عظة الأب جورج ميلع – ٧ أيلول ٢٠٢٥

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.

القراءة التي سمعناها من الإنجيل، إخوتي، تجعلنا نسأل الرب يسوع سؤالًا. يقول: “الذي لا يحبني أكثر من أبيه وأمه وأخواته وأولاده لا يستطيع أن يكون تلميذي”. هكذا وردت إحدى الترجمات. وهنا يمكننا أن نسأل يسوع: أليست هناك وصية تقول: “أكرم أباك وأمك”، ووصية أخرى تقول: “أحبب قريبك كنفسك”؟ فهل يطلب الرب أن نكره أهلنا لنحبه هو وحده؟ هل هذا منطقي؟ هل هو تناقض؟

لكن إذا تابعنا الإنجيل إلى نهايته نجد أن يسوع يفسّر كلامه بنفسه. ففي ختام هذا النص يقول: “هكذا كل واحد منكم لا يتخلى عن كل ما يملك لا يستطيع أن يكون لي تلميذًا”. إذن السؤال الحقيقي ليس: هل تحب أهلك أم لا؟ هل تحب زوجتك أم لا؟ هل تحب أولادك أم لا؟ لا، بل السؤال هو: من هو مصدر حياتك؟

كل ما تملك، كل ما تعلّقت به، كل ما تشعر أنك لا تستطيع العيش من دونه… أشخاص يأتون إليّ ويقولون: “أنا بلا أهلي لا أستطيع أن أعيش”، لكن ماذا لو توفَّوا؟ ماذا بعد؟ آخرون يقولون: “أنا بلا أولادي لا أساوي شيئًا”. نعم، أنت مدعو أن تعطي نفسك لأولادك، وأنت مدعو أن تكرم أباك وأمك. لكن الرب يسوع يقول اليوم: إذا أردت أن تكون تلميذي، عليك أن تتبعني كما أنا تبعت أبي السماوي. حياتي كلها، يقول الرب، كانت مرتبطة بأبي، متعلّقة به.

فالسؤال المطروح اليوم: من هو مصدر حياتي أنا؟ من يعطيني الحياة؟ من هو الذي بدونه لا أستطيع أن أعيش؟ الرب يسوع يذكّرنا أن الأساس لحياتنا هو الله نفسه.

لذلك تأملتُ أيضًا بكلام القديس بولس في رسالته إلى فيليمون، وهو في شيخوخته، يتحدث عن الشاب أونسيموس الذي كان عبدًا وصار ابنًا له في المسيح. قال له: “أعطيك قلبي فيه”. هنا بولس يقوم بفعل تخلٍ عميق: لم يعد يريد أن يملك شيئًا غير حب الله.

وهذا يذكّرني أيضًا بالمزمور الذي صلّيناه: “علّمنا أن نعدّ أيامنا فنؤتى قلب حكمة”. أي علّمنا، يا رب، أن لا تمرّ لحظة من حياتنا بلا معنى، بلا أن تكون أنت حاضرًا فيها. لا تسمح أن تمضي أيامنا فارغة منك، لأن حياتنا لا معنى لها من دونك.

واليوم، إخوتي، الكنيسة أعلنت قداسة شابين صغيرين، ليسا كهنة ولا رهبانًا ولا مسنّين، بل شابان في عمر 17 و24 سنة. الأوّل كارلو أكوتيس (17 سنة) مات بمرض، والآخر جورجيو فرساتي (24 سنة) مات أيضًا مريضًا. لم يشفهما الرب من مرضهما، لكن حياتهما كانت إعلانًا قويًا.

هذان القديسان عرفا كيف “يعدّان أيامهما”. لم يكن يهمّهما كم عاشا، بل كيف عاشا. لم يكن الهدف أن يشبعا من الدنيا، بل أن يشبعا من الله. يقول كارلو أكوتيس: “قمة التعاسة أن ينظر الإنسان إلى نفسه، وقمة السعادة أن ينظر إلى الله”.

هكذا عاشا. لم يصنعا أعمالًا عظيمة في الظاهر، بل ببساطة عاشا حياتهما متطلّعين إلى الله، ثابتين فيه. وبهذا تحوّلت حياتهما القصيرة إلى نور عظيم.

ويقول جورجيو فرساتي: “إذا كان الله معنا، فنحن لا نخاف من شيء، لأننا نملك كل شيء”.

إخوتي، عندما أتأمل في هذين القديسين الصغيرين أشعر بالخجل من نفسي. هما في هذا العمر الصغير عرفا أن يستثمرا حياتهما بالعمق، بينما نحن كثيرًا ما نضيّع وقتنا وأيامنا بلا معنى. لذلك لنطلب شفاعتهما، كي نعرف كيف نعدّ أيامنا، لا بمعنى العدّ نحو الموت، بل بأن نملأ أيامنا بحضور الله.

ولنصلِّ أيضًا من أجل جميع الشباب في الكنيسة، لأن لديهم دعوة ورسالة. ما أجمل أن الكنيسة ترفع قداسة شابين صغيرين ليكونا قدوة لشبابنا، في وقتٍ يغرينا العالم بمباهج فارغة. هما يعلّمانا أن الحب الحقيقي لله وللقريب هو الذي يعطي المعنى للحياة.

فلنطلب اليوم هذه النعمة: أن نعيش حياتنا بالله، ومع الله، ولأجل الله، فنجد فيها ملء المعنى والفرح. آمين.