إخوتي، تفضّلوا.
القراءات التي سمعناها اليوم جاءت لكي تعطينا كلمة خاصة بهذه المسيرة التي نبدأها معًا في هذا النهار. وكنتُ أفكّر صباحًا: ما معنى هذا الأحد الذي أعتبره أحد بدء الصوم؟
تعرفون لماذا هو أحد بدء الصوم؟ لأن صيامنا يبدأ من الطريقة التي نترفع بها، ومن كيفية عيشنا علاقتنا بالمقتنيات، وبالطعام، وبحياة هذا العالم. هذا النهار يكشف كل صيامنا. فالخبرة التي نعيشها مع الطعام تُظهر حقيقتنا في أيام العزّ والراحة، كما تُظهرنا في أيام الشحّ، والانقطاع، والضيق.
والجميل، إخوتي، أن صيامنا مطبوع بهذه الخبرة. لماذا؟ لأنه جاء ليعلّمنا أمرين.
سمعتم في القراءة الأولى ماذا قيل لنا؟ «ارجع إلى أبيك، ارجع إلى الذي خلقك». ارجع إليه لكي تختبر معه خبرة لم تعشها من قبل: خبرة المجانية. «تعالوا، اشتروا وكلوا بلا فضة، اشربوا بلا ثمن». حتى إن لم يكن معك مال، تستطيع أن تأكل وأن تشبع. أما العالم، فماذا يعلّمنا؟ أن لكل شيء ثمنًا، وأن كل شيء يُدفع حقّه، إمّا مسبقًا وإمّا لاحقًا.
فما هي خبرتنا مع الله، الذي يدعونا أن نعيشها في هذا الصوم؟ خبرة المجانية: تعال إلى أبيك، هنا تشرب مجانًا وتأكل مجانًا.
والخبرة الثانية، المرتبطة بالأولى، كما سمعنا في الرسالة إلى العبرانيين: «أيمكن أن يكون طعامك سبب هلاك لأخيك الذي مات المسيح من أجله؟». ماذا يقول لنا الصوم اليوم؟ إن المعيار ليس طعامك، ولا قراراتك، ولا حتى ما تختار أن تصوم عنه. المعيار هو أخوك.
والإنسان الذي يضيّع واحدة من هاتين الخبرتين لا يستطيع أن يصوم حقًا. قد يكون صومه ترويضًا للإرادة، أو قرارًا شخصيًا، أو جهدًا لتحسين الذات؛ لكن هل يكون مع الله؟ لا.
العلاقة مع الله تقوم على أن أختبر مجانية حبّه، لكي أقدر أن أحب أخي.
متى أستطيع أنا وأنتم في صومنا أن ننظر إلى أخينا ونحبّه؟ في اليوم الذي أعي فيه أن الذي أحبّني، أحبّني مجانًا. لأننا في هذا الصوم مدعوون أن نحب أشخاصًا لا نميل بطبيعتنا إلى محبتهم. وقد أواجه أناسًا أقول عنهم: «هؤلاء يغيظونني، هؤلاء يستفزّونني، هؤلاء يُفقدونني سلامي». أكون قادمًا إلى الكنيسة لأكون مع الله، لكن ما إن أراهم حتى يتبدّد كل شيء.
هنا أختبر أن مجانية حب الله قادرة أن تجعلني أحب أخي، قادرة أن تجعلني أصوم حقًا؛ أي أن أخرج من ذاتي من أجل أخي، وأن أعيش معه خبرة حب.
والجميل أن عرس قانا جاء ليحدّثنا عن هذه الخبرة. ماذا فعل يسوع في هذا العرس؟ العرس رمز لحياتنا كلّها. نحن نعيش حياتنا بانتظار عرس، بانتظار فرح، بانتظار تحقيق مشروع. كل مشروع حياة يبدأ من هنا: من عرس، من عائلة، من وعد، من أمل.
لكن في قلب هذا المشروع، الذي نحلم أن يكون كاملًا ومليئًا، يأتي ما يكشف لنا أن شيئًا انكسر. كنت أظن أن حياتي ستكون فرحًا دائمًا. كنت أظن أن هذا المشروع هو فرحة عمري. وفجأة… ينقص شيء. ينتهي شيء. ينقطع شيء. في وسط العرس نفد الخمر.
ماذا يعني نفد الخمر؟ ليس فقط نقصًا ماديًا، بل انطفاء الفرح، وانعدام الدافع، وفراغًا في القلب.
هنا تظهر مريم. ما أجمل خبرة الإيمان التي عاشتها! ما الذي تعلّمنا إيّاه؟ إنها لا تفرض مشروعها على الله، بل تدخل في مشروعه. قالت له في البشارة كلمة واحدة أمام السر العظيم: «ها أنا أمة الرب». وفي عرس قانا، علّمت الخدام كيف يكونون خدامًا، وقالت: «افعلوا ما يأمركم به».
هي عرفت أن كل مشروع حبّ يتحقّق عندما ندخل في خبرة الله، من جهته هو. تعلّمنا أن الفرح الحقيقي يولد من الطاعة، من أن نصير خدامًا.
وكم يحدث، عندما ينفد الخمر من حياتنا، عندما ندخل في مرض أو ضيق أو حزن، أن نحاول تعليم الله ما يجب أن يفعله! حتى في الصوم، أحيانًا أريد أن أعلّم الله ما يقرّبني إليه، وأبدأ بإدانة إخوتي: هذا لا يصوم جيدًا، ذاك يفعل كذا، هذا يقود بهذه الطريقة… كم من «انظروا، انظروا» وإدانات نعيشها!
مريم تعلّمنا أن ندخل في سر الله: «افعلوا ما يأمركم به». أن نصير خدامًا.
في هذا الصوم، دعوتنا واحدة: أن نصير مثل مريم، أن نقبل أن ندخل في مشروعه هو. أن أقول له: «يا رب، في حياتي جوع، ومرض، وحزن، ومكان مكسور، وفرح انطفأ، وفراغ يؤلمني». ومسيرة الصوم هي أن أختبر أن أفكار الله، وإن كانت أعلى من أفكاري كما السماء عن الأرض، لا تبخل عليّ بمطرها. هو يرسل مطرًا من فوق ليُسقي حياتي التي ظننتها يابسة، فيجعلها تُثمر، ويُعيد إليها الخضرة، ويحوّلها إلى أرض طيبة.
المسيحي في الصوم يعيش هذه الثقة: لي أب لا يبخل عليّ بكرمه، ولا يمنع عني مطره، مهما بدت أفكاره بعيدة عن أفكاري.
وخبرة الصوم هي أن أختبر كل يوم جوعًا، وفقرًا، ومحدودية، وخطيئة أُصارعها، وأقول: «يا رب، أعنّي». فأكتشف أن هناك مطرًا أكرم مني ينزل عليّ، يروي حياتي، ويسدّ عطشي، ويعطيني ماءً مجانًا، لكي أُثمر، وأعطي ثمرًا طيبًا، وأكون عروسًا للعريس الذي يريد أن يتزوّج قلبي وقلوبكم.
من أجل ذلك، إخوتي، أدعوكم أن نبدأ صومنا في هذا الأحد، أحد المرفع، على هذا الأساس: أن أتذكّر أن لي أبًا يعطيني مجانًا، وأن لي أخًا أُعطيه حبًا مجانًا، بقدر ما أنا نلتُ هذا الحب.
فلنأخذ دقيقة نتأمّل في هذه الكلمة، ثم نعود إلى متابعة قدّاسنا.
