إخوتي، اليوم يبدأ، كما قلتُ لكم، في الطقس اللاتيني زمن المجيء؛ زمنُ الانتظار، انتظارُ الربِّ الآتي. وفي الطقس اللاتيني، زمنُ المجيء ليس مجرّد زمن تهيئة لعيد الميلاد، ولا مجرّد استذكارٍ للانتظار الذي سبق ميلاد الرب يسوع بالجسد. فالأسابيع الثلاثة الأولى، أو الأسبوعان والنصف الأولان، هما انتظارُ المجيء الثاني، المجيء الأخير، مجيءُ الرب بالمجد. أمّا الأيام العشرة الأخيرة، فنبدأ خلالها نتذكّر مجيءَ الرب بالجسد، ونتأمّل بالبشارة والزيارة وكلّ التهيئة التي هيّأ بها اللهُ شعبَه لمجيء ربّنا.
والقديس برناردوس يقول كلمة مهمة: يقول إنّ المسيح يأتي إلى الأرض بثلاثة مجيئات. فالمجيء الأول كان حين أتى بالتواضع، وُلد من مريم العذراء، ومات وقام. والمجيء الثاني سيكون في اليوم الأخير، حين يأتي بالمجد ليدين الأحياء والأموات. ويقول القديس برناردوس إنّ هناك مجيئًا ثالثًا للرب يسوع، ليس بعد المجيء الثاني في الزمن، بل واقعٌ بين المجيء الأول والمجيء الثاني، وهو مجيء يسوع في حياة كلِّ واحدٍ منّا.
ومن القراءات التي سمعناها اليوم، أيّها الإخوة، نرى أنّ العذراء مريم عاشت المجيءَ الأول والمجيءَ الثاني معًا، لأنّ الرب عندما جاء منها بالجسد، كان قد أتى أولًا في حياتها قبل أن يأتي منها. وكيف أتى الرب في المجيء الأول؟ تأمّلوا: الناس كانت تنتظر أن يأتي بالقوة، بالعزّ، بالجبروت، بالملك، بالسلاح والمال، وأن يصلّح ويرتّب كلّ الأمور ويَسحق الخطأة. لكنّه جاء بالتواضع، جاء كالنسيم العليل. غير أنّ هذا التواضع المملوء حبّ إلهيّ هو الذي رفع المتواضعين بالحب، ورفع حتى المقتدرين بالحب، وأشبع الجياع بالحب، وصرف الأغنياء فارغين لأنّهم رفضوا الحب.
خلاصُ الله ليس آتيًا بالقوة كما يتخيّل الناس؛ خلاصُ الله يأتي بقوة الحب. وهذه كانت مفاجأة كبرى للشعب الذي كان ينتظر الله. وسنرى الآن أنّ هذه المفاجأة ما زالت تفاجئنا نحن أيضًا. فعندما ننتظر الله في حياتنا، عندما نذهب إلى الكنيسة – أو عندما كنّا نذهب إلى الكنيسة – كنّا نصلّي بالتدينَ الطبيعي ذاته: “يا رب، وفّقنا، رتّب أمورنا، كثّر أموالنا، اجعلنا بخير، وفّق أولادنا، أبعد عنّا الضربات…”. كنّا نريد أن يأتي الله بقوّة خارقة ليعدّل كلّ شيء.
لكننا نتفاجأ مرارًا بأنّ كلّ ما ننتظره من يسوع لا يفعله. يفعل شيئًا واحدًا: يملأ قلوبنا حب. وهذا هو الخلاص الحقيقي.
وفي آخر الأزمنة، عندما يأتي الرب ديّانًا، سيتفاجأ الناس أيضًا؛ لأنّهم ينتظرونه ديّانًا بالبطش. ولكن كيف سيأتي يسوع ديّانًا في آخر الدنيا؟ بالرحمة. ديّانًا بالرحمة.
وهكذا نحن أيضًا في حياتنا: عندما ننتظر الديّان، نخاف منه. ولهذا، عندما تأتي ساعة الموت، يدخل كثيرون في الخوف. ولهذا، أمام خطايانا نخاف. أمّا المسيحي، فعندما يرى خطيئته لا يدخل في الخوف بل في الرجاء. فالمسيحي لا ينتظر من يسوع العقاب، بل ينتظر منه الرحمة التي تشفي. المسيحي يأسف على خطيئته، قد يبكي دمًا عليها، لكنّه لا يدخل في اليأس، ولا في الخوف، بل يدخل في الرجاء الذي تمنحه الرحمة.
وإذا نظرنا إلى نشيد مريم اليوم، نرى أنّها تعلّمنا الثقة برحمة الله: «ورحمته إلى جيل الأجيال للذين يتّقونه».
واليوم، أيّها الإخوة، كيف ننتظر يسوع أن يأتي في حياتنا؟ بالعجائب؟ بالقوة؟ بالجبروت؟ بالوساطات؟ نحن اللبنانيين معتادون كثيرًا على الوساطات… نريد أن تسير الأمور لأنّ لدينا “واسطة” أو لأنّ لنا ظهرًا. وهكذا نريد الله: “واسطة”؟ أنريد أن يأتي الله ليُسقِط الخطأة؟…
لا. يسوع يأتي بالحب والرحمة. وطوبى لمن ينتظرونه بالحب والرحمة، لأنّهم يرون نور وجهه، ويرون مجيئه في حياتهم.
لأنّ الخطر الكبير، أيّها الإخوة، أن يأتي يسوع ولا نراه. ثلاثة أرباع أهل بيت لحم جاء يسوع ولم يروه. وكما أنّ البابا سيأتي قريبًا إلى لبنان، وقد لا يراه الجميع، قد يراه البعض من بعيد أو عبر التلفزيون. لا مشكلة، المهم أن نشارك. أمّا يسوع، فالمشكلة الكبرى أن يأتي إلى حياتنا ولا نراه.
فلنطلب من الرب يسوع هذه النعمة: أن يعطينا الثقة بمحبّته وتواضعه ورحمته، لكي نستطيع أن نراه في حياتنا في هذا العالم.
لنأخذ دقيقة صمت نتأمّل فيها بهذه الكلمة.
