عظة الأب رمزي جريج – ٢ أيار ٢٠٢٦

إخوتي وأخواتي، إنّ كلمة الربّ اليوم مهمّة جدًّا لحياتنا، وأنا أودّ أن أستخلص منها فكرتين لتأمّلنا أنا وإيّاكم.

في أعمال الرسل، رأينا أنّه أمام بشارة الخلاص التي كان يُعلنها بولس في أيقونية، يقول إنّ اليهود تآمروا وبدأوا يحاربون البشارة. ولماذا برأيكم؟

لأنّ هذه الكلمة اليوم لا تتحدّث عن شعب أو عن فئة، بل عن كلّ واحد منّا.

فمتى نقاوم نحن البشارة؟ ومتى نصير نعمل ضدّها؟

عندما نظنّ أنّ الله يأتي ليأخذ منّا شيئًا، عندما نظنّ أنّه يأتي ليزعجنا أو لينقص شيئًا من حياتنا.

وهذه نقطة مهمّة جدًّا، لأنّه في ذلك الوقت، كان شعب إسرائيل يظنّ أنّ يسوع سيأخذ منهم ديانتهم، ولم يفهموا أنّه جاء ليكمّل، ليُتمّ الإيمان الذي في العهد القديم.

ونرى أنّ بولس يستشهد بالعهد القديم، حين يقول الله لشعبه إنّهم سيكونون نورًا لكلّ الأمم. لكنّهم لم يفهموا أنّ الله اختارهم ليُوصلوه إلى جميع الناس، بل ظنّوا أنّ الله لهم وحدهم.

وعندما جاء يسوع وقال لهم: «اذهبوا وبشّروا جميع الأمم»، ظنّوا أنّه يأخذ منهم شيئًا، فقاوموه.

وهكذا نحن أيضًا، مرّات كثيرة، نظنّ أنّ الله يأتي ليأخذ منّا شيئًا، ولذلك نبدأ بمحاربته.

أحببت كثيرًا هذه الكلمة، وأردت أن أضيئها من خلال حياة القدّيس بارتولو لونغو.

إذا بحثتم عن حياته، تجدون أمورًا كثيرة مهمّة. من بينها أنّه في بداية حياته سار في طريق بعيد جدًّا عن الله:

سار وراء عبادة الشيطان، وراء السحر، وراء المخدّرات، وراء التنجيم وتحضير الأرواح، حتى أصبح كاهنًا للشيطان، يقيم ما يُسمّى بالقدّاسات السوداء.

وكان إنسانًا مثقّفًا، محاميًا، متعلّمًا. فنطرح السؤال: لماذا في بداياته صار ضدّ الله؟ لماذا اختار هذا الطريق؟

عندما نقرأ قصّته، نكتشف أمرًا أساسيًّا: لقد توفّيت أمّه وهو في العاشرة من عمره.

وهذا الحدث المؤلم، مثل أيّ حدث موجع في حياتنا، جعله يظنّ أنّ الله أخذ منه شيئًا، أنّ الله حرمه أمّه، فصار ضدّ الله.

لكنّه يروي أنّ كلّ ما عاشه من سحر وعبادة شيطان ومخدّرات لم يملأ قلبه.

وفي يوم من الأيّام، تعرّف إلى كاهن دومينيكاني علّمه صلاة المسبحة.

ويُخبر أنّه في لحظة كان فيها حزينًا جدًّا، قلقًا، يعيش انهيارًا نفسيًّا، سمع صوتًا في داخله يقول له:

“إذا أردت أن تجد السلام، فانشر صلاة المسبحة.”

وهنا أحببت هذه الفكرة كثيرًا: ما معنى أن ننشر صلاة المسبحة؟

نحن غالبًا نظنّ أنّ الأمر هو فقط أن نعلّم الناس كيف يصلّونها أو أن نوزّع المسابح. وهذا جميل، لكنّه يبقى الشكل الخارجي.

كما علّمنا القدّيس البابا يوحنا بولس الثاني، وخاصة في رسالته عن ورديّة العذراء مريم، حيث استشهد كثيرًا ببارتولو لونغو، فإنّ صلاة المسبحة هي أن نتعرّف، مع مريم، إلى يسوع.

ما أجمل هذا المعنى: هو فقد أمّه، وفقد إيمانه، فجاءت أمّ أخرى، هي مريم، لتقول له:

لديك أب يحبّك.

أنت لست متروكًا.

الله لم يأخذ منك شيئًا.

إخوتي، ليس صحيحًا أنّ الله أخذ منّا أحباءنا،

ليس صحيحًا أنّ أحداث الحياة الصعبة، المرض، الألم، الحروب، تعني أنّ الله تركنا أو أنّه ينتزع منّا شيئًا.

بل الله هو الآب، الذي أحيانًا يسمح لنا أن نتألّم لكي ننمو، لكي نكبر، لكي ندخل في عمق الحياة معه.

قال له: إن أردت أن تفهم هذا الأمر، فعليك أن تنشره.

إذا تأمّلنا، نرى ما هي صلاة المسبحة. فالإنسان لا يجلس مع الآخر إذا لم يحبّه. وكثيرون يقولون إنّ صلاة المسبحة مملّة، وأنّنا ما إن نبدأ بها حتى نشعر بالنعاس.

فمتى تتحوّل صلاة المسبحة من صلاة سطحيّة إلى صلاة عميقة ومهمّة؟

عندما نفهم أنّها جلوس مع يسوع، وأنّنا نتعلّم فيها كيف نجلس معه.

فالجلوس مع شخص لا نحبّه، أو نخاف منه، أو نحمل عليه عتبًا، يجعلنا ننتظر انتهاء الوقت لنقوم بما علينا ونمضي. أليس كذلك؟

مثل من يزور حماته، ينتظر انتهاء الزيارة ليغادر.

أمّا عندما يزور الحبيب حبيبته، أو الصديق صديقه، يقول: “ليت الوقت لا ينتهي، ليت اللحظة تدوم”.

هكذا تصبح صلاة المسبحة صلاة لذيذة، عندما تعلّمنا العذراء، وتساعدنا، أن نتعرّف من خلالها إلى يسوع، وأن نجلس معه، ونسمعه، ونتحاور معه، ونعيش معه.

لكن هذا يتطلّب مصالحة معه.

فصلاة المسبحة، التي هي تعرّف إلى يسوع، تُصالحنا مع الله.

نحن جميعًا، في أماكن كثيرة من حياتنا، نحمل عتبًا على الله.

كلّ واحد منّا لديه سبب ما ليعاتب الله عليه منذ صغره. أليس كذلك؟

قد لا يكون الجميع قد فقدوا أمّهاتهم، لكنّهم تعرّضوا لأمور أخرى.

ونحن هنا في لبنان نقول: من حرب إلى حرب، من أزمة إلى أخرى، ونتذمّر كثيرًا.

لكن من يصلّي المسبحة، يتعلّم من خبرة العذراء مع يسوع أنّ الألم والعذاب والصعوبات ليست غياب الله.

فالعذراء لم تعش فقط آلام يسوع، بل عاشت أيضًا الهرب إلى مصر، وعاشت الولادة، والزيارة، وكلّ تفاصيل الحياة.

لكنّها، لأنّها امرأة التأمّل، كانت ترى في كلّ شيء حضور الله، الذي هو أب وأمّ لنا.

فالعذراء هي التي تدلّنا على الله، الآب الحنون.

ولهذا السبب أصبح بارتولو لونغو قدّيسًا:

لأنّه بعد أن فقد أمّه الأرضيّة، وجد أمّه السماويّة التي دلّته على أبيه السماوي.

في الإنجيل، يقول فيلبس ليسوع: “أرِنا الآب وكفانا”.

فيجيبه يسوع: “من رآني فقد رأى الآب. أنا في الآب والآب فيّ”.

والعذراء تقول لنا: من تعرّف إليّ، أعرّفه إلى ابني، ومن رأى ابني رأى الآب.

فالله كشف لنا وجهه في يسوع، ويسوع أعطى الكنيسة، والعذراء، والرسل، هذه الرسالة:

“اذهبوا وبشّروا وعلّموا جميع الأمم”.

فصاروا هم يدلّون الناس على يسوع، ويسوع يكشف للناس صورة أبيهم السماوي.

الكنيسة هي أمّ، والعذراء هي صورة الكنيسة، صورة الأمّ.

والأمّ تُعرّف أولادها على أبيهم.

لأنّه في النهاية، لا شيء يعطي السلام الحقيقي لقلوبنا، إلا أن نعرف أنّ لنا أبًا صالحًا يحبّنا.

هذا ما عاشه يسوع نفسه:

كان واثقًا أنّ له أبًا صالحًا، وكان متّكلاً عليه.

وعندما مات على الصليب، قال: “يا أبتِ، في يديك أستودع روحي”،

وقال أيضًا: “يا أبتِ، اغفر لهم، لأنّهم لا يدرون ماذا يفعلون”.

مات يسوع بسلام، لأنّه كان في سلام مع أبيه، ومع السماء، ومع الأرض، ومع إخوته.

ما أجمل رسالة بارتولو لونغو:

ليست فقط أن نصلّي المسبحة، بل أن نلتقي بيسوع، وأن نعلّم الناس أن يلتقوا به.

أن نعلّمهم صلاة المسبحة الحقيقية، لا أن نعطيهم فقط الطريقة الخارجيّة للصلاة، بل أن نقول لهم: هذا وقت لتتعرّفوا فيه إلى يسوع.

كما قال البابا القدّيس بولس السادس:

“المسبحة بدون تأمّل، مثل الجسد بلا روح”.

فتصبح صلاة ميتة.

لأنّ كلّ صلاة مسيحيّة هي في جوهرها مكوث مع الربّ يسوع.

اليوم، إخوتي، إنّ تكريمنا للقدّيس بارتولو لونغو، واحتفالنا بعيد العذراء سيدة الوردية، هو فرصة لنا لنطلب من الربّ أمرين:

أوّلًا: شفاء قلوبنا من جراحنا، من كلّ ما يستعمله الشرّ ليقول لنا إنّنا بلا أب، وإنّ الله لا يحبّنا.

ثانيًا: أن نتمسّك بإيماننا، كما نتمسّك بالمسبحة بين أيدينا.

أشارككم سرًّا:

في الأيّام الصعبة التي مررت بها، كنت أحبّ أن أغفو وأنا أمسك بالمسبحة.

لأنّها علامة، كأنّها يد ممسوكة بيد شخص أثق به.

فلنطلب من الربّ:

“يا ربّ، قوِّ إيماننا، واجعلنا في قلب عالمنا، في مجتمعنا الصغير في لبنان، وفي الشرق، وفي العالم، بشارة حبّك لكلّ إنسان.”

لنأخذ الآن دقيقة صمت، نتأمّل فيها بهذه الكلمة، ونكمل قدّاسنا بفرح.