وُلِدَ المسيح، هللويا! إخوتي، كلمةُ الربّ اليوم جاءت لتنير حياتَنا وواقعَنا، وتُظهر لنا ماذا يعني أن يولد المسيح اليوم في قلب حياتنا، وفي قلب الظروف التي نعيشها.
إخوتي، القراءةُ الأولى من سفر أشعيا تتحدّث عن سَلْبٍ، وعن مشقّات، وعن عصًا على الكتف، وعن مُسخِّر. تتحدّث عن سلامٍ إلى الأبد. وإذا نظرنا إلى واقعنا اليوم في قلب حياتنا—دعوني أقول: في لبنان، وفي الشرق، وفي العالم كلّه—نجد أننا نعيش العكس تمامًا.
نحن ننتقل من سلطةٍ إلى سلطة، ومن جزمةٍ إلى جزمة، أليس كذلك؟ ننتقل من مشكلةٍ إلى مشكلة، ومن حربٍ إلى حرب، ومن نيرٍ إلى نير. وكلّنا في قلوبنا نقول: متى سيأتي الفرج؟ لقد عبرت الخمسون، وما زلتُ… كلّ حياتنا ماذا نقول؟ متى سيأتي الفرج؟
نترقّب، فكلّما جاء رئيس، وكلّما جاءت حقبة، وكلّما حدثت تغييرات، نقول: الآن لدينا فترةٌ جيّدة. وماذا يحدث؟ إنّ كلّ فترةٍ تكون نكسةً كبيرةً لحياتنا. نسأل أنفسنا: متى سيأتي المخلّص الذي—كما قال أشعيا—سيكون ملكَ السلام، وملكه إلى الأبد؟ ملكٌ يحكم بالعدل والإنصاف. في قلب مجتمعٍ القويُّ فيه يأكل الضعيف، والفسادُ يخرّب الدنيا، إذا نظرنا نرى القويّ يخطئ ويُستّر على نفسه. فمن يُقيم العدل؟ ومن يعمل العدل؟
وإذا نظرنا نجد أنّنا جميعًا مشغولون بأن نهيّئ مجيءَ مخلّصٍ يضبط الأمور من الخارج: يضبطها بطريقةٍ سياسيّة، أو اقتصاديّة، أو اجتماعيّة، ويضبطها بأن يمسك زمامَ الأمور في المجتمع بيده.
اسمحوا لي قليلًا—الأولاد اليوم عيدُهم، أليس كذلك؟ يفرحون، نُصفّق لهم تصفيقة—معلش. كنتُ أقول، إخوتي، في قلب هذه المعمعة، وفي البحث عن السلام بقوانا الذاتيّة، يأتي إلينا الإنجيل ويحدّثنا عن ملكٍ يريد أن يضبط الأمور بالقوى البشريّة. وماذا فعل؟ أوغسطس قيصر أجرى إحصاءً. لماذا يُجري الملك إحصاءً؟ ليرى كم عنده من رجال، وكم عنده من جنود، وكم عنده من أناس قادرين على العمل، ليرى الاقتصاد، وليعرف كم عنده من نساء، وكم سيأتيه من أولاد لاحقًا.
إذا نظرنا نرى أنّ الإحصاء هو قمّة الاعتماد على القوى البشريّة. وداود، عندما أجرى إحصاءً لجنوده، وبّخه الله وقال له: أنت تتّكل على قوّتك، ولا تتّكل عليّ أنا.
وإخوتي، نحن في كلّ حياتنا نختبر أنّه في كلّ مرّة أجرينا إحصاءً واتّكلنا على ذواتنا، سقطنا في نكسة، وننتقل—كما قلت—من نكسةٍ إلى نكسة.
انظروا، في قلب عمليّة الإحصاء التي شغلت المعمورة كلّها، جاء المخلّص الحقيقي، لكن لم يكن له مكان: لا مكان له في بيوتنا، ولا في عائلاتنا، ولا في مجتمعنا، ولا في تركيبتنا الاقتصاديّة. لماذا؟ لأنّه جاء ليقول للإنسان: إن أردتَ أن تجد السلام، فعليك أن تبحث عنه في مكانٍ آخر؛ لا في الخارج، بل في الداخل. لأنّه إذا غيّرنا الأنظمة، ووضعنا القوانين، ولم يُشفَ قلب الإنسان، فإنّ الفساد سيستمرّ، وسيأخذ أشكالًا جديدة. أليس كذلك؟
إذا لم نُشفِ قلب الإنسان في قلب العائلة، قد تبقى العائلة من الخارج عائلة، لكنّ الخيانة تصير من الداخل لا من الخارج. واليوم، حتى لو غابت الحرب، ولو جمعنا السلاح، ولم يبقَ سلاحٌ في أيدي الناس، فهناك سلاحٌ الكلمة يقتل ويؤذي ويلغي أكثر من السلاح الخارجي. أليس هذا صحيحًا؟
نحن نريد السلام، نعم، لكنّ السلام الذي جاء به يسوع، في العمق، لا نريده. لماذا؟ لأنّه يُتعبنا، ولأنّه يُجبرنا أن ندخل إلى ذواتنا، ويُجبرنا أن ندخل إلى مغارة قلوبنا الوسخة، إلى المكان الذي لا نريد أن نذهب إليه، ولا نريد أن نأخذ يسوع إليه. لكنّه هو يذهب إلى هناك، لينظّف هذا المكان المظلم في داخلنا.
اليوم، إخوتي، نريد السلام، فنحتاج أن نداوي قلوبنا من العنف. نريد الأمانة، فنحتاج أن نداوي قلوبنا من الخيانة ومن الأنانيّة. نريد العدالة، فنحتاج أن نداوي قلوبنا من روح المراوغة المزروعة فينا.
ومن الذي استقبل هذه الكلمة؟ يبدو أنّ الإحصاء شمل الجميع إلّا الرعاة. هؤلاء الرعاة الذين كانوا مُهمَّشين، هؤلاء الرعاة الذين كانوا يُعتبرون نفاية المجتمع، هؤلاء الرعاة الذين كانوا يُنظر إليهم كقُطّاع طرق، هؤلاء الذين لم يكن أحد يحسب لهم حسابًا.
كما في زمن صموئيل، عندما جاء ليمسح ملكًا على شعب الله في العهد القديم. كان داود الأصغر، غير المرئي، يرعى الغنم. جلبوا لصموئيل الإخوة الكبار، الأقوياء، أصحاب المظهر، وقال الربّ: ليس هذا، ولا ذاك. فقال صموئيل: هل بقي أحد؟ قالوا: لا… ثم قالوا: بلى، هناك الصغير، الراعي، ماذا يُرجى منه؟ لا يساوي شيئًا. فقال: أحضروه، لأنّه قد يكون هو الذي يريده الربّ.
هكذا، الخلاص الحقيقي، والسلام الحقيقي، بدأ مع الرعاة، مع المنسيّين، مع الذين لم يشملهم الإحصاء، ولم يكن أحد يهتمّ لأمرهم.
وطوبى لنا اليوم، إخوتي، إن كنّا أنا وأنتم من هؤلاء الرعاة. فنحن جميعًا الفسادُ متجذّرٌ فينا، والعنفُ نعيشه، ولو لم نحمل سلاحًا، لأنّ لدينا أسلحةً أخرى نقتل بها بعضنا بعضًا. كلّنا، إخوتي اليوم، روحُ الفساد، وروحُ الاستغلال، وروحُ المصلحة، ساكنةٌ فينا. نحن اليوم رعاة، لكنّنا قادرون أن نسمع هذه البشارة، وأن نصدّقها، وأن تضعنا في مسيرة.
فعندما جاء ملاكُ الربّ وبشّر الرعاة بفرحٍ عظيم بخلاصٍ آتٍ من طفلٍ وُضع في قلب المجتمع، صدّقوا، وآمنوا، وانطلقوا. ولأنّهم مشوا، رأوا الخلاص، ورأوا هذا الطفل المُقمَّط، المُضجَع في مذود.
وهنا، إخوتي، ثلاث صفات جميلة جدًّا:
أوّلًا، الخلاص يأتي من طفل، لا من قويٍّ متسلّط. الطفل بريء، يثق بأبيه، والطفل يدلّ دائمًا على أبيه. أنتم تعرفون أكثر منّي: عندما نرى طفلًا صغيرًا نسأله سؤالين: ما اسمك؟ وابن مَن أنت؟
هذا الطفل اسمه: «الله يُخلِّص»، وهو ابن الآب.
ثانيًا، هو طفلٌ مُقمَّط. أي إنّ هناك مَن اهتمّ به، ومَن غمره بحنانِه، ومَن احتضنه. فلو لم يكن هناك يوسف ومريم، لما قال الإنجيل: «تجدون طفلًا مُقمَّطًا». خرج الرعاة، وماذا رأوا؟ رأوا الطفل، ومريم، ويوسف.
القِماط جاء من مريم ويوسف، اللذين صدّقا الملاك يومًا ما، واستقبلا هذا الطفل: مريم في أحشائها، ويوسف في بيته. صارا أمًّا وأبًا له بالجسد. لماذا؟ ليعلّمونا أنّ هذا الطفل سيعرّفنا إلى أبيه السماوي، وسيعلّمنا كيف نهتمّ بعضُنا ببعض، خاصّة في الضعف.
إخوتي، نحن كمسيحيّين لدينا كنز، يمكن أن يُبنى به مجتمعُ عدالةٍ وسلام، لا بالاقتصاد، ولا بالسياسة، ولا بالسلاح، ولا بالأنظمة. لدينا سلاحُ المحبّة، سلاحُ خدمة بعضنا بعضًا، سلاحُ الاهتمام بالفقير، حتّى بالخاطئ.
لكنّ المشكلة أنّنا تركنا هذا الكنز، وصرنا نلاحق خبز الحيوانات.
انظروا، طفلٌ مُقمَّط في مذود. ما هو المذود؟ إنّه صندوق علف الحيوانات. ونحن راكضون وراء علف الحيوانات، أي وراء الحلول البشريّة، فيما محبّة الله جاءت لتعطينا حلًّا آخر، هو الخبز الحقيقي الذي يُشبع قلب الإنسان.
ولا ننسى أنّ هذا الطفل، الموجود اليوم في المذود، في بيت لحم—بيت الخبز—في المكان الذي تأكل فيه الحيوانات العلف، سيصير يومًا ما الخبز المكسور، ويقول لنا: «خذوا وكلوا، هذا هو جسدي». جسدُ الحبّ المكسور من أجلنا، ليعلّمنا كيف نصير نحن أيضًا خبزًا مكسورًا لبعضنا البعض.
طفلٌ مُقمَّط في مذود، هو ابنُ الآب، الذي سيجعلنا أبناءَ الله. هو الذي قُمِّط ليعلّمنا كيف نهتمّ، وكيف نُضمِّد جراح بعضنا بعضًا. هو الذي صار خبزَ الحياة، ليعلّمنا كيف نكون نحن أيضًا خبزًا لبعضنا البعض.
إخوتي، هذا يتطلّب جرأةَ إيمان: أن نصدّق هذه البشارة، وأن نضع حياتنا في مسيرة لقاء هذا الطفل.
عيدُ الميلاد لا يكتمل بالشجرة، ولا بالمغارة، ولا بالهدايا، ولا حتّى بالاحتفال، إذا لم يكن لي ولكم فرصةُ مسيرةٍ نلتقي فيها بيسوع، الذي يريد أن يغيّر حياتنا، ومن خلالنا يغيّر مجتمعنا الصغير والكبير.
إن كانت هناك عائلاتٌ مليئةٌ بالمشاكل، أو واقعٌ مليءٌ بالصعوبات والصراعات، أو وطنٌ يحتاج إلى السلام، فالطريقُ واحد: اللقاء بهذا الملك، ملك السلام، الذي يداوي قلوبنا من الحرب الداخليّة.
فلنأخذ دقيقةَ تأمّل، إخوتي، ونتأمّل هذه الحقيقة، ولنقل كما قال الرعاة: «هلمّ نذهب إلى بيت لحم».
فلنأخذ قرارًا في قلوبنا أن نصعد إلى بيت لحم، وأن نفتّش عن هذه المغارة في أعماق قلوبنا المظلمة، لأنّ هناك يواعدنا الربّ، لينظّف حياتنا، ويُنيرها، ويمنحنا السلام الحقّ.
