عظة الأب رمزي جريح – ٢٣ تشرين الثاني ٢٠٢٥

إخوتي، ليست مصادفة —حتى لو بدت غريبة— أن تعطينا الكنيسة في أحد عيد يسوع الملك إنجيلاً نتأمّل فيه بالمسيح على الصليب. قد يقول أحدنا: على الأقل نضع إنجيل القيامة! ولكن أقول لكم شيئاً: هذا ليس صدفة، لأنّ الكنيسة في دورة القراءات اللاتينية الممتدّة على ثلاث سنوات—متّى، مرقس، لوقا—هذه السنة نقرأ من إنجيل لوقا، تُصوِّر لنا يسوع على الصليب في هذا النهار بالذات.

وأبدأ بهذه الفكرة لأنّ نظرتنا إلى الصليب، وإلى يسوع الملك تحديداً، قد تكون نظرة مشوّهة. الجميع كانوا يشتمون يسوع، يسخرون منه، يستهزئون به، ويشيرون إليه: «خَلَّصَ آخرين وما استطاع أن يخلِّص نفسه!». اللصّ على اليسار أيضاً قال له: على أساس أنك المسيح والمخلّص وشفَيتَ العميان وأقمتَ المكرسحين… خلّص نفسك وخلّصنا!

ولِماذا نريد يسوع أن ينزل عن الصليب؟ لماذا نريده أن يُخلِّص نفسه؟ لِيُخلِّصنا نحن… ولكن كيف؟ خارج الصليب! نريده أن يخلّصنا من المرض، من الألم، من جروحاتنا، من مشاكلنا، من الحرب، من النزاعات، من الناس الذين يؤذوننا… نريده أن يخلّصنا، ولكن خارج الصليب.

ولفتتني اليوم كلمة اللصّ اليمين: «اذكرني». الترجمة الفصيحة: «اذكرني اذا ما جئتَ في ملكوتك». وكلمة «اذا ما» يمكن أن تحمل معنيين: «إذا كنتَ ملكاً ويوم تملك، اذكرني»، أو «متى أتيتَ» بمعنى الزمن. حتى اللصّ اليمين رأى في يسوع ملكاً، لكنّه رأى ملكه بعد الصليب، مثلما نظنّ نحن أحياناً أنّ يسوع صار ملكاً عندما قام من بين الأموات وسحق الجميع.

لكن جواب يسوع كان رائعاً: «اليوم تكون معي في الفردوس». اليوم… الآن… أنا ملك. لستُ ملكاً «غداً صباحًا» – الأحد صباحًا. أنا ملك وأنا على الصليب. ولستُ عاجزاً عن تخليص نفسي. قال لهم يوماً: «أما تعلمون أنّي أستطيع أن أطلب من أبي فيرسل لي اثني عشر فوجاً من الملائكة؟». يسوع لم يكن غير قادر على تخليص نفسه… بل لم يُرِد أن يخلّص نفسه. لأنّه لو خلّص نفسه كما ننتظر نحن، لكان سحق أعداءه… ولو سحق يسوع أعداءه، لكُنّا نحن أول المَسحوقين! لأنّنا بخطايانا صلبناه، وما زلنا نصلبه.

لكنّه مات وقام من أجل خلاصنا، ليقيمنا… لماذا؟ لأنّه ملك في الحب.

أحببتُ كثيراً القراءة الثانية التي تقول إنّ ليسوع الأولوية في كل شيء: «به خُلِق كل شيء، ولأجله خُلِق كل شيء». نحن خُلِقنا منه ولأجله. لماذا؟ لأنه هو الحب، هو ملك الحب. نحن مخلوقون بالحب، وقلوبنا أين تتوجّه، الى ماذا تتوق؟ ما هدف وجودنا في هذه الدنيا؟ إذا لم نجد الحبّ فقد ضيّعنا وجودنا. ما النفع إن كبرنا، ونجحنا، وحصلنا على شهادات، وجمعنا المال، واشتهرنا، وفقدنا الحبّ؟ كل ذلك يصبح زبالة وظلاماً.

أحببتُ ما تقوله الرسالة: «الشاكرين الآب الذي نقلنا من سلطان الظلام إلى ملكوت ابن محبّته». نقلنا من سلطان الأنانية، من سلطان الظلم، من سلطان الكراهية. عالمنا اليوم يتدمّر لأنّ سلطان الظلام يزداد عليه.

وانتبهوا… ليس شرطاً أن تكون هناك حرب أو قتل أو نزاع. يكفي أن نتوقّف عن التواصل مع بعضنا… فنصبح في سلطان الظلام. وعدوّنا الأوّل اليوم هو هذا الجهاز الذي أمسكه بيدي الآن. قد يخدمنا كثيراً—ها أنا أسجّل الوعظة ليصغي إليها آخرون—لكن المشكلة في استعمالنا له، الا نستعمله للخير: أن نكون على الطاولة نفسها ولا نتكلّم… وكل واحد غارق في هاتفه. هذا سلطان الظلام.

لكن نحن مدعوون اليوم أن نعود ونتطلّع إلى صليب يسوع… إلى صليب الحب. لأنّ يسوع على الصليب ليس «المعذَّب» الضعيف غير القادر على خلاص نفسه، بل هو الذي يتألّم حبّاً، والذي «يرفض» أن يخلّص نفسه حبّاً.

وإذا نحن لم نحوِّل أوقات فراغنا وضعفنا وجروحاتنا إلى فرصة حبّ، نكون قد بقينا خارج الملكوت وضَيَّعنا حياتنا. لأننا خُلِقنا لنكون في قلب ملكوت الله.

فلنأخذ الآن دقيقة صامتة… يفكّر كل واحد منّا: ما هو صليبي اليوم؟ نحن جميعاً ننتظر دخول الملكوت بعد أن يزول الصليب أو نتغلّب عليه… بينما يسوع يريد اليوم أن يدخلنا معه إلى الملكوت من خلال صليبنا، وسط مشاكلنا وصعوباتنا وضعفنا. لأن قوّته أقوى من كل ضعف، ورحمته أقوى من كل خطيئة، وسنده أقوى من كل وحدة وفراغ.

فلنرفع نظرنا إليه، ولنستنجد به، لأنّ المُلك الذي يعطينا إيّاه يسوع لا يستطيع أحد أن يغلبه. ولنطلب هذه النعمة لنا، ولمن نحبّهم… ولمن نكرههم أيضاً. لنتمنَّ لهم ألا تنتهي حياتهم قبل أن يعرفوا ملكوت الله ويدخلوا فيه.