عظة الأب جورج ميلع – ٢٢ شباط ٢٠٢٦

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين.

في أوّل أحدٍ من زمن الصوم، بحسب الكنيسة اللاتينيّة، تعطينا الكنيسة قراءاتٍ مهمّة جدًا لحياتنا. لن أدخل في تفاصيل كلّ القراءات، لأنّ القراءة الأولى والقراءة الثانية تخبرانا عن أمرٍ أساسيّ للغاية: تخبرانا أنّ الإنسان عندما يقع ويمشي بخدعة الشيطان، بخدعة إبليس، يدخل الموت إلى قلبه. سواء في القراءة الأولى أم في القراءة الثانية، يُقال لنا التفصيل عينه: حين يمشي الإنسان في هذه الخدعة، فالموت حتمًا يدخل إلى حياته.

وإذا نظرنا إلى حياتنا، نرى أنّه في كلّ مرّة نسمع للشيطان ونلحق به وننخدع، نجد أنّ الموت قد دخل إلى قلبنا. والسؤال هو: أليس تاريخ البشريّة كلّه تاريخ الإنسان الذي يبحث عن الفرح والسعادة والراحة والسلام، لكنّه في الوقت عينه لا يستطيع أن يبلغها لأنّ الشيطان يخدعه في كلّ مرّة؟

إلى أن جاءت هذه القراءات اليوم لتخبرنا تاريخيًّا أنّه أتى إنسان، ابن الإنسان، ابن الله، الذي صار إنسانًا، وسلك المسيرة نفسها التي سلكها الإنسان، لكنّه لم ينخدع. جاء الشيطان ليجرّبه ويخدعه، لكن بدل أن يخدعه، انتصر عليه. وتقول لنا القراءات اليوم: إذا نحن سرنا المسيرة نفسها معه، نخرج غالبين.

وما هو الصوم إلّا هذا؟ ما هو مسار الصوم في حياتنا؟ إنّه أن نسير وراء يسوع الإنسان، يسوع الذي يجوع، يسوع الذي يتألّم، الذي يُجرَّب مثل كلّ واحدٍ منّا، ولكنّه الذي شابهنا في كلّ شيء ما عدا الخطيئة، لكي إذا متنا معه نحيا معه.

لهذا أودّ اليوم أن أتوقّف معكم عند الإنجيل الذي سمعناه، إنجيل تجارب يسوع الثلاث. لقد أثّر فيّ كثيرًا تأمّلٌ للبابا فرنسيس في عظة تبشير الملائكة حول هذا الإنجيل، وأخذني إلى تفكيرٍ عميق. أظنّ أنّ كلّ واحدٍ منّا إذا تأمّل فيه يرى حياته فيه.

يقول البابا فرنسيس إنّ الشيطان حاول أن يخدع يسوع، كما يحاول أن يخدعنا نحن أيضًا، في ثلاث نقاط أساسيّة.

أوّل نقطة: الحاجة، الجوع. لم يبدأ الشيطان بقوله: «إن كنتَ ابن الله»، بل بدأ بالجوع، بالحاجة. ما هو الجوع؟ هو الحاجة. ماذا ينقصك؟ ماذا تحتاج؟ ثمّ يسأل: إن كنتَ ابن الله، لماذا أنت جائع؟ لماذا ينقصك المال؟ لماذا تركت عملك؟ لماذا تنقصك العاطفة في حياتك؟ لماذا هناك أمور لا تقدر أن تحصل عليها؟ أهو حقًا أبوك؟ هنا الشيطان يعرض نفسه ويسأل هذا السؤال الذي كثيرًا ما نقع فيه.

التجربة الثانية تأتي بعد أن يضرب في الحاجة: يضرب في الثقة. يقول له: «ألقِ بنفسك إلى أسفل، إن كنتَ ابن الله». كم مرّة في حياتك وقعتَ ولم يُنقذك؟ كم مرّة صلّيت ولم يتغيّر شيء؟ كم مرّة قلتَ: أين الله؟ صلّيت كثيرًا، فأين هو؟

أتذكّر عندما ذهبت في رسالة إلى بابوا غينيا الجديدة، وكان عليّ أن أمشي عشر ساعات في الغابة، والطريق صعبة جدًا. كنت أصلّي المزامير وأنا أسير، وكنت أكرّر: «يحفظك الرب من كلّ سوء، يحفظ الرب ذهابك وإيابك»، و«لا يدع رجلك تزلّ». صدّقوني، في المرّة الأولى وأنا أصلّي، زلّت قدمي وكدت أسقط في الوادي. كم مرّة الشيطان يدقّ في هذا المكان؟ صلّيتَ وزللتَ. صلّيتَ ودخلت في مشكلة. إذًا لا تثق به. انظروا كم هي قويّة هذه التجارب.

أمّا التجربة الثالثة، فهي تجربة السلطة. بعد أن يضرب في الجوع، ثمّ في الثقة، يقول لك: اتّكل على نفسك. اصنع سعادتك بقوّتك. هو لا يقدر أن يعطيك شيئًا. فتّش عن خلاصك بمالك، بسلطتك، بالناس، بكلّ شيء… إلّا الله.

إذا طلبتُ منكم الآن أن تفكّروا كيف تدخل الخطيئة إلى حياتنا، أظنّ أنّ أكثرنا سيقول: في البداية شعرتُ أنّ لديّ حاجات لا تُشبَع. ثمّ فقدتُ الثقة. ثمّ أقنعتُ نفسي أنّ عليّ أن أتّكل على نفسي وحدي.

الجميل أنّ يسوع في قلب هذه القراءات أعطى جوابًا قويًا للشيطان. نعم، حاربه بكلمة الله، لكن ليس فقط بالكلمة المكتوبة، بل بكلمة: «الله». تمسّك بالله نفسه. قال له: أنا متمسّك بهذا الإله الذي تقول إنّه لا يعطي شيئًا. هو الذي يعطي معنى لحياتي.

لغتنا تذكّرنا بذلك. نقول: «يا الله» عند الخوف، ونقول: «يا الله شو حلو» عند الفرح. الله هو الحلّ في كلّ شيء.

في التجربة الأولى، عندما قال له: حوّل الحجارة خبزًا، أي ابحث عن حاجتك هنا وهناك، أجابه يسوع: كلمة الله تكفيني. حبّ الله وحده يكفيني. إذا كانت كلمته في حياتي، فأنا شبعان.

واليوم السؤال لنا: نعم، تنقصنا أمور كثيرة. قد ينقصك المال، أو العاطفة، أو الاهتمام، أو شريك الحياة… لكن هل عندك الله؟ هل عندك حبّ الله؟ إن كان عندك، فعندك كلّ شيء.

وفي التجربة الثانية، قال: «لا تجرّب الرب إلهك». أنا متمسّك بإلهي، وسأبقى أثق به، حتى لو كانت طرقه غير طرقي، وحتى لو تلقيت صفعاتٍ من الحياة، فحبّه يكفيني.

وفي التجربة الأخيرة، قال له الشيطان: أنت سيّد قرارك. اسجد لي. لكن يسوع قال: أنا الابن، وسأبقى الابن. لي أب، وهو مصدر حياتي.

عصرنا اليوم يدعونا إلى أمرٍ واحد: أن نكون «سادة أنفسنا»، أحرارًا بلا مرجعيّة. لكن يسوع اختار أن يبقى ابنًا.

ولذلك، فلننظر اليوم إلى حياتنا، إلى الأماكن التي يخدعنا فيها الشيطان، ولننظر إلى إلهنا الذي سار درب الصليب. يقول الإنجيل إنّ الشيطان تركه إلى حين، أي إلى الصليب. وهناك، على الصليب، جائعًا، عطشانًا، مجروحًا، متروكًا، قال: «يا أبتِ، في يديك أستودع روحي».

فلنكن اليوم مثل يسوع في الصحراء: قد نكون جائعين، عطاشى، متروكين، ينقصنا الكثير، لكن إن كان حبّك معنا يا ربّ، فنحن نملك كلّ شيء.

لنأخذ لحظة صمتٍ نتأمّل فيها بهذه الكلمة، ثمّ نكمل القدّاس.