باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
سمعنا، إخوتي، في القراءة الثانية: «إنه روح المجد»، وبالإنجيل يتكلم كثيرًا عن مجد الله: «أنا مجّدتُكَ، وأنتَ مجّدتني… وخليهم يمجّدونك».
يقول القديس إيريناوس: ما هو مجد الله؟
مجد الله هو الإنسان الحيّ.
مجد الله هو الإنسان الواقف.
مجد الله هو الإنسان المنتصر.
كلمة نسمعها كثيرًا: «أريد مجد الله». لكن ماذا يعني ذلك؟
هذه القراءات اليوم تدعونا إلى تمجيد الله، تدعونا إلى أن نردّ المجد لله. ولكن ما هو مجد الله؟
مجد الله هو أن ينتصر الإنسان في قلب العاصفة.
مجد الله هو أن يبقى الإنسان واقفًا وسط كل مصيبة.
مجد الله هو الإنسان القائم من بين الأموات.
ماذا يعني أن يسوع يقول للآب: «لقد مجّدتك»؟
يسوع، بقيامته، مجّد الآب. الإنسان الذي، أمام كل المصائب وأمام الموت، قام من بين الأموات. وهو يدعونا نحن أيضًا أن نمجّد الله: أن نكون قائمين من الموت، أن نبقى واقفين رغم التجارب، أن نكون منتصرين على الصعوبات، وأن نستمر، وسط كل ما نمرّ به في هذا البلد، ثابتين في الإيمان.
لهذا، عندما سمعنا في القراءة يقول مار بولس: «افرحوا بقدر ما تشاركون المسيح في آلامه»، قد نجد في ذلك تناقضًا. لكن هذا هو مجد الله:
عندما نرى إنسانًا فرحًا في قلب الألم.
عندما نرى إنسانًا ممتلئًا سلامًا وسط المصاعب.
عندما نرى إنسانًا، في قلب الموت، قائمًا من بين الأموات.
هذا هو مجد الله.
واليوم، إخوتي، هذه القراءات تضع أمامنا، بقوة كبيرة، السؤال الأول الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا:
أمام المصائب، أمام الضيقات، عندما تكون مضغوطًا، عندما تكون متضايقًا، ماذا تفعل؟
حتى نفهم أن دعوة المسيح، ووعد الله لكل واحد منا، هي مجده.
وعد الله لك اليوم، ولكِ اليوم، هو أن تقوم من بين الأموات.
هو أنه، في كل مرة نكون فيها غير مرتاحين، يعطينا قوة منه لنكون واقفين.
والسؤال الذي يطرحه الإنسان على نفسه اليوم هو: كيف نعيش كل هذا؟
في وضع البلد الذي نرى ما يحصل فيه… ولكن ليس فقط وضع البلد.
أنا دائمًا أقول: نعم، بالتأكيد، نتمنى أن تنتهي المصائب، وهذا أمر طبيعي. لكن أريد أن أقول لكم شيئًا:
كل مصيبة تحدث خارجًا هي مرآة لما يحدث داخل حياتنا.
لماذا لا تكون الحرب التي تحصل في البلد فرصة لننظر إلى الحروب الكثيرة التي تحصل داخل العائلات؟
لماذا لا يكون غياب السلام الموجود في البلد مرآة لقلبي، الذي كثيرًا ما لا يكون ممتلئًا سلامًا؟
إذًا، كل ما يحدث في الخارج هو فرصة لكي ننظر إلى الداخل، ولكي يرى كل واحد منا: ماذا يحدث في داخلي؟
ليس فقط البلد ومصائبه.
أعود وأقول: نحن نصلي من أجل السلام في لبنان.
لكن، في الوقت نفسه، إذا نظرنا إلى حياتنا، نجد أن حياتنا هي حرب، هي بحث، هي تفتيش عن السلام.
وفي كل مرة أبحث فيها عن السلام في حياتي، أين أبحث عنه؟
وفي كل مكان أبحث فيه عن المعنى لحياتي، أين أبحث عن هذا المعنى؟
ومشكلة الإنسان هي كلمة أقولها دائمًا:
يصل كل واحد منا، في مرحلة من مراحل حياته، إلى شيء نسميه خيبة الأمل.
أكون قد بنيتُ آمالي على أحدٍ، فأكتشف أنه ليس على قدرها.
أكون منتظرًا من شخصٍ ما، فأجد خيانة.
أكون منتظرًا من وضعٍ معيّن، فأجد ذلك الوضع… كم كنتُ قد علّقتُ أحلامًا عليه، ثم أكتشف أنه لا يسير كما كنت أظن.
هذه هي خيبة الأمل.
وخيبة الأمل تولِّد، في كثيرٍ من الأحيان، بحثًا عن أشياء لا تعطي الحياة. فنجد أنفسنا ننتقل من خيبة أمل إلى خيبة أمل، ومن ظلمٍ نتعرّض له أحيانًا، إلى ظلمة نعيشها، في رحلة بحثنا عن الحياة.
هذه الدائرة التي ندخل فيها، هذا النفق المظلم الذي نعبره، لعلّ هذه القراءات اليوم جاءت لتكلّمنا عنه.
واليوم تأتي كلمة، كما سمعنا، يقول فيها مار بولس: أول ما أنت مدعو أن تفعله أمام كل مشكلة في حياتك…
وانتبهوا، هو لا يتكلم عن الأشخاص في الخارج، لا يتكلم عن غير المسيحيين. نحن اليوم مهمومون بالبلد، ومهمومون كثيرًا بغير المسيحيين، من الجهتين… لا.
هذه القراءة اليوم تقول: إذا كنتَ مسيحيًا وتتألم، فافرح.
هذه الكلمة، كلمة الفرح، تأتي إلينا نحن.
ومن المهم جدًا، إخوتي، أن نسأل أنفسنا:
ماذا فعل الرسل؟
ماذا فعلوا ليحافظوا على هذا السلام؟
يسوع الذي ارتفع من بينهم يوم الخميس، يوم كنّا نعيّد للصعود… ارتفع يسوع من بينهم. فماذا فعل هؤلاء التلاميذ ليحافظوا على سلامهم وسط الاضطهاد؟
ماذا فعل هؤلاء التلاميذ الذين سمعنا عنهم أنهم كانوا جماعة واحدة؟
لماذا لم تكن بينهم مشاجرات وخصومات؟
ولماذا، حتى عندما كانت تحصل مشكلة بينهم، كانت تُحلّ دائمًا بمنطق يسوع المسيح؟
ماذا فعلوا؟
أنا اليوم، إخوتي، في القراءة الأولى، إضافةً إلى أنهم «كانوا يواظبون بقلب واحد على الصلاة»، هناك كلمة أثّرت فيَّ كثيرًا، وأشعر أن الرب يدعونا إليها اليوم، كل واحد منا.
قال: «لما وصلوا إلى أورشليم، وصلوا إلى جبل الزيتون، ووصلوا إلى المدينة التي فيها العلّية».
وما هي العلّية؟
قال: «صعدوا إلى العلّية التي كانوا معتادين أن يقيموا فيها».
وأنا أريد أن أسألكم:
ماذا حدث في هذه العلّية؟
لماذا صعدوا إليها؟
نعم، صعدوا ليصلّوا فيها، لكن قبل أن يصلّوا… ماذا كانت هذه العلّية؟
ما الذي حصل فيها؟
ما أهميتها؟
هذه العلّية، إخوتي، هي المكان الذي قال لهم فيه يسوع:
«خذوا، كلوا، هذا هو جسدي».
هذه العلّية التي غسل فيها يسوع أقدامهم.
هذه العلّية التي كانوا مختبئين فيها خوفًا من الموت، فظهر لهم فيها يسوع القائم من بين الأموات.
هذه العلّية التي وعدهم فيها يسوع أنه سيعطيهم الروح القدس، وأنه لن يتركهم وحدهم.
لقد صعدوا ليتذكّروا قوة الله في حياتهم.
صعدوا ليتذكّروا حب الله في حياتهم.
صعدوا ليتذكّروا رحمة الله في حياتهم.
صعدوا ليتذكّروا أن الله لم يشاركهم لحظةً ويتركهم، بل أعطاهم روحه ليبقى معهم.
صعدوا ليتذكّروا أن وعود الله ليست كاذبة، وأن الله أمينٌ في وعده.
وكل مرة، إخوتي، نقع نحن في هذه التجربة…
تجربة اليأس أمام كل خيبة أمل نعبر فيها…
تجربة أن نقول: «خلاص، لم أعد أريد».
أن أكون قد استسلمت.
أن أريد الرجوع إلى الوراء.
أن أقول: «لم يعد فيَّ قدرة».
أن أبحث عن الحياة في أماكن لا تعطي الحياة.
أن تكون الآلام قد ازدادت في حياتي، فأصبح مثل غيري…
اليوم الرب يدعوني، ويدعوك، ويدعوكِ، أن نذهب إلى علّية قلبنا.
يدعوك أن تتذكّر كل مرة أحبّك فيها، وانتصر على موتك.
يدعوك أن تتذكّر كل مرة رحمك فيها، وأقامك من خطيئتك.
يدعوك أن تتذكّر كل مرة غسل فيها وسخك.
يدعوك، في كل مرة، أن تتذكّر قيامته في حياتك، وكم هو إله الانتصار، ذاك الذي أعطانا الانتصار في حياتنا.
ويدعونا أن نتذكّر، نحن أيضًا، وعوده لكل واحد منا، وكلمته التي تعطي الحياة، والتي تعود فتجدّد حياتنا، وتدعونا أن نكون جددًا، وتدعونا أن نعود منتصرين.
نحن، في هذا القداس، إخوتي، كل مرة نأتي، ندخل حاملين الصليب، ونخرج حاملين الشمعة.
ندخل حاملين صليبنا، حاملين ثقل حياتنا، ونخرج حاملين نورًا في حياتنا، لأن ربنا يقول لنا شيئًا واحدًا: مهما اشتدت الظروف في حياتك، فكل مرة تتذكر أنني أنا إله الانتصار، وأنني انتصرتُ في حياتك، أنت أيضًا تخرج منتصرًا.
وأين يتذكّر المسيحي كل هذا؟
أولًا، إخوتي، في القداس.
القداس هو الفرصة.
لكن نحن أحيانًا نجعل القداس… نعم، أكيد، أنا كل مرة أنبسط كثيرًا بالترتيل، وكل مرة أقول: ما أجمل أن الكورال يجعلونا نرتّل، وما أجمل أن يجعلونا نرفع نظرنا نحو السماء…
لكن القداس ليس هذا فقط.
القداس ليس فقط أن آتي وأسمع ترتيلًا.
القداس ليس فقط أن آتي لأنه واجب.
القداس ليس فقط أن آتي لأنني «لازم أن آتي».
في القداس، يسوع ينتظرك.
في كل ترتيلة، في كل كلمة، في كل قراءة… يسوع ينتظرك.
ينتظرك في قلب موتك.
ينتظرك في قلب مشكلتك.
ينتظرك في قلب ألمك.
ينتظرك في قلب الخيانة التي تعرّضت لها.
ينتظرك في قلب الجرح الذي جُرحت به.
في كل قداس نكون فيه، يسوع ينتظرك ليقول لك:
أنا هنا. لن أتركك. سأبقى معك إلى انقضاء الدهر.
وهناك صورة تأملتُ فيها في الصعود، يتكلم عنها البابا فرنسيس.
يسوع، في إنجيل اليوم، يقول: «أنا أصلّي لأجلهم».
أنا أصلّي، أنا أطلب من الآب.
ويريد البابا فرنسيس أن يقول لنا: ماذا يفعل يسوع اليوم، وهو صاعد إلى السماء؟
ماذا يفعل أمام الآب؟
ولماذا صعد إلى السماء؟
يقول: صعد ليصلّي من أجلنا.
صعد ووقف أمام الآب بجراحاته، وقال له:
«انظر إلى جراحاتي.
انظر إلى شعبك المجروح.
انظر إلى كل واحدٍ مجروح، ولا تتركه.
كما أنني تألمتُ من أجله، وتألمتُ من أجل جراحاته، وتألمتُ من أجل ألمه، ووجعتُ من أجله، ومتُّ من أجله…»
هكذا، يقول يسوع للآب:
«لا تتركهم.
ابقَ معهم.
قوِّهم.
مجّدهم كما مجّدتُك.
خلِّهم هم أيضًا يمجّدونك.
خلِّهم يُظهرون مجدك، وينتصرون على الموت».
فلنسمح اليوم، إخوتي، أنا وأنتم، وسط كل ما نمرّ به في بلدنا…
ولكن أعود وأقول: وسط كل ما يمرّ به كل واحد منا في داخله، في تلك الأمور التي كتبتموها في قلوبكم، وفي تلك الأشياء المخفية، والتي لا تقدرون أن تقولوها…
اليوم، أنا أدعوكم، أدعو كل واحد منكم، وأدعو نفسي أيضًا، أن نضعها أمام يسوع.
يسوع يراها.
يسوع يسمع صرخاتنا.
ويسوع اليوم معنا إلى آخر الدهر.
وهو يقول لكل واحد منا:
«افرحوا في قلب الضيقة».
ليس لأن الضيقة تعطي فرحًا، بل لأنّه إذا كان الله معنا، وإذا كان يسوع معنا، فمن يكون علينا؟
آمين.
فلنأخذ وقتًا قصيرًا نتأمل فيه بهذه الكلمة، ونكمل قداسنا.
