باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
أودّ أن أتأمّل معكم، يا إخوتي، في قراءات هذا اليوم، من خلال ثلاث كلمات؛ في كل قراءة كلمة أثّرت فيّ، وسأتوقّف عندها قليلًا بصراحة، لأنها لمستني بعمق في هذه المرحلة من حياتي التي أمرّ بها، وشعرت أنّها أيضًا كلمة تخاطب قلوبنا اليوم.
وكأنّ الكنيسة، عندما تعطينا هذه الكلمة، إنما تعطيها لحياتنا، لأنها تلامس قلوبنا بصدق.
الكلمة الأولى: الخوف
في القراءة الأولى، نجد كلمة الخوف، حيث يقول النبي:
«قولوا للخائفين: لا تخافوا».
ربما هذه فرصة لنا اليوم، يا إخوتي، لنسأل:
لماذا جاء يسوع؟
لأنه في قلوبنا خوف.
وفي قلب كل واحد منّا خوف من شيء ما.
واليوم، ليس فقط وضع البلد هو السبب، رغم كل ما عشناه وما نعيشه، بل كل واحد منّا مدعو أن يسأل نفسه هذا السؤال بصدق:
من ماذا أخاف اليوم؟
هل أخاف على مستقبلي؟
على مستقبل أولادي؟
هل أخاف أن يُحكم عليّ؟
هل أخاف من الآخرين؟
من وضع البلد؟
كل واحد منّا يحمل خوفًا ما.
ويقول الرسول بولس إنّ الخوف، في نهايته، يُولّد الخطيئة.
كم من مرّة قادنا خوفنا إلى الخطيئة!
لكن قبل أن نصل إلى ذلك، نحن مدعوون اليوم فقط أن نسأل أنفسنا:
ما هو خوفي اليوم؟
وتقول القراءة:
«شدّدوا الأيدي المسترخية، وثبّتوا الركب الواهنة، قولوا لفزعي القلوب: تقوّوا ولا تخافوا. هوذا إلهكم».
اليوم، من ماذا تخاف؟
أنت وأنا، وكل واحد منّا.
اليوم هناك وعد لنا:
إلهنا أقوى من خوفنا.
فلنبدأ هذا التأمّل من هنا:
أن نصدّق هذا أولًا.
أن نقول له: هذا خوفي.
لنأخذ لحظة صمت، ولو ثلاثين ثانية،
يفكّر كل واحد منّا بخوفه،
ويقول للرب:
«يا رب، هذا خوفي، أضعه بين يديك.
قوّني، لأنك أقوى من كل خوف أعبر فيه».
⸻
الكلمة الثانية: الصبر
الكلمة الثانية، يا إخوتي، نجدها في رسالة الرسول بولس، حيث يبدأ بالقول:
«اصبروا».
الصبر.
اليوم، مرض هذا العصر : لا أحد لديه صبر.
نرى ذلك في حياتنا اليومية، في الطرقات، في البيوت، في العائلات، بين الأزواج، في ازدياد نسب الطلاق.
لم يعد أحد يطيل باله على الآخر.
نحن نعيش في عصر السرعة:
كل شيء يجب أن يكون فورًا.
أجوبة سريعة، حلول سريعة، نتائج سريعة.
والإنسان لم يعد يصبر.
وقلة الصبر، يا إخوتي، تنبع من أمر عميق:
من فقدان الثقة.
الذي ينتظر وهو واثق أن من يحبّه آتٍ، يصبر.
الذي يثق أنّ ما وُعد به سيأتي، يصبر.
لكن عندما يفقد الإنسان ثقته،
يفقد صبره.
لذلك، فلنأخذ نحن أيضًا لحظة،
نفكّر في الأماكن التي لا نصبر فيها:
لا نصبر على الآخرين،
لا نصبر على الأوضاع،
وأحيانًا لا نصبر حتى على أنفسنا،
ولا نصبر على الله.
ويقول يعقوب الرسول:
«اصبروا أيها الإخوة إلى مجيء الرب».
الرب آتٍ.
آتٍ إلى قلبك،
إلى حياتك،
إلى قصتك.
الوعد الذي سمعته ليس كذبة.
الرب سيأتي، وسيعطيك ما يحتاجه قلبك.
ويقول:
«اصبروا صبر الأنبياء».
الأنبياء رأوا الحروب، رأوا الظلم، رأوا الخراب،
لكنهم كانوا واثقين أن الرب سيخلّص شعبه.
اليوم، في كل مكان نفقد فيه صبرنا،
وفي كل مرة نشعر أننا نفقد الإيمان والرجاء،
تأتي هذه الكلمة لتقول لنا:
اصبروا.
فلنضع قلة صبرنا، وقلة إيماننا، بين يدي الرب،
ونقول له:
«يا رب، أعطنا الصبر، وعلّمنا أن ننتظر».
⸻
الكلمة الثالثة: الشك
والكلمة الثالثة، يا إخوتي، تَرِدُ في الإنجيل، في مشهدٍ نمرّ فيه مع يوحنا المعمدان.
نحن معتادون على يوحنا القاسي في خطابه، الداعي إلى التوبة، الذي كان «يكسر الدنيا» بكلامه، والذي اعتدنا عليه وهو يقول:
«أنا أعمّدكم بالماء، أمّا الآتي بعدي فيعمّدكم بالروح والنار، ويحرق الأخضر واليابس، والذي لا يتوب يُحرق».
هكذا كان يفكّر يوحنا.
لكنّه وجد نفسه في السجن.
وهنا، في قلب السجن، عاش يوحنا خبرة صعبة: خبرة الشك.
والكلمة هي: الشك.
وهذه كلمة مهمّة جدًا لنا اليوم، يا إخوتي.
يمكنك أن تشك، ويمكنك أن تعيش الشك، خصوصًا عندما تكون موعودًا بشيء، ويأتيك شيء مختلف تمامًا.
كان موعودًا بالمخلّص القوي الذي يكسر الدنيا، الذي يُنزل العقاب، الذي يُنهي الظلم، فإذا به هو في السجن، والمجرم الذي حبسه ما زال في الخارج، حرًّا، ويكمل طريقه.
كم مرّة نعيش نحن هذه الخبرة، يا إخوتي؟
كم مرّة نجد أنفسنا نقول للرب:
«يا رب، كم صلّيت لك، وما زلت كما أنا؟
كم طلبت منك، وما زلت كما أنا؟
حقًا أنت؟
حقًا أنت تفي بوعودك؟»
كم مرّة نسمع الناس يقولون، ونقولها لأنفسنا:
«الصلاة لم تعد تنفع.
لماذا أصلّي؟
لا شيء يتغيّر.
لا شيء يتغيّر فيّ،
ولا في غيري،
ولا في الوضع.
ما زلت كما أنا».
كم مرّة نقول:
«منذ كم سنة أذهب إلى الكنيسة؟
منذ كم سنة أُصلّي؟
منذ كم سنة أشارك؟
ومع ذلك، لم يتغيّر شيء، بل أشعر أنّني أعود إلى الوراء».
فنصرخ:
«حقًا أنت الله؟
حقًا أنت الذي وُعدتُ به؟
حقًا أنت قادر أن تخلّصني؟
حقًا أنت قادر أن تعطيني؟
لماذا صلّيتُ لك في هذه الحالة ولم يتغيّر شيء؟
لماذا لا تسير الأمور في عملي؟
لماذا لا تسير الأمور في عائلتي؟
لماذا لا تسير الأمور مع أصدقائي؟»
وهذا نسمعه كثيرًا، يا إخوتي، حتى من الذين يهيّئون أنفسهم للزواج، وينتظرون العريس، ولا تسير الأمور كما يتمنّون.
انتبهوا، يا إخوتي، أريد أن أقول لكم أمرًا مهمًا:
إذا كان يوحنا قد مرّ بهذه الخبرة، يوحنا المعمدان نفسه، الذي بشّر بمجيء يسوع وقال عنه: «هذا هو الأعظم»،
فكأنّ الإنجيل يقول لنا اليوم:
يحقّ لكم، ولا تخافوا، إن مررتم بهذه الخبرة.
هذا جزء من الإيمان:
أن تجرؤوا أن تسألوا الله هذا السؤال.
أن تسألوا يسوع:
«كيف تريد أن تخلّصني؟»
واليوم، نحن مدعوون أن نطرح هذا السؤال بصدق:
«أأنت هو؟
هل أنت فعلًا الذي سيخلّصني؟
أم عليّ أن أبحث عن خلاص في مكان آخر؟»
كأنّ يوحنا يقول له:
«هل ستخلّصني أنت؟
أم أذهب إلى هيرودس ليُخرجني من السجن؟»
وهنا يأتي جواب يسوع القوي.
قال لهم:
«اذهبوا وقولوا ليوحنا…»
قولوا له:
أنت الجالس في العتمة، في عتمة السجن،
أنت الجالس وحدك،
أنت الذي لا يستطيع أن يمشي،
أنت الذي يشعر أنّه يموت…
قولوا له إنّي أنا أعطي نورًا لكل من هو في الظلمة.
قولوا له إنّي قادر أن أُقيمه من موته.
قولوا له إنّي الإله الذي يخلّص،
ولكن ليس دائمًا بالطريقة التي يتوقّعها الإنسان.
أنا الإله الذي يفاجئ.
أنا الإله الذي يعطي أكثر بكثير من الانتظارات.
قولوا له:
إذا كان ينتظر أن يخرج من السجن،
فأنا أخلّصه من الموت.
إذا كان ينتظر حرّية صغيرة،
فأنا أعطيه حرّية القلب.
إذا كان ينتظر سلامًا من الرومان،
فأنا أعطيه السلام الحقيقي الذي لا يزول.
إذا كان ينتظر فرحًا صغيرًا،
فأنا أعطيه الفرح الأبدي الذي لا يستطيع أحد أن يسرقه منه.
واليوم، يا إخوتي، نحن مدعوون أن ندخل في هذا الإيمان.
الرب اليوم يقول لك ولي ولكل واحد منّا:
لا تخف.
أنا جئت لأخلّصك،
وجئت لأقيمك من موتك.
قد يتأخّر،
ونعم، أحيانًا يتأخّر.
حتى الابن على الصليب سأل:
«إلهي، إلهي، لماذا تركتني؟»
نستطيع أن نسأله هذا السؤال.
نستطيع أن نقول له: لماذا هذا الغياب؟
لكن دعونا اليوم أيضًا نصغي،
ونجعل قلوبنا تسمع صوته، وهو يقول لنا:
«أنا قادر أن أُقيمك من موتك.
أنا قادر أن أعيد الحياة إلى حياتك.
أنا، بحبّي، قادر أن أشفي قلبك.
أنا الإله القادر أن يخلّصك.
وأنا الإله الذي سيفاجئك،
ليس كما تتوقّع،
بل أكثر بكثير، وأعمق بكثير ممّا تتوقّع».
وأختم هذا التأمّل، يا إخوتي، كما انتهت القراءة الأولى، وهي نهاية أحببتها كثيرًا:
«والمفديّون من الرب يرجعون، ويأتون بترنيم،
ويكون على رؤوسهم فرحٌ أبدي،
ويتبعهم السرور والفرح،
وتنهزم عنهم الحسرة والتنهد».
فلنأخذ لحظة صمت،
ونضع شكّنا أمام الرب،
ونقول له:
«نعم، قد تتأخّر،
لكنني أصدّق أنك الإله القادر أن تخلّصني،
وأن تفاجئني،
وتعطيني أكثر مما يتوقّعه قلبي».
