عظة الأب إيلي شمعون – ١٧ آب ٢٠٢٥

إخوتي، أحببت كثيرًا اليوم كلمة الرب، التي جاءت فحدّثت حياتي، والتي جاءت تقول لنا حقيقة نحن اليوم بحاجة إلى أن نسمعها.

أحببت كثيرًا القراءة الأولى التي تخبرنا عن إرميا. وتقول لنا اليوم: هذه البشارة التي حملها إرميا، كانت بشارة قاسية على قلب الإنسان، لأنه كان يحمل الحقيقة أمام قساوة القلب، وأمام خوف قلب الإنسان من الحقيقة التي تكشف قلبه. فماذا يفعل حين تُعلَن الحقيقة؟ يسكتها! يقتلها!

ماذا فعلوا بإرميا؟ إرميا الذي جاء ليقول الحقيقة لقلب الإنسان، جاء ليخبره بخطيئته، جاء ليقول له: “أين أنت اليوم أيها الإنسان؟”. حاولوا أن يسكتوه، فوضعوه في جبّ فارغ، في خزانٍ خالٍ لكي يموت. وفي ذلك المكان عاش إرميا الخبرة التي يقولها لنا المزمور: “أما أنا فإنني فقير جدًا، والرب يعتني بأمري”. وماذا فعل الرب معه وهو في الموت؟ أرسل له شخصًا غريبًا فأنقذه.

إخوتي، اليوم أنا وإياكم أمام حقيقة سمعناها في القراءات: قلب الإنسان في مواقف كثيرة أمام الحقيقة يدخل في تنازلات. يخاف على نفسه، يخاف على جلده، ويفكر بأنانية. كثيرًا ما يفضل أن يسكت. وكثيرًا ما تكون التنازلات التي يقوم بها هي خطيئة. صحيح أنه لا يرتكب الخطيئة بيده، لكن صمته أحيانًا كثيرة، لكي يريح نفسه ويحمي ذاته، هو خطيئة. أن لا نتكلم هو خطيئة، وأن لا نعمل هو خطيئة.

إذًا أنا اليوم مؤتمن على الحقيقة. هذه البشارة يجب أن تصل، يجب أن أحملها إلى الآخر. وتقول لنا الرسالة إلى العبرانيين شيئًا جميلًا: إذا كنت اليوم بحاجة أن تكتشف معنى القداسة في حياتك، فعليك أن تضع نصب عينيك يسوع.

ماذا يعني أن تضع نصب عينيك؟ أمام قلبك الخائف، بمن تتطلع؟ بمن تقتدي؟ تقول الرسالة: تطلع بيسوع الذي رفض كل الغنى، ورفض كل الراحة، ورفض كل العروض التي قُدّمت له، لكي يختار الحقيقة. اختار أن يموت من أجل الحقيقة.

إخوتي، اليوم بالإنجيل كثيرًا ما لا نفهم كلام يسوع. وأنا أعرف أن في أذهانكم تدور أسئلة كثيرة: كيف يقول يسوع “ما جئت لألقي سلامًا بل سيفًا”؟ كيف يقول: “جئت لألقي الانقسام، لألقي الحرب”؟ هل يريد أن يتخاصم العالم مع بعضه؟

إذا انتبهتم، سمعنا اليوم في الإنجيل عن مشاكل بين الأب وابنه، والابن على أبيه، والكنّة مع حماتها، والحماة مع كنتها… وهذه نسمعها كثيرًا ونعيشها كل يوم. وكل واحد في بيته يعرف أنه يعيش هذه الصراعات.

السؤال هو: هل هذه من الله أم لا؟ هذا الإنجيل أتى ليضيء على حقيقة: حقيقة أننا أمامها مدعوون لنقوم بتمييز.

أنا اليوم، ثمار حياتي، هل هي ثمرة النار التي يضعها الله في حياتي، أم ثمرة الأنانية؟ لماذا يتخاصم الأب مع ابنه؟ لأن مصلحته تمسّ. لماذا تتخاصم الكنّة مع حماتها أو الحماة مع كنتها؟ لأن شيئًا في أنانيتهن انكسر. لماذا يتخاصم العالم؟ لأن مصالحه تهددت.

واليوم الرب يقول لي: إذا دخلت النار التي أضعها في قلبك، فإنها ستقسم. نعم، لأن يوم تقبل محبة الله لن تعود قادرًا أن تعيش كما العالم يعيش. أمام الحقيقة لن تعود قادرًا أن تسكت. أمام الحق لن تعود قادرًا أن تقدم تنازلات. وماذا يفعل فيك هذا الحب؟ هذا الحب يخلق خيارات في حياتك، يجعلك تتخذ قرارًا، يجعلك لا تخاف.

أمام لحظة الحقيقة تعرف أنك محبوب، وأنه لا شيء يردك إلى الوراء. إذا كنت اليوم في عملك ترى ظلمًا، وصمتّ وقلت: “خليني آخد معاشي آخر الشهر، المهم أنا مأمّن نفسي”، بينما هناك من يُظلَم، وأنت عندك كلمة تستطيع أن تقولها لتساعده، لكنك تفضل راحتك، هذا ليس حبًا، هذا أنانية.

إذا كنت ترى أخاك يُظلَم، وتقول: “ليدبّر حاله، المهم أنا أموري ماشية”، فهذا ظلم. إذا لكي تُرضي أصحابك، وتكسب محبتهم، تضطر أن تقدم تنازلات، وأن تمشي مع التيار، فهذا خطيئة.

الحب الإلهي ماذا يفعل؟ نار يسوع التي جاء ليلقيها في حياتنا، ماذا تفعل؟ تضعنا في “الخزان” الذي عاشه إرميا. تجعلنا نواجه الحقيقة ونتخذ قرارًا. هذا القرار يوجع، هذا القرار يقسم، هذا القرار لا يترك الوضع كما هو، بل يقلب الدنيا رأسًا على عقب.

لكن إذا جاء هذا الخيار من حب الله، أضاء بالحب. إخوتي، أتدرون من يقسم؟ الشيطان. نعم، إبليس يقسم. لكن بأي روح يقسم؟ بروح الأنانية، بروح الطمع، بروح الذي يقول لك: “دبّر حالك”. بروح الذي يقول: “لا يهمك غير نفسك”. أما روح الله فيقول لك: “لا تخف”.

ارفع عينيك إلى ذاك الذي رفض كل إغراء، رفض كل عز، رفض كل غنى، رفض كل راحة على حساب الحب. هذا الحب جعله يبذل ذاته من أجل الآخر.

إخوتي، كلمة الرب اليوم كلمة كبيرة، كلمة عميقة لحياة كل واحد منا. كثيرًا ما نصغر أدوارنا، فنقول: “أنا ماذا أغير؟ أنا من يهمّ؟ أنا مجرد موظف في شركة، مجرد معلم في مدرسة، مجرد طبيب في مستشفى…”.

لكن الروح الذي يعطيه يسوع اليوم هو روح يغيّر في المكان الذي أنت فيه، وفي الدور الذي تؤديه. هذه الكلمة هي لك ولي اليوم، لكي كل واحد في مكانه يكتشف نار يسوع التي تعطيه القوة ليكون مميزًا، وليكون قادرًا أن يميّز روح الحب.

روح الله في حياتنا يجعلنا أمام مواقف نتخذ فيها قرارات. أمام الحب لا نسكت. أمام الحب لا نتنازل، حتى على حساب راحتنا. لكي تضيء في حياتنا قداسة بحسب قلب الله.

يسوع الذي أحبنا حتى الموت، يسوع الذي أعطى ذاته، نحن اليوم مدعوون أن نضعه أمام أعيننا. كلما ضعفنا نرفع نظرنا إليه ونقول: “يا رب، اجعلنا مثلك في الحب، كما أحببتنا، كما أعطيت ذاتك لنا. علّمنا أن نعطي ذواتنا. علّمنا أن لا ننظر إلى راحتنا أولًا، بل إلى الحب الذي يخلص أخي، والذي يوصل حبك إليه”.

لذلك، أدعوكم في هذا الوقت أن نأخذ دقيقة صمت، نضع قلوبنا أمام الرب. قلوبنا التي تخاف، قلوبنا التي تفكر بأنانية، قلوبنا التي كثيرًا ما تدخل في تنازلات. لكي اليوم تكتشف روح الحب، الذي يعطيها شجاعة وحرية، لتختار دائمًا الحب، وهي واضعة يسوع نصب عينيها.

أدعوكم أن نأخذ لحظة صمت، نتأمل بهذه الكلمة، ثم نكمل القداس.