عظة الجمعة العظيمة للأب رمزي جريج

إخوتي وأخواتي، إخوتي الآباء، اليوم نلتقي أنا وإيّاكم في هذه الجمعة العظيمة، وفي أيام سوداء. 

أبدأ هذا التأمل معكم و أريد أن أعتذر من كل شخص كان هنا في الكنيسة أو يتابعنا عبر وسائل التواصل، إن كان قد ينزعج من الكلام، أو يظنّ أنني أهاجم أحدًا. ليس هذا المقصود أبدًا اليوم، لا أن نهاجم أحدًا، ولا أن نتكلم على أحد، ولا نُسقط أحدًا، بل نحن هنا اليوم لنوضّح إيماننا، ولنحمي قلوبنا. 

فلنبدأ بالقراءة الثانية التي سمعناها: لماذا تآمروا على البار؟ لماذا ألقوا في قلوبهم هذا الشرّ؟

قالوا في قلوبهم: هذه الدنيا سريعة وعابرة، ونهايتها عند باب مقبرة وتحت قبضة من تراب.

تعالوا نتمتّع بهذه الخيرات.

أمّا البارّ، فهو يزعجنا، لأنه يوبّخنا على أعمالنا، ويريدنا أن نرتفع إلى فوق،

بينما نحن ماذا نريد؟ نريد أن نعيش على هذه الأرض،

نريد سعادتنا هنا،

هو يريد أن نرتفع إلى السماء،

أمّا نحن فنريد أن نبقى ملتصقين بالأرض.

الله يريدنا أن ننظر إلى فوق، أن نتطلّع إلى السماء. أمّا نحن، فنميل إلى الأرض.

إخوتي، نحن نعيش في هذه المنطقة حفلة جنون، الحرب هي حفلة جنون، 

والعلة أن كل ما زادت إمكانية الانسان، كل ما زادت مقدراته. 

لقد مررنا بحروب عديدة، ومن حرب إلى حرب، تتطوّر القدرات وتزداد. لغة الحقد، لغة الأنانية، لغة الجشع، لغة الامتلاك والسيطرة، لغة قتل الضعيف… كلّها تكبر وتزداد.

واليوم أوّل خطر على الإيمان هو أن نُصدّق أن هذه حروب دينية. ليست هذه حروبًا دينية.

الحروب التي تحدث اليوم، تقف خلفها المصالح، الجشع، المال، الاقتصاد، الأرض، البترول… لا علاقة لها بالله، وإنما تستخدم اسم الله لتبريرها.

لا أقول شيئاً جديداً، كل هذا موجود على وسائل التواصل الاجتماعي، كلّ واحد يتكلم باسم الله: رئيس يباركوه ليخوض الحرب، وآخر يتكلم باسم الله، وثالث يقول «أرض الميعاد»، ورابع يتحدث عن «المنتظر».

جميعهم يتكلمون بإسم الله، لكن، أين هو الله في كل هذا؟

أريد أن أقول لكم شيئًا: هذا المصلوب أمامنا، هذا الإله الذي أمامنا لا يشبه أحداً منهم ولا ينفع أحداً منهم، لا يتماشى مع منطق هذا العالم.

قال: «مملكتي ليست من هذا العالم».

هذا مهم جدًا، هؤلاء يريدون مملكة من هذا العالم، لا يؤمنون بحياة أخرى. يريدون أن يعيشوا هنا فقط: نأكل هنا، نشرب هنا، نفرح هنا، نبسط سيطرتنا هنا ، ونخلّد أسماءنا هنا.

يسوع قال له: «مملكتي ليست من هذا العالم».

وهنا الخطر الكبير: الإعلام والمعلومات التي تدخل إلى قلوبنا وتحاول أن تغيّر إيماننا.

لذلك يجب أن نفهم إيماننا المسيحي، لأن الإنسان اليوم لا يمكنه أن يبقى محايدًا أمام يسوع: إمّا أن يكون معه، أو ضده. لا يوجد مكان ثالث. أو من آل اليمين أو من آل اليسار ، لا يمكننا أن نغلق أعيننا وآذاننا ونقول هذا لا يخصنا، سنكون حكماً من آل اليسار .

يسوع جاء ليصحّح مفهوم العهد القديم، بينما الناس اليوم ما زالوا يفسّرون الأمور بحسب أفكارهم، ويقولون إن كلامه لا ينفع.

لكن يسوع قال لنا إن أرض الميعاد التي وعدنا بها الله ليست أرضًا جغرافية، بل هي قلوبنا.

في العهد القديم، وُعد الشعب بأرض لا يُعبد فيها إلا الله. واليوم، يسوع يبيّن لنا أن المكان الذي يجب أن يُعبد فيه الله هو قلوبنا.

نحن ننتظر مجيء المسيح، نعم، لكن ليس لنسيطر على العالم، ولا لنغلب الآخرين.

يسوع وعدنا أنه سيعود ليردّ الملك إلى الآب، وأنه بحاجة أن نعمل معه لنسخر اعداءه تحت قدميه.

من هم أعداؤه؟ ليسوا البشر ، ليسوا الخطأة ولا حتى الكفرة ، أتسمعونني ؟ ولا حتى القتلة والزناة.

أعداء يسوع هم الخطايا ! وآخر عدو يريد أن يسحقه هو الموت ليرد البشرية معتقة من الموت، مطهرة، هذا المجئ الثاني الذي ننتظره!

يا إخوتي، نحن كمسيحيين قد يكون لنا أعداء، من يكرهنا، من يؤذينا، لكن ليس لنا أعداء لنقتلهم أو ندوسهم.

نحن لدينا أعداء لنحبّهم.

يسوع، وهو على الصليب، قال عن أعدائه: «يا أبتِ اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون».

من يتبع يسوع عليه أن يسمع هذه الكلمة، !

هذه هي الكلمة التي يجب أن نعيشها: أن نحبّ اعداءنا، ونغفر لهم، ونفتح لهم أيدينا وقلوبنا.

وإلا، لا نكون من يسوع.

نعم، لدينا شهداء، لكن الشهيد المسيحي هو الذي يموت من أجل إيمانه، لا الذي يقتل الآخرين.

نحن لا نفجّر غيرنا، ولا نقصف غيرنا، ولا نقتل غيرنا. شهيدنا يموت وهو يحبّ، يموت وهو يغفر. 

هل تسمعونني؟ لأن هذا الأمر مهم جدًا، يا إخوتي. اليوم، أنا وإيّاكم، كلّنا لصوص، كلّنا خطأة، وكلّنا نستحق الصلب. ولكن اليوم نحن مدعوّون أن نأخذ قرارًا: في أيّ ملكوت نريد أن نكون؟

لصّ الشمال يمثّل الأكثرية، الذين ينظرون إلى يسوع ويقولون: «خلّص نفسك! انزل عن الصليب!»

يريدون إله ينزل عن الصليب. 

ما معنى أن ينزل عن الصليب؟ 

يعني ما نريده نحن: نريد من الله أن يشفينا، يخلّصنا، أن ينصرنا، يسحق اعداءنا، أن يطيل أعمارنا، أن يعطينا حياة سهلة، أن يبعد المرض، أن يبعد عنا القذائف، والأعداء … ، وأن نعيش براحة…

لكن العلة أن يسوع، على الصليب، لم يخلّص نفسه ولم يخلّص أحد.

هناك شخص معلق على الصليب وهو لصّ، نظر إلى يسوع وهو يموت، ورأى أنه لا يشبه البشر: إنسان معلّق، مضروب، مظلوم، محكوم عليه ظلمًا، لم يفعل شيئًا، والكلّ يهاجمه ويستهزئ به.

كانوا يقولون له: «أين إلهك؟ لينزل ويخلّصك! لماذا لا تخلّص نفسك؟»

رأى إنسانًا متروكًا من الجميع، من أهله، من تلاميذه. لا أحد يقف إلى جانبه.

ومع ذلك، رأى رجلاً “واقف على رجليه”، وهو يغفر، ويسامح، ويموت بسلام. لا يغضب، لا ينتقم، لا يريد أن يدمّر، بل يموت بكمال الحب. 

رأى يسوع الملك ! 

قال له انت الملك! مملكتك غير ظاهرة لكنها ستظهر !  

وهنا يقول له: «اذكرني متى أتيت في ملكوتك».

ليس عندما تصعد إلى السماء .

يعني : عندما يظهر ملكوتك، أريد أن أكون معك، في ملكوت الحب.

أريد أن أكون في الأرض التي تُعبد فيها الله بالحب، الأرض التي تتّسع لكل الناس، حيث لا يُرفض أحد.

لا يجب أن يكون أحد خارج قلوبنا أبدًا.

نحن نريد أن نكون في ملكوتك، ننتظر مجيئك، ونعيش منذ الآن في العدل والسلام والمحبة.

يسوع لا يقود حروب أديان. يسوع ليس صاحب دين بالمعنى الذي نفهمه.

دين يسوع هو الإنسان. إيمانه بحبّ الله، وحبّ الأخ، الأخر.

وهذا مهم جدًا، يا إخوتي.

اليوم، الخطر الحقيقي ليس أن تُقصف بيوتنا، ولا أن تنهار أوضاعنا، ولا حتى أن تتدهور أوضاعنا الاقتصادية.

الخطر الحقيقي هو أن لا نكون في ملكوت يسوع.

الخطر أن يدخل منطق الحرب، ومنطق الكراهية، إلى قلوبنا.

أن يصبح الأخ عدوًّا لأخيه من أجل قطعة أرض، ويظنّ أنها «أرض الميعاد».

الخطر أن يتكلّم إنسان باسم الله، ويدين الآخر، ويظنّ نفسه أفضل منه، وأنه القدّيس، والآخر هو الشرير.

نحن جميعًا نخطئ.

الخطر الكبير اليوم أن يظلم الرجل زوجته، وأن تخون المرأة زوجها، وأن نخدع بعضنا ونكسر بيوتنا.

هل تفهمونني، يا إخوتي؟

مرض الحرب ليس فقط في الخارج، بل في قلوبنا، في بيوتنا، بين الجيران، وبين الأحزاب.

نحن كلّنا، بشكل أو بآخر، نشارك في هذا الواقع.

صدقوني، أخطر من كل الحروب هو حرب القلوب.

حرب داخل بيوتنا، بين بعضنا البعض.

لأن هذا الذي لم يستطع أحد أن يقبله في هذا العالم، وُضع في القبر، وأُغلق عليه بحجر، وخُتم الحجر…

ختموا الحجر بالشمع الأحمر، وأجلسوا حرّاسًا، وكأنهم يصرخون : متّ! لا نريدك أبداً ! 

منطقك يزعجنا ! 

منطقك لا يفيدنا ! 

منطقك يدلنا على السماء ولكنّنا نريد أن نفرح هنا !

ولكن اليوم، يا إخوتي، أريد أن أقول لكم شيئاً: الحروب تنتهي، والممالك تزول. 

أين هو بيلاطس ، أين هو هيرودس ؟ 

أين هي تلك الممالك؟

كم من ممالك مرّت على أرضنا وزالت! كم من قوى قامت وسقطت! أين هي اليوم؟

في النهاية، تبقى حقيقة واحدة: حقيقة قلب الإنسان، قلبي وقلبكم مرتبطة به، لأنها مرتبطة بالحب.

نحن، يا إخوتي، لسنا حزب أو دين أو فئة! نحن أتباع يسوع، الذين يريدون على هذه الأرض مملكة المحبة.

أتسمعونني ؟ مملكة الحب.

واليوم أنا وإيّاكم مدعوّون أن نختار: في أيّ مملكة نريد أن نعيش؟

إذا أردنا أن نكون في مملكة يسوع، لا يمكننا أن نعتمد على قوّتنا.

لا أحد قادر وحده أن يحبّ، أو يغفر، أو يتسامح، أو يموت بسلام.

لكن لدينا أمل واحد أن تتحقق كلمته فينا : «اليوم تكون معي في الفردوس».

يا إخوتي، إذا أردنا أن نأخذ هذا القرار، أن نكون في مملكة يسوع، في مملكة الحب، فليس لأننا أفضل من غيرنا.

أرجوكم، نحن لسنا أفضل من أحد، بل نحن أضعف من كثيرين.

لكننا نؤمن أن بجراحه هو قادر أن يشفينا: أن يشفي قلبي  من لغة الحرب، من الحقد والفئوية، من الأنانية، ومن الكراهية.

ومن الاستغلال الديني الموجود في قلوبنا، الذي نستعمله كل يوم.

هو قادر أن يشفي قلبي.

قادر أن يقول لي : «اليوم تكون معي في الفردوس» لا تعني فقط أننا سنذهب إلى السماء.

بل تعني: اليوم، إذا فتحت لي قلبك، يمكن أن تدخل إلى هذه المملكة.

إذا فتحت لي قلبك، اليوم، يمكنك أن تتصالح مع أخيك.

إذا فتحت لي قلبك، اليوم، يمكنك أن ترد السلام إلى عائلتك.

إذا فتحت لي قلبك، اليوم، يمكنك أن تردّ حقوق الناس الذين سرقتهم.

اليوم، يمكن أن يصبح قلبك جديدًا.

وإلا، يسوع ليس لا إله، ولا عظيم ولا جبار ولا يستهال أن نمشي وراءه ! 

إذا لم يكن قادرًا أن يغيّر قلوبنا عندما نريد، فما قيمة أن نمشي وراءه؟ نخسر هنا، ونخسر فوق.

لكن إيماننا ورجاءنا وثقتنا الاكيدة أن هذه الكلمة التي تحقّقت في اللصّ اليمين، يمكن أن تتحقّق اليوم فييّ وفيكم.

فلنأخذ لحظة صمت ولنتأمل بهذه الكلمة.

وليسأل كلّ واحد منّا قلبه: في أيّ مملكة تريد أن تكون يا قلبي؟

هل تريد أن تكون عن اليمين أم عن الشمال؟

هل تريد لغة العنف؟

أن يسهّل لك يسوع الطريق؟

أم تريد أن تكون في مملكة الحب، وتريد أن يشفي يسوع قلبك المجروح بالعنف؟

لأننا بعد قليل في دفن يسوع، سنكفّنه بطرحة العروس، نحن العروس وهو العريس.

وعندما نرفعه، كما اعتدنا، نُصفّق له، لكن أطلب أن يكون هذا التصفيق علامة خيارنا له، ومسيرتنا وراءه علامة اتّباعنا له.

لأنه إن تركناه اليوم، فلن يبقى له أحد.