إخوتي، اليوم نعيد معًا عيد العائلة، العائلة المقدسة.
وقد لامستني كثيرًا القراءة الأولى، وأحببت أن أتوقف عندها قليلًا. تقول في ختامها: «أكرم أباك وأمك فستريحهم وتكونالحياة جميلة»، لكنها تضيف أمرًا مهمًا وتقول: إن الأب مع التقدّم في العمر قد يضعف عقله، وإن الأم ستتعب.
هذه العائلة، التي هي مشروع أن تضعف، مشروع أن تتعب، هذه العائلة التي قد يكون الأب فيها اليوم قويًا ومتّكَلًا عليه، سيأتي وقت يخفّ فيه عقله، والأم، مهما كانت همّتها واهتمامها، سيأتي وقت تتعب فيه. هذه العائلة بالذات كانت تحمل مشروع الله.
ما أجمل ذلك ! إن الله، عندما أراد أن يأتي إلى العالم، جاء من خلال عائلة يعرف أنها ستتعب، يعرف أنها ستضعف، يعرف أنه سيأتي يومٌ وتخفّ قوّتها، ومع ذلك قرّر أن يأتي في هذه العائلة بالذات.
وانظروا كم هو جميل أن دعوة يوسف ومريم كانت أن يحملهما الله مشروعه. وهذا المشروع لم يكن سهلًا. منذ اللحظة الأولى، لم يكن مشروع يسوع مشروعًا يرفعهم طبقة اجتماعية، ولا مشروع راحة، ولا مشروع امتيازات.
وهنا نصل إلى نقطة عميقة جدًا: الله لم يكن يشتغل في حياة يوسف بطريقة قسرية. لم يكن يأتيه في الحلم ليفرض عليه طريقًا ويمشيه كما يريد. الله لا يعمل هكذا في حياتنا. كيف يعمل؟ يعمل من خلال إرادة الإنسان، من خلال قلبه، من خلال قراراته الحرة، التي تفتح الباب أمام مشروعه.
انتبهوا إلى أمر جميل جدًا: هل تعرفون ما هو الحلم؟ وما هو الليل؟ الليل هو الوقت الذي يخرج فيه ما في داخل الإنسان، حين لا تكون لديه دفاعات، ولا مناعة، ولا رقابة. يكون الإنسان مستسلمًا، منفتحًا. ما نحلمه ليلًا لا نتحكّم به، لأنه تعبير عن لاوعينا، عمّا نعيشه في العمق.
والله في حياة يوسف اشتغل على ما في داخله. يوسف كان منفتحًا كليًا على مشروع الله، لأنه في النهار قال “نعم” لخبر لا يُصدَّق، خبر خارج المنطق الإنساني، خبر كبير جدًا. يوسف صدّق، وقرّر أن يسلك هذا الطريق، وأن ينفتح إلى هذا الحد على الله، وأن يمشي معه، وأن يفتح بوابة قلبه لمشروعه.
إخوتي، يقول لنا بولس أمرًا مهمًا جدًا، ونحن اليوم بحاجة إليه في عائلاتنا وجماعاتنا. يتحدث عن الرجل والمرأة، عن خضوع الزوجة لزوجها، وعن طاعة الأولاد لوالديهم. لكن هل تعلمون من أين يبدأ؟ يبدأ من هذا الإعلان: أنا اخترتكم، وقدّستكم،لتكون فيكم عواطف المسيح، لتكون فيكم عاطفة الله.
كيف تُبنى العائلة؟ كيف تصبح جماعاتنا جماعات عائلية؟ عندما يسأل كل واحد منا نفسه: هل أنا أؤمن أنني مشروع اختاره الله وقدّسه، ووضع فيّ عواطفه؟
أسأل نفسي: أنا كأم في البيت، أنا كأب، أنا ككاهن، أنا كراهبة… هل فيّ اليوم عواطف يسوع؟ العائلة حنان ! هل فيّ حنان الله؟
لا تستخفّوا بهذه الكلمة، إخوتي. هذه الكلمة قادرة أن تقدّسنا. العائلة لا تحتاج مشاريع كبيرة، ولا تحتاج مالًا. هناك عائلات كثيرة اليوم لديها مال كثير لكنها مهدّمة. وهناك جماعات ومؤسسات مرّت بفترات ازدهار، لكنها لم تكن أجمل ما يكون.
ما الذي يجعل عائلاتنا وجماعاتنا عائلات مقدّسة؟ أن يكون فيّ اليوم عواطف يسوع، أن يكون فيّ حنان الله.
من هنا، أدعوكم، إخوتي، في هذا العيد، مع العائلة المقدسة، مع يوسف ومريم، أن نفتح قلوبنا ليسوع، وأن نتركه يسكن فينا.
هل تعرفون كيف تتكوّن فينا عواطف الله؟ عندما نترك الله بذاته يأتي إلى قلوبنا، إلى حياتنا. هذه ليست كلمة تقال، بل فعل. فعل حب.
يوسف ومريم عاشا هذا الفعل، ونحن اليوم، بدورنا، مدعوون، نحن الذين نستقبل المخلّص، نستقبل يسوع، أن نترك عواطفه تظهر في حياتنا.
اسألوا أنفسكم: في كل فعل حب، في كل موقف أنا مدعو أن أعيشه، هل فيه عاطفة الله؟ هل فيه حنان الله؟ هل أعيش قدّاستي؟
أدعوكم أن نأخذ دقيقة، نتأمل بهذه الكلمة، ونضع أمامها قلوبنا لينهى بحاجة اليوم أن تعود فتفرح، أن يعود فتعيش هذه العاطفة. لأن قلوبنا بلا حب تموت، ومع الحب قلوبنا قادرة أن تعيش الحنان، أن تعطي، أن تحب، كما أحبّنا الله.
فلنأخذ دقيقة صمت، ونتأمل بهذه الكلمة، ثم نتابع قداسنا.
