن أتباع يسوع لا يُحصرون بعرق، ولا بدين، ولا بنوعية معيّنة من الناس. فالخلاص مفتوح للجميع.
ولهذا، بعد أن يتكلّم عن الذين من شعب إسرائيل، ينتقل النص إلى صورة أوسع بكثير، فيقول:
«نظرت، فإذا جمع كثير لا يستطيع أحد أن يعدّه، من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان».
تأمّلوا كم هي جميلة هذه الصورة: جمع لا يستطيع أحد أن يعدّه!
ومن هم هؤلاء؟
عندما يسأل الشيخ عنهم: من هم هؤلاء اللابسون الثياب البيض؟ يأتي الجواب: هؤلاء هم الذين غسلوا ثيابهم وبيّضوها بدم الحمل.
يا لها من صورة غريبة ورائعة!
إذا غسل الإنسان ثيابه بالدم، ماذا يحصل لها؟ تصبح حمراء، وتتّسخ أكثر! أمّا هنا، فيقول سفر الرؤيا إنهم غسلوا ثيابهم بدم الحمل، فأصبحت بيضاء كالثلج.
لأن هذا الدم يطهّر.
هذا الدم ينقّي.
هذا الدم يغسل.
هذا الدم يجعل الإنسان طاهرًا.
وهنا أريد أن أقول لكم شيئًا، يا أخوتي.
الإنجيل الذي سمعناه اليوم يقول:
«طوبى للفقراء بالروح،
طوبى للودعاء،
طوبى للمحزونين،
طوبى للجياع والعطاش إلى البر،
طوبى للرحماء،
طوبى لأنقياء القلوب،
طوبى للساعينا إلى السلام،
طوبى للمضطهدين من أجل البر،
وطوبى لكم إذا شتموكم واضطهدوكم وقالوا عليكم كل كلمة سوء من أجلي».
وانتبهوا إلى أمر مهم: هذه التطويبات هي، بطريقة ما، كمال الشريعة.
كنت أفكّر في هذا الأمر: تطبيق الشريعة وحده لا يجعل الإنسان أبيض القلب. تطبيق الشريعة يجعلك ملتزمًا بالقانون، وهذا أمر مهم، لكنه لا يكفي وحده ليحوّل قلب الإنسان.
يمكن للإنسان ألّا يسرق، لأن الشريعة قالت له: «لا تسرق».
لكن هل يصبح بذلك فقيرًا بالروح؟
ليس بالضرورة.
يمكن للإنسان ألّا يزنِ، لأن الشريعة قالت له: «لا تزنِ».
لكن هل يصبح قلبه بذلك نقيًّا؟
ليس بالضرورة.
يمكن للإنسان ألّا يقتل، لأن الشريعة قالت له: «لا تقتل».
لكن هل يصبح بذلك صانع سلام؟
ليس بالضرورة.
يمكنه ألّا يشهد بالزور، ولكن هل يصبح رحيمًا؟
ليس بالضرورة.
يمكنه ألّا يكذب، ولكن هل يصبح وديعًا؟
ليس بالضرورة.
وهنا النقطة المهمّة جدًا اليوم، يا أخوتي: أن نعرف أن تطبيق الشريعة، بحدّ ذاته، لا يكفي لتنقية القلب.
قد يجعلك إنسانًا لا يستحقّ أن يُلاحَق أمام المحكمة، لأنك لم تخالف القانون، لكنه لا يجعل قلبك، تلقائيًا، شبيهًا بقلب الله.
واليوم، يا أخوتي، إذ نحتفل بعيد جميع القديسين، أذكر أنني عندما كنت صغيرًا كنت أفهم هذا العيد بطريقة بسيطة جدًا. كنت أظن أننا نحتفل بعيد جميع القديسين حتى إذا كان هناك قديس في السماء قد نسيناه، ولا عيد خاصًّا له في الروزنامة، فلا «يزعل» منّا، فنقيم له عيدًا مع الجميع!
وكأن القديسين جالسون في السماء ينتظرون منّا أن نحتفل بأعيادهم! فهذه الفكرة يجب أن نزيلها من أذهاننا. القديسون ليسوا بحاجة إلينا! فالذي يعاين مجد يسوع، ويتمجّد به، ويتمتّع بحضوره، ويعيش مغمورًا بمحبّته، هل تظنّون أنه يهمّه إن أقمنا له عيدًا أو لم نقم، أو إن وضعنا صورته أو لم نضعها؟
أريد أن أقول لكم شيئًا: القديسون أوسع أفقًا منّا بكثير!
ولكن لماذا نعيّد لهم جميعًا إذًا؟ لماذا نحتفل بهذا الجمع الغفير الذي لا يستطيع أحد أن يعدّه؟
لأننا نحن بحاجة إلى هذا العيد، لكي نعي أن جميع الناس مدعوون إلى القداسة.
مرّت فترة في حياة الكنيسة كان يمكن أن ينشأ فيها خطر أن نفهم القديسين وكأنهم فئة خاصة من الناس، وكأن الله خلقهم بطريقة مختلفة، أو «صنعهم» منذ البداية لكي يكونوا قديسين. لا أعرف إن كنتم قد فكرتم بهذه الطريقة يومًا، لكن هذه الصورة كانت موجودة فعلًا في أذهان كثيرين.
وحتى الطريقة التي كانت تُروى بها أحيانًا سير القديسين كانت تزيد المشكلة. فنقرأ عن قديس، فإذا به منذ طفولته تقيّ، عفيف، محبّ للفقراء، يصلّي باستمرار، ولا نكاد نرى في حياته ضعفًا أو صراعًا!
فنقول في أنفسنا: حسنًا، ألم يكن هناك قديس واحد كان مثلنا؟ ألم يكن لأي قديس تجارب؟ ألم يكن ضعيفًا؟ ألم يمرّ بصعوبات؟ ألم يصارع خطيئة أو ضعفًا في حياته؟
انتبهوا، يا أخوتي، لأن بعض الأمور التي حدثت في تاريخ الكنيسة تساعدنا كثيرًا على فهم القداسة بطريقة مختلفة.
خذوا مثلًا القديسة جيانا بيريتا مولا. عندما بدأت الكنيسة تنظر في قداستها، كان زوجها نفسه متعجّبًا من الفكرة، لأن جيانا، بالنسبة إليه، كانت زوجته التي عاش معها حياته اليومية: امرأة عادية، زوجة وأمًّا وطبيبة.
وهنا السؤال الجميل: ولماذا يجب ألّا يكون القديس إنسانًا عاديًا؟
وانظروا أيضًا إلى القديسة برناديت. بعدما ظهرت لها العذراء، وبعدما أصبحت لورد مكانًا معروفًا بالعجائب والنِّعم، دخلت برناديت الحياة الرهبانية. ويُروى عنها أنها كانت تقول، عندما تسمع كلامًا كثيرًا عن بطولات القديسين وعجائبهم: كفانا حديثًا عن بطولاتهم وعجائبهم؛ حدّثونا عن ضعفهم، وعن الطريقة التي تغلّبوا بها عليه!
لماذا؟
لأنها هي نفسها كانت تعيش صعوبات وضعفًا وتجارب، وكانت تحتاج إلى أن تعرف كيف تتصرف.
يا أخوتي، القداسة ليست ملكًا لأشخاص معيّنين، وليست ميزة لأناس خلقهم الله «سوبرمان» أو «سوبر وومان».
القداسة هي طريق أشخاص ضعفاء، قد يكونون يشعرون بالقذارة وعدم النظافة، لكنهم يقبلون أن يغسلوا ثيابهم بدم الحمل، وأن يسمحوا لدم الحمل بأن يغسل قلوبهم.
ولكن ماذا يعني أن نغسل ثيابنا بدم الحمل؟
ما هو دم الحمل؟
دم الحمل هو هذا الحبّ العظيم الذي ظهر على الصليب؛ حبّ يسوع الذي مضى حتى بذل ذاته من أجلنا.
«خذوا كلوا، هذا هو جسدي الذي يُبذل لأجلكم».
«خذوا واشربوا، هذا هو دمي الذي يُسفك لأجلكم».
القديسون هم أولئك الذين فهموا أن دم يسوع هو من أجلي أنا.
فهموا أن حبّ يسوع على الصليب هو من أجلهم، وسمحوا لهذا الحبّ أن يدخل إلى جراحهم، وأن يداوي قلوبهم.
وأريد أن أصل معكم إلى فكرة أخيرة.
تقول لنا رسالة يوحنا:
«انظروا أيّة محبّة أعطانا الآب حتى نُدعى أولاد الله، ونحن كذلك… أيها الأحباء، نحن الآن أولاد الله، ولم يظهر بعد ماذا سنكون. ولكننا نعلم أنه متى أُظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو. وكل من عنده هذا الرجاء به يطهّر نفسه كما هو طاهر».
ما الذي يطهّر قلب الإنسان؟
إنه حب الله.
هذا الحبّ الذي جعل منّا، نحن المجروحين والضعفاء، أبناءً له.
هذا الحبّ الذي غسلنا بدم يسوع وجعلنا أولاده.
وهذا يعيدنا إلى سفر الرؤيا. فقبل أن يأتي العقاب، يقول الملاك، بما معناه: تمهّلوا، لا تمسّوا الأرض قبل أن نختم أولاد إلهنا على جباههم.
إنها صورة الختم.
وأنا وأنتم أيضًا مختومون بميرون المعمودية. لقد وضع الله علينا ختمه، وقال لنا: أنتم لي. أنتم أولادي.
ولكن أين المشكلة، يا أخوتي؟
المشكلة ليست في أن الله لا يريدنا أولادًا له.
الله يريد أن يأتي إلينا، ويريدنا أبناءه، ولكننا نحن الذين لا نريده أحيانًا.
وكأن الله ينتظر أمرًا واحدًا: أن نقبل.
أن نقبل أن يغسل حياتنا بدم الحمل.
أليس كذلك؟
لذلك، يا أخوتي، أمام هذا العيد، وأمام دم يسوع الذي غسل ثياب القديسين وطهّر قلوبهم، دعونا نأخذ اليوم قرارين مهمّين جدًا، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
القرار الأول:
أريد أن أكون قديسًا.
ولكن انتبهوا: هذا القرار وحده يمكن أن يصبح خطرًا إن لم يرافقه القرار الثاني.
لأن عبارة «أريد أن أكون قديسًا» قد تحرّك في داخلي كبرياء روحية كبيرة جدًا، وقد تجعلني أبدأ ببناء قداستي على «عضلاتي» الروحية، وعلى قوّتي، وعلى أعمالي، وعلى ما أستطيع أنا أن أفعله.
لذلك يأتي القرار الثاني:
يا رب، لا أريد أن أبني قداستي على قوّتي. أريد أن أبني قداستي على قوّة دمك، القادرة أن تغسل قلبي وتجعله أبيض.
أريد أن أكون قديسًا، نعم.
ولكنني أريد أن أكون قديسًا بدمك أنت، لا بقوّتي أنا.
فلنأخذ الآن دقيقة صمت، ونفكّر في هذه النعمة التي أعطانا الله إياها.
وليسأل كلّ واحد منّا نفسه اليوم:
أين يدعوني الله إلى القداسة؟
وأين في حياتي أحتاج إلى أن أستنجد بدم يسوع، لكي يكون قديسًا؟
