إخوتي، عن ماذا تكلّمنا اليوم كلمة الرب؟
إنها تكلّمنا عن الخطيئة الأساسية التي تُميت الإنسان. أتدرون ما هي؟
إنّها الطمع.
في القراءة الأولى سمعنا قصة يوسف الذي باعه إخوته. لماذا باعوه؟ بسبب الطمع والحسد. لأنّه كان الصغير، وكان أبوه يُدلّله. فصار كلّ واحد منهم يريد أن يكون هو الأوّل. لم يقبل أحد أن يكون الثاني، ولا الثالث، ولا الرابع، ولا الخامس، ولا السادس. كلّ واحد لم يقبل أن يكون ما هو عليه؛ كلّ واحد أراد أن يكون مكان الآخر، لأنّه يظنّ أنّ ما عند الآخر أفضل ممّا عنده.
وإذا نظرنا إلى الإنجيل، لماذا قتل الكرّامون الابن؟ لأنهم لم يريدوا أن يكونوا عمّالاً. ماذا أرادوا أن يكونوا؟ أرادوا أن يكونوا أصحاب الأرض. قالوا: لماذا نحن عمّال وهو صاحب الأرض؟ نحن نريد أن نكون أصحاب الأرض. مع أنّه إذا تأمّلنا، في نهاية الموسم من سيأكل؟ الجميع. لأنّه أرسل رسله ليطلب حصّته، وهذا يعني أنّ له حصّة ولهم حصّة أيضًا.
يعقوب كان يحبّ يوسف، لكنّه كان يحبّ كلّ أولاده، وكلّ واحد بطريقة خاصّة. والله أيضًا يحبّنا جميعًا.
لكن عندما رأوا الابن قالوا: هذا هو الوارث. فإذا قتلناه، يصبح الإرث لنا. عندها لن نعود كرّامين، بل نصبح أصحاب الكرم وأسياده.
وتعرفون خطيئة مَن هذه؟ إنّها خطيئة آدم وحواء. خطيئة الحيّة التي قالت لهما: لماذا تريدان أن تكونا تابعين لله؟ لماذا تأخذان القوّة من الله؟ كونا أنتما الله. لأنّ الله، بحسب قولها، لا يحبّكما، ولا يريدكما أن تكونا آلهة، بل يريدكما أن تبقيا عبيدًا له؛ لذلك منعكما أن تأكلا من الشجرة.
إخوتي، هذه هي الخطيئة التي صُلِب بسببها يسوع.
مرّة قرأت شيئًا أعجبني كثيرًا للقديس توما الأكويني.
كان يسأل: ما هي الخطيئة الأصلية؟ ولماذا هي فينا؟
اسمعوا جيّدًا، فهذا مهمّ. يقول إنّ الخطيئة الأصلية هي أنّ آدم وحواء أرادا أن يصيرا الله بدون الله. أي قرّرا أن يسرقا من الله ألوهيّته، وأن يأخذا لأنفسهما ما هو لله.
ويقول القديس توما الأكويني إنّ في قلب كلّ واحد منّا خطيئة أصلية، لأنّ في قلب كلّ واحد منّا رغبة أن يسرق من الله صفة من صفاته.
فانظروا: الذين يبحثون عن القوّة، ماذا يريدون أن يسرقوا من الله؟ القوّة. وماذا يصبحون في النهاية؟ يصبحون جبابرة، ديكتاتوريين، حكّامًا متسلّطين. يستبدّون بالناس. وليس بالضرورة بالسلاح أو بالقنابل. أحيانًا يستبدّ الأب بعائلته، وأحيانًا تستبدّ الأم بالأب والأولاد، وأحيانًا تستبدّ الحماة. كلّ هذه خطايا مزروعة فينا لأنّنا نريد أن نسرق من الله القوّة والسلطة.
وهناك أناس يريدون أن يسرقوا من الله الذكاء، فيظنّون أنّه لا أحد أذكى منهم، ويدمّرون الآخرين بذكائهم.
وهناك أناس يريدون أن يسرقوا من الله الغنى، فيجمعون ويجمعون ويجمعون، ويظلمون الآخرين ويسرقونهم.
انظروا: وراء كلّ خطيئة من خطايانا توجد خطيئة أصلية، وهي الطمع. في النهاية نحن نسرق من الله صفة من صفاته لتصبح لنا.
بدل أن نكون أغنياء مع الله، نريد أن نكون أغنياء بدون الله.
بدل أن نكون صالحين من الله ومع الله، نريد أن نكون صالحين من أنفسنا.
وعندما نغتني من أنفسنا، الويل لنا.
كنت في اجتماع للشبيبة، فسألتهم: لماذا نصوم؟
قال لي أحدهم: لنقوّي إرادتنا ولنتمرّن.
قلت له: يا للكارثة!
والكارثة الأكبر تعرفون ما هي؟ عندما ينجح الأمر معنا. عندما نعتقد أنّنا نصوم لنقوّي عضلات إرادتنا، وإذا نجحنا، من يردعنا؟
فنتمرّد على الله ونتكبر عليه ونقول له: صرنا أقوياء. كأنّك صرت مديونًا لنا. نصبح أفضل منك في نظر أنفسنا. وعندها ندمّر أخانا، ندمّر الضعيف، ندمّر الخاطئ.
الغنيّ بدون الله يستغني عن الله، ويدوس أخاه ويُجوعه.
أمّا الغنيّ مع الله فيبقى متمسّكًا بالله، ويرحم أخاه. لأنّه، كما اختبر حنان الله عليه، يحنّ هو أيضًا على أخيه.
إخوتي، ماذا يحدث في العالم اليوم؟
إنّها حفلة جنون.
لكن وراءها ماذا يوجد؟ خطايا أصلية، وطمع.
إذا جلستم أمام التلفاز ورأيتم هؤلاء القادة يتكلّمون، حاولوا أن تنظروا وتقولوا: أيّ خطيئة تقف وراء ما يقولونه؟ من دون أن ندينهم. لأننا سنكتشف أنّنا مثلهم.
نعمتنا الوحيدة اليوم هي أنّنا نعرف ذاك الذي غلب خطيئتنا، والذي مات بسبب طمعنا، ليعلّمنا أنّ المحبّة والعطاء أهمّ من الطمع.
كما قال بولس الرسول عن يسوع: «إنّ في العطاء فرحًا أكثر منه في الأخذ».
الطمع يجعلني آخذ،
أمّا الحبّ فيجعلني أعطي.
يا رب، لا تجعل حجارة هذه الكنيسة مجرّد حجارة تحمينا من الأصوات أو من القذائف أو من الغارات، بل اجعلها مثل محبّتك تحمينا من روح العالم.
لا تسمح لروح الجنون التي في الخارج أن تدخل إلى قلوبنا. لأنّ ما يحدث في الخارج قد يحدث قليلًا ثمّ يتوقّف. لكن الحقد بين الإخوة أحيانًا لا يتوقّف، والطمع بين الإخوة لا يتوقّف، والصراعات في العمل كثيرًا ما لا تتوقّف، والكراهية في قلب العائلة قد تدوم أكثر وأكثر.
أعطِنا يا رب أن نلتقي بك، وفيك، ومن خلالك، فنشفي قلوبنا من الطمع، لنصبح مثلك:
أناسًا يصنعون السلام،
وأناسًا يعيشون فرح العطاء أكثر من فرح الأخذ.
لنأخذ الآن دقيقة صمت نتأمّل فيها هذه الكلمة، ونقدّم قدّاسنا اليوم على ثلاث نوايا:
• النيّة الأولى: أن تتقدّس قلوبنا بيسوع.
• النيّة الثانية: أن يستيقظ الذين بيدهم قرار الحرب والسلام من هذا الجنون الذي يحدث.
• النيّة الثالثة: من أجل الضحايا الأبرياء الذين يسقطون من كلّ الجهات، والذين غالبًا لا ذنب لهم، أو ربّما خُدعوا بشيء.
لكي لا ينقطع نورك، يا رب، عن قلب أيّ إنسان أبدًا.
آمين.
